حين تصبح الثقافة قوة ناعمة: هل يستطيع المثقف فصل الجائزة عن السياسة؟

حين تصبح الثقافة قوة ناعمة: هل يستطيع المثقف فصل الجائزة عن السياسة؟

ذ.يوسف مقران

     ليست كل الجوائز الثقافية بريئة من السياسة، كما أن تكريم الأدب والفكر لا يعني بالضرورة انتصارا لقيم الحرية والعدالة. ففي عالم تتنافس فيه الدول على النفوذ والصورة والمكانة الدولية، لم تعد الثقافة مجرد مجال للإبداع والمعرفة، بل أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة، تستخدمها الحكومات لتحسين صورتها، وصناعة جاذبيتها، وتقديم نفسها إلى العالم بوصفها نموذجا للحداثة والتسامح والانفتاح.

من هنا، لا يكفي النظر إلى جائزة أدبية أو فكرية من زاوية قيمتها المالية أو مكانة الفائز بها. ثمة سؤال آخر لا يقل أهمية: من يمنح الجائزة؟ ولماذا يستثمر في الثقافة؟ وما الصورة التي يريد أن يصنعها عن نفسه من خلال تكريم الأدباء والمفكرين؟

تقدم بعض الدول الخليجية مثالا واضحا على هذا التداخل بين الثقافة والسياسة. دولة تطبع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، وتتبنى خيارات إقليمية يربطها منتقدون بتغذية النزاعات والانقسامات في عدد من البلدان العربية، تنفق في الوقت نفسه على الجوائز الأدبية والفكرية، وتحتفي بالمثقفين، وتمنح ألقابا للتميز الثقافي. وقد تبدو هذه الأنشطة، عند النظر إليها منفردة، تعبيرا عن اهتمام حقيقي بالإبداع والمعرفة. غير أن وضعها في سياق السياسة الخارجية للدولة يفتح بابا مشروعا للتساؤل عن الوظيفة التي تؤديها.

لا يتعلق الأمر هنا بإنكار قيمة الجوائز لمجرد أن الدولة المانحة تقف وراءها، ولا بالقول إن كل مبادرة ثقافية تصدر عنها مجرد دعاية. المسألة أكثر تعقيدا من ذلك. فقد تنتج هذه المؤسسات أعمالا أدبية رفيعة، وقد تنصف مبدعين يستحقون التقدير، لكن النجاح الثقافي لا يمحو التناقضات السياسية، مثلما لا تمنح الجائزة شهادة أخلاقية شاملة للدولة التي تقدمها.

حين تخدم الثقافة صورة السلطة

القوة الناعمة ليست مفهوما نظريا بعيدا عن الممارسة السياسية. إنها قدرة الدولة على التأثير في الآخرين من خلال الجاذبية والإقناع، بدلا من الإكراه وحده. والثقافة من أهم أدواتها، إلى جانب التعليم والإعلام والفنون والعلاقات الأكاديمية. وقد أصبحت بعض الحكومات تتعامل مع الاستثمار الثقافي باعتباره جزءا من استراتيجيتها الدولية، لا مجرد إنفاق على المعرفة والإبداع.

وتعلن الدولة المعنية نفسها، في استراتيجيتها الرسمية للقوة الناعمة، أن من أهدافها تعزيز حضورها العالمي وتقديم صورتها باعتبارها مركزا للثقافة والفنون والانفتاح. وهذا يوضح أن المسألة لا تتعلق بالثقافة وحدها، بل أيضا بكيفية توظيفها في بناء السمعة الدولية.

لا مشكلة في أن تسعى دولة إلى تحسين صورتها من خلال الثقافة، ما دامت هذه الصورة لا تقوم على إخفاء ممارسات تناقض القيم التي تروج لها. المشكلة تبدأ حين تتحول الجوائز والمعارض والمهرجانات إلى واجهة براقة تحجب أسئلة الحرية والعدالة وحقوق الشعوب، أو حين يصبح الاحتفاء بالمثقف وسيلة لإضفاء الشرعية المعنوية على سياسات لا تحظى بالقبول لدى قطاعات واسعة من الرأي العام.

