أصابع لولا التسعة.. ملحمة النصر وسقوط اليمين

أصابع لولا التسعة.. ملحمة النصر وسقوط اليمين
Victoire de Lula au Brésil : neuf doigts, mais des mains propres.

عبد الرحيم التوراني

          لم يكن فوز لولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية مجرد حدث سياسي عابر في التاريخ البرازيلي الحديث، بل كان زلزالا نضاليا أعاد ترتيب كفة الصراع بين إرادة المستضعفين وصفاقة اليمين المتطرف. لقد جاءت نتائج الاقتراع لتطوي مرحلة قاتمة من الطغيان والاستغلال، وتعلن انتصار الخيار الديمقراطي المنحاز لكرامة الإنسان وحقوق الكادحين. إن هذا النصر التاريخي لم يثبت فقط قدرة الشعوب الحية على افتراس حريتها من فك الاستبداد، بل أرسل رسالة حاسمة لكل قوى الهيمنة وأعداء الشعوب بأن القلعة مهما تحصنت بالمال والنفوذ، فإنها تتهاوى أمام المد الشعبي الصادق.

تلك الأصابع التسعة للولا دا سيلفا صنعت معجزة النصر، فيما جاء أصبعه المفقود ليفقأ عيون أعداء الشعوب وزعيمهم ترامب وذيله نتنياهو. يا لها من وقاحة وصفاقة حين سخر مرشح اليمين من لولا وعيره بعاهته الجسدية، فإذا بالرئيس المناضل يلقنه ردا حاسما حشد المترددين خلف راية الحق.

لم تنفع كل كتائب الدعم اللوجستيكي والمالي التي جندها ترامب لإسناد تلميذه بولسونارو، فقد أصر هذا الأخير على إظهار صبيانيته حين استهزأ بتلك الأصبع التي فقدها لولا وهو يكافح طفلا في السابعة عشرة بميادين العمل، ليخرج لاحقا منتصرا لحقوق الكادحين ضد لصوص الطفولة والمستغلين… هكذا تحول أصبع لولا إلى سيف مصلت في أعين الحاقدين، وإلى صدمة كبرى أخرست بولسونارو وجعلته يتجرع مرارة السقوط.

قبل ظهور النتائج بساعات، جلست أقلب القنوات الفضائية أترقب بشغف سماع خبر مبهج.. فوز الرئيس المناضل لولا دا سيلفا في البرازيل… لست برازيليا، لكن فرحتي ستكون عارمة، فرحة لم تمنحني إياها يوما أي انتخابات في بلدي ولا في معظم أرجاء البلاد العربية.

لم يتبق لنا سوى مشاهدة ديمقراطيات الآخرين والاستمتاع بجمالياتها، مثلما نستمتع بفنون الكرة الراقية وسحرها الأخاذ، فنشاهد صناديق الاقتراع تحترم إرادة الناس وتطيح بالطغاة، بينما نكتفي نحن بدور المتفرج في مدرجات التاريخ… تلك هي للأسف حدود قدرنا المفروض.

ثم أخذني النوم لأستيقظ هذا الصباح (الاثنين 26 أكتوبر 2026) على تحقق الأمل بالفوز العظيم لممثل الشعب البرازيلي... لقد أثبتت هذه المعركة الانتخابية أن الشعوب الحية قادرة دائما على تصحيح مسارها، وأن الجماهير الكادحة متى توحدت خلف قضاياها العادلة، فإنها تستطيع كسر طوق الاستبداد والتبعية.

ها هي صفحات الفيسبوك وباقي مواقع التواصل الاجتماعي الآن تمتلئ بصور لولا وتشع بالفرح الغامر، كأنما يعيد هذا النصر بعث الأمل في نفوس أنهكتها خيبات الأهل والوطن. إنها برازيل العزة التي انتصرت لكرامة الإنسان، وذكرت العالم أجمع بأن أصوات المستضعفين هي التي تبقى حين تترنح عروش الظلم والمال.

وفي الختام ينجلي الغبار عن درس تاريخي لن تمحوه السنون: تسعة أصابع في يدين، يدان تنصعان بالنقاء والنزاهة وبالجود والكرم، هما كل ما احتاج إليه مناضل كادح ليصنع مجد أمة ويكسر غرور اليمين المستبد. إن عودة لولا إلى سدة الحكم ليست مجرد فوز في انتخابات، بل هي انتصار للذاكرة على النسيان وللعدالة الاجتماعية على طغيان رأس المال، وتأكيد أزلي بأن الشعوب وإن غفت زمنا، فإنها لا تموت… إنها برازيل الأمل التي تعود اليوم لتضيء عتمة العالم، وتذكرنا جميعا بأن الشرفاء وحدهم هم من يكتبون الفصل الأخير من المعركة.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!