من فقه اليمين إلى ميزان المحاسبة: أسئلة السلطة والمجتمع

من فقه اليمين إلى ميزان المحاسبة: أسئلة السلطة والمجتمع

مصطفى المتوكل الساحلي

     اليسار.. السهولة واليسر، وهو الغنى والثروة والرخاء، والجمع: يُسْرٌ، ويُسُر. ومن معاني اليمين القسم والبركة، فإذا حلف بالله على الباطل فعليه شرعاً التحلل من قسمه، وفي الفقه نجد ما يسمى “بيمين الغموس” وهي محرمة وتعتبر من الكبائر وهي الحلف كذباً وافتراءً وزوراً وباطلاً وسميت كذلك لأنها تغمس صاحبها بالفجور، قال تعالى: ﴿ فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا *إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا ﴾.

وفي السياسة اليسار مخالف لمعنى اليمين في علاقة بقاعة البرلمان الرئيسية، الجالسون على يسار منصة البرلمان هم التقدميون أو المعارضون، والجالسون يمين المنصة يطلق عليهم اليمين وهم المحافظون، ولقد أقسم ساسة اليسار وساسة اليمين والتكنوقراط منذ أول حكومة في شتنبر 1958 إلى حكومة شتنبر 2021 على الالتزام والأمانة والصلاح والإصلاح وخدمة الشعب والوطن بصدق وأمانة فهل كلهم التزموا بقسمهم ووعودهم العظمى أمام الله والشعب؟ أم أنهم لايهمهم من الأمر كله إلا الاستواء على كرسي الوزارة للقيام بما تيسر من المهام وبعض ما يحقق مصالحهم ولو أغضبوا الله والناس، ولمثل هذه الحالات يطالب السياسيون والححقوقيون بربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشكالات تضارب المصالح، والتصريح بالممتلكات قبل المسؤولية وبعدها، ومن لك هذا…؟

إن المسؤوليات أمانة والتزام تتعلق بمهمة السياسيين والحكام والمسؤولين مهما صغر شأنهم أو عظم، ومهما كان عمله من الفلاح الكبير إلى المقاولات الكبرى.. وتبتدئ برفع المعاناة والظلم الاقتصادي والاجتماعي عن الشعب وتلك من الأولويات الأساسية لإقرار وتحقيق المقاصد الشرعية والإنسانية المتجلية في حفظ: الدين، والنفس والعقل، والنسل، والمال، وفقه الأولويات من الضروريات إلى الحاجيات ثم التحسينيات والكماليات..

فالتغيير والتجديد والملاءمة عبر أزمنة الشعوب وحكامها أمر حتمي، والاصطفاف الفكري والسياسي والمصالحي يتم اعتماداً على مرجعيات دينية وصوفية وروحية ومادية ومالية في علاقة بالموروث التاريخي القبائلي والمناطقي والأيديولوجيات المؤطرة للطبقة الحاكمة والأحزاب والمثقفين وحتى العامة في ارتباط بالزوايا والطوائف..، فبعض العقليات تتبع طريقة البناء بالسعي للسيادة والاستقواء والتحكم، وقد يضطرون حسب الظروف والأحوال والمتطلبات تشكيل تحالفات وتكتلات شعبية أو طبقية أو فئوية أو حزبية تقوم على معادلات تتأرجح بين البراغماتية العقلانية شكلياً والاستقواء بالسلطة والثروة لاستغلال واستعباد الطبقات المسحوقة وتسخيرهم لخدمة مصالحهم للوصول إلى المراتب التي بها تدبر أمور البلاد والعباد في السياسة الاقتصادية والاجتماعية في علاقة بتأويلهم وتفسيرهم الفكري والمصالحي للديمقراطية وحدودها والحريات وقيودها علاقة بالساكنة والبنيات التحتية والثروات…

إن العمل الجيد والجدي يتطلب النفس الطويل وتوحيد السرعات بمسارات وسياسات مؤسسات الدولة والقطاعات الحكومية الترابية والقطاعات شبه عمومية والخاصة، وهذا لن يتحقق أو يتعثر ويَفشل إذا استمرت اللوبيات البيروقراطية بإدارات القطاعات الحكومية والمؤسسات الترابية ورهط الشناقة وسط المجتمع والمعاملات الاقتصادية والتجارية المتمرسين في صناعة الثروات اللامشروعة على حساب تعب وكد الشعب في كل مجالات العيش بالاحتكار والمضاربة والغش ورفع الأسعار والظلم…، إن التساهل مع هذه الفئة القليلة التي تترك أضراراً وآثاراً جد سلبية تتباين خطورتهم بين قطاع وآخر مما يعطل التنمية ويشوه الديمقراطية ويعمق الفوارق الطبقية ويمس بمختلف مجالات الأمن والاستقرار ويجعل الناس البسطاء أمام تناقض مهول بين ما تقوله وتلتزم به الدولة وبين ما يصنع هؤلاء..

لعلنا سنكون أفضل إن كان الشعب والمؤسسات متوافقين متكاملين مشتغلين ومتتبعين باهتمام ومعرفة ووعي، ونعمل بقواعد وآليات النصح والتقييم والتقويم والوضوح والمحاسبة لأن المسؤوليات والمهام ليست آلية للترقي والتسلط والتغول من الذين لايهمهم الصالح العام ولا تقدم الوطن ولا الرفاه… لهذا فعلى الأحزاب المشكلة لأي حكومة وحتى التي تختار المعارضة أن تمارس على نفسها الرقابة الحكيمة في التسيير المالي والإداري، ومراقبة جدوى وموضوعية برامجها وسياساتها وسلوكات وممارسات وحتى تصريحات المسؤولين بالحكومة والمؤسسات المنتخبة وطنيا وجهويا وإقليميا وترابيا، وعليهم ضبط واحترام القواعد القانونية والحقوقية والاجتماعية وأساساً الشرعية من مثل: لا ضرر ولا ضرار – وأينما كانت المصلحة فثم شرع الله – جلب المنافع ودفع المضار – الاجتهاد فيما لا نص فيه، وتحيينه لملاءمة الحاضر والمصلحة العامة، إقرار العدل والتعجيل برفع المظالم، والعمل بالقواعد والمبادئ التي تؤطر وتعرف بالمواطن وحقوقه وواجباته، ومسؤوليات مؤسسات الدولة أمام الشعب والله..

قال الخليفة أبو بكر الصديق بعد توليته الخلافة: “يا أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حسن فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فقوموني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم. ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه.”

شارك هذا الموضوع

مصطفى المتوكل الساحلي

ناشط سياسي ونقابي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!