طوفان الأقصى: بين حسابات الميدان ومآلات التاريخ
ذ. يوسف مقران
هل كان طوفان الأقصى مجازفة غير محسوبة، انتهت بكارثة إنسانية غير مسبوقة في غزة، أم أن الحكم عليه بالهزيمة سابق لأوانه، بالنظر إلى ما قد تفرزه نتائجه من تحولات سياسية واستراتيجية في المستقبل؟ وهل يصح الحديث عن انتصار للمقاومة في ظل هذا الحجم الهائل من الدمار والخسائر، أم أن إسرائيل استطاعت، رغم الإخفاق الذي أصابها في السابع من أكتوبر، أن توظف تفوقها العسكري لتوسيع نفوذها وفرض وقائع جديدة في المنطقة؟
تباينت الإجابات عن هذه الأسئلة، وتداخل في النقاش السياسي والعاطفي ما هو عسكري بما هو إنساني، وما هو آني بما هو استراتيجي. ولعل الإشكال يبدأ حين يُختزل حدث بهذا الحجم في حكم نهائي، سواء تعلق الأمر بإعلان النصر أو بتقرير الهزيمة.
لا يمكن إنكار أن هجوم السابع من أكتوبر كشف إخفاقات أمنية واستخباراتية إسرائيلية كبيرة، وضرب صورة الجيش الذي لا يقهر، وأعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد سنوات من محاولات تهميشها. لكنه، في المقابل، فتح الباب أمام حرب مدمرة دفعت غزة وسكانها ثمنا هائلا، وأتاح لإسرائيل استخدام تفوقها العسكري لإلحاق دمار واسع بالقطاع واستهداف البنية العسكرية والتنظيمية للمقاومة.
فهل يعني ذلك أن إسرائيل انتصرت؟ ليس بالضرورة. وهل يعني إخفاقها في القضاء نهائيا على المقاومة أنها هُزمت؟ ليس بالضرورة أيضا.
هناك فرق بين النجاح في تحقيق هدف عسكري مباشر والقدرة على تحويله إلى مكسب سياسي مستدام. وهناك فرق بين إلحاق خسائر فادحة بالخصم وبين إخضاعه نهائيا، مثلما أن البقاء في الميدان لا يكفي وحده لإثبات الانتصار.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس من انتصر ومن انهزم في هذه اللحظة، بل ما الذي أرادت حماس تحقيقه، وما الذي تحقق فعلا، وما الذي خسرته القضية الفلسطينية وما الذي كسبته، وهل كانت النتائج المتوقعة تبرر الكلفة التي تحملها الفلسطينيون.
يرى أنصار العملية أنها كسرت حالة الجمود، وأعادت فلسطين إلى قلب النقاش العالمي، وكشفت التناقض بين الخطاب الإسرائيلي الذي يقدم إسرائيل باعتبارها دولة تدافع عن نفسها، وبين واقع الاحتلال والحصار والتهجير والدمار الذي يعيشه الفلسطينيون. ويذهب بعضهم إلى أن آثار العملية لن تظهر كلها في الحاضر، لأن التحولات التاريخية لا تقاس دائما بنتائج المعارك المباشرة، بل بما تحدثه من تغير في الوعي والمواقف وموازين القوى على المدى البعيد.
وهذه قراءة تستحق النقاش الجاد. فالتاريخ يعرف أحداثا لم تتضح دلالاتها السياسية إلا بعد سنوات، كما يعرف حركات حققت نجاحات ميدانية لكنها أخفقت في ترجمتها إلى مشروع سياسي قادر على حماية شعبها وتحقيق أهدافه.
غير أن الاحتجاج بالمستقبل لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإعفاء القرارات من المساءلة. فليس كل ما تتكشف نتائجه لاحقا انتصارا بالضرورة، وليس كل رهان على التحولات التاريخية رهانا ناجحا. المستقبل احتمال مفتوح، لا شهادة مسبقة بصواب القرار.
وفي المقابل، فإن اختزال المشهد في الدمار الذي أصاب غزة، ثم استخلاص أن إسرائيل انتصرت، يتجاهل أن التفوق العسكري لا يساوي بالضرورة نصرا سياسيا، وأن القدرة على التدمير لا تعني القدرة على إنهاء قضية شعب يطالب بحريته وحقوقه.