في هذه الحالة، لا تعود الجائزة مجرد اعتراف بعمل إبداعي، بل تصبح جزءا من مشهد سياسي أوسع، قد يجد فيه المانح فرصة لتوسيع نفوذه داخل الأوساط الثقافية، وكسب احترام رموزها، وتقديم نفسه بوصفه راعيا للتنوير، حتى عندما تثير خياراته السياسية اعتراضات أخلاقية عميقة.

هل يكفي أن تكون الجائزة مستحقة؟

هنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية: هل ينبغي للأديب أو المفكر أو المثقف أن يقبل جائزة من مؤسسة تابعة لدولة تتعارض سياساتها مع المبادئ التي يعلن الدفاع عنها؟

لا توجد إجابة واحدة تصلح لكل الحالات. فالجوائز ليست متشابهة، والجهات المانحة تختلف في استقلاليتها، كما أن قبول التكريم لا يعني بالضرورة موافقة صاحبه على جميع سياسات الدولة التي تقف وراءه. وقد يكون العمل الفائز مستقلا في مضمونه، وقد تكون الجهة المنظمة بعيدة نسبيا عن القرار السياسي. ومن الظلم اختزال مسيرة كاتب كاملة في جائزة واحدة، أو افتراض أن كل من يقبل التكريم قد باع ضميره.

لكن هذه الاعتبارات لا تلغي مسؤولية الاختيار. فالمثقف الذي يعلن انحيازه إلى الحرية ورفض الاستبداد ومقاومة الهيمنة، لا يستطيع أن يتعامل مع كل تكريم باعتباره شأنا شخصيا محضا. عليه أن يسأل عن المؤسسة التي تمنحه الجائزة، وعن شروطها، وعن الرسائل التي يمكن أن يحملها قبوله، وعن احتمال توظيف اسمه ومكانته في تسويق صورة سياسية لا يوافق عليها.

وقد يكون الاعتذار عن الجائزة، في بعض السياقات، موقفا أخلاقيا ينسجم مع قناعات صاحبها. وقد يكون قبولها، في سياقات أخرى، قابلا للدفاع عنه إذا كان مستقلا عن التوظيف السياسي ولا يتضمن تنازلا عن المبادئ. الفارق لا تحدده قيمة المكافأة، بل طبيعة العلاقة بين المكرَّم والجهة المانحة، ومدى وضوح موقفه من التناقض الذي يواجهه.

المفارقة التي تستحق النقاش

الأكثر إثارة للتساؤل أن يصدر التهنئة بفوز أحد المثقفين بجائزة من هذا النوع عن أشخاص يعلنون باستمرار رفضهم للاستبداد، ومناهضتهم للصهيونية والإمبريالية. قد تكون التهنئة موجهة إلى المبدع تقديرا لعمله، لا إلى الدولة المانحة، وقد يكون صاحبها حريصا على الفصل بين الأمرين. لكن هل يكفي هذا الفصل دائما؟

حين نهنئ شخصا على جائزة، فإننا نحتفي بإنجازه، وهذا أمر مفهوم. غير أن الاحتفاء قد يمنح الجائزة نفسها مزيدا من الاعتبار، ويسهم في ترسيخ مكانة المؤسسة التي تمنحها، بصرف النظر عن النوايا. وهنا تظهر المفارقة: كيف نرفض الدور السياسي لدولة ما، ثم نتعامل مع مؤسساتها الثقافية باعتبارها خارج هذا الدور تماما؟

ليس المطلوب تحويل التهنئة إلى محاكمة أخلاقية، ولا مطالبة المثقفين بقطع كل صلة بالمؤسسات التي لا يتفقون معها. المطلوب هو قدر من الاتساق بين الخطاب والممارسة، ووعي بأن المؤسسات الثقافية لا تعمل دائما بمعزل عن المصالح التي تمولها وتوجهها. فالنوايا الحسنة لا تمنع النتائج من خدمة غايات أخرى.