ومع ذلك، لا ينبغي الوقوع في الخطأ المعاكس، واعتبار كل أزمة تواجهها إسرائيل دليلا على هزيمتها، أو الخلط بين تراجع صورتها الدولية وبين تراجع قوتها العسكرية. فقد وسعت إسرائيل عملياتها العسكرية في المنطقة، وحققت مكاسب ميدانية، وألحقت أضرارا كبيرة بخصومها. وهذه وقائع لا يصح تجاهلها، مثلما لا يصح تجاهل ما ترتب على حربها من تراجع في مكانتها الأخلاقية لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، ومن عودة القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الدولي.
إن التحولات التي شهدها الرأي العام العالمي، واتساع الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل بسبب حربها على غزة، يمثلان مكسبا سياسيا ومعنويا للقضية الفلسطينية. لكن هذا المكسب لا ينبغي تضخيمه إلى حد اعتباره انتصارا استراتيجيا مكتملا، كما لا يجوز التقليل من أهميته لمجرد أن موازين القوة العسكرية ما زالت تميل لمصلحة إسرائيل.
أما القول إن حماس كان عليها أن تواصل حرب العصابات، عبر عمليات متفرقة تستنزف الجيش الإسرائيلي، بدلا من شن هجوم واسع، فهو سؤال مشروع عن طبيعة الاستراتيجية التي اختارتها الحركة. هل كانت المكاسب المتوقعة تستحق المخاطر؟ هل جرى تقدير حجم الرد الإسرائيلي المحتمل وقدرة غزة على تحمله؟ وهل وُضعت في الحسبان إمكانات حماية السكان ومآلات الحرب على المجتمع الفلسطيني ومستقبل قضيته؟
هذه أسئلة لا ينبغي تأجيلها إلى أجل غير مسمى، كما لا ينبغي الإجابة عنها بأثر رجعي وكأن البدائل كانت مضمونة النتائج. فلا دليل قاطعا على أن استراتيجية أخرى كانت ستفضي حتما إلى نتائج أفضل، لكن غياب اليقين لا يلغي ضرورة تقييم القرار ونتائجه، ولا يعفي القيادة السياسية والعسكرية من مسؤولية تقدير المخاطر والعواقب.
والأهم من ذلك كله ألا نبدأ تاريخ المأساة الفلسطينية من السابع من أكتوبر. فالفلسطينيون لم يستيقظوا في ذلك الصباح ليجدوا أنفسهم أمام صراع بلا تاريخ. هناك عقود من الاحتلال والتهجير ومصادرة الأرض والحصار والاعتداءات، منذ نكبة 1948 وما تلاها. وفهم هذا السياق ضروري لفهم أسباب الانفجار.
إن عدالة القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى إنكار أخطاء المقاومة، كما أن نقد خيارات حماس لا يستلزم تبني الرواية الإسرائيلية أو تجاهل مسؤولية الاحتلال عن المأساة المستمرة. فالموقف المبدئي من الاحتلال وحق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير لا يتعارض مع مساءلة القيادات عن قراراتها، بل إن هذه المساءلة جزء من المسؤولية تجاه الشعب الذي يتحمل نتائجها.
في تقديري، لا تكمن الموضوعية في إعلان انتصار تاريخي مكتمل، ولا في إصدار حكم نهائي بالهزيمة استنادا إلى حجم الخسائر وحده. بل تقتضي الاعتراف بالمأساة الإنسانية في غزة، وبالنجاح الأولي للهجوم في مفاجأة إسرائيل وإرباكها، وبالمكاسب العسكرية التي حققتها إسرائيل لاحقا، وبالإخفاق في حسم الصراع سياسيا، وبالتحولات التي طرأت على صورة القضية الفلسطينية في العالم.
قد يكشف المستقبل عن نتائج لم تتضح اليوم، وقد تتبدد آمال راهن عليها أصحاب العملية. لكن الحكم المسؤول يقتضي التمييز بين ما نعرفه وما نتوقعه، وبين الوقائع القائمة والرهانات المستقبلية.
فالتاريخ لا يكتبه حجم الخسائر وحده، ولا تكفي الشعارات لإعلان النصر. إنما يكتبه أيضا ما إذا كان شعب ما قد اقترب من حريته، وما إذا كانت تضحياته قد أسهمت في تغيير واقعه، وما إذا كان الفاعلون السياسيون قادرين على تحويل التحولات التي أحدثوها إلى مكاسب تحمي الناس وتخدم قضيتهم.
وهذا، في نهاية المطاف، هو المعيار الأصعب الذي ينبغي أن يُحاكم إليه طوفان الأقصى.