وإذا كان المثقف يرى أن التطبيع ليس مجرد علاقة دبلوماسية، بل مسار يمنح شرعية سياسية وأخلاقية للكيان الصهيوني، فمن حقه أن يوضح كيف ينسجم قبول جائزة ممولة من دولة اختارت هذا المسار مع موقفه المعلن. وإذا كان يعتبر الاستبداد مرفوضا من حيث المبدأ، فمن حق الجمهور أن يسأله عن حدود استقلاله حين يأتي التكريم من مؤسسات السلطة.

هذا السؤال لا يستهدف شخصا بعينه، بل يختبر معنى الموقف الثقافي حين ينتقل من الكلمات إلى الاختيارات العملية.

هل نفصل الثقافة عن السياسة كما نفصل الدين عنها؟

يقال في النقاشات العلمانية بضرورة الفصل بين الدين والسياسة، وإن اختلفت تفسيرات هذا المبدأ وحدوده. لكن هل يمكن نقل الفكرة نفسها إلى الأدب والفكر والثقافة، والقول إن الإبداع شأن مستقل لا ينبغي إخضاعه للمواقف السياسية؟

ينبغي هنا التمييز بين أمرين: استقلال العمل الأدبي والفكري عن التوجيه السياسي، واستقلال المثقف أخلاقيا عن نتائج اختياراته ومواقفه. الأول ضرورة لحماية الإبداع من الرقابة والتلقين، أما الثاني فلا يعني إعفاء المثقف من مسؤولية ما يختار دعمه أو المشاركة فيه.

ليس من العدل أن نطالب الرواية بأن تكون بيانا سياسيا، أو أن نحاكم قصيدة وفق موقف صاحبها من كل قضية دولية. الأدب أوسع من الشعارات، والفكر لا يزدهر حين يتحول إلى امتحان للولاء. لكن استقلال العمل الإبداعي لا يعني أن صاحبه يعيش خارج المجتمع والتاريخ، ولا أن قراراته المتعلقة بالتكريم والتمويل والتمثيل العام خالية من الدلالات.

يمكن للكاتب أن يكتب رواية عظيمة من دون أن تكون الرواية نفسها موقفا سياسيا مباشرا. لكن حين يقبل تكريما رسميا، أو يصبح وجها ثقافيا لمؤسسة ما، فإن الأمر يتجاوز نصه إلى علاقة جديدة بينه وبين الجهة التي تحتفي به. عندها يصبح السؤال عن الموقف الأخلاقي مشروعا، من دون أن يتحول إلى مصادرة لحقه في الاختيار.

جان بول سارتر: حين يصبح الرفض موقفا

في تاريخ الأدب العالمي مثال شهير يستحق الاستحضار. عام 1964، رفض الفيلسوف والكاتب الفرنسي جان بول سارتر جائزة نوبل للأدب، مع أنه كان من أبرز الأسماء الأدبية والفكرية في عصره. وتوضح مؤسسة نوبل أنه كان يرفض الأوسمة والتكريمات الرسمية بصورة عامة، فيما شرح سارتر موقفه باعتباره منسجما مع تصوره لاستقلال الكاتب، الذي ينبغي أن يستند إلى كلمته وأعماله، لا إلى الألقاب التي تضيفها المؤسسات إليه.

لم يكن موقف سارتر دليلا على أن كل جائزة مرفوضة أخلاقيا، ولا أن قبول الجوائز ينتقص بالضرورة من قيمة أصحابها. لكنه أكد أن التكريم ليس قدرا لا يمكن رفضه، وأن المكانة الأدبية لا تتوقف على الاعتراف الرسمي. يستطيع الكاتب أن يظل كبيرا بأعماله، حتى حين يرفض أعلى الجوائز شهرة.

وهذه هي النقطة الأهم في المثال: أن الاستقلال الثقافي لا يقاس فقط بجرأة ما يكتبه المثقف، بل قد يظهر أيضا في قدرته على رفض امتياز لا ينسجم مع قناعاته. فالجائزة، مهما علت قيمتها، لا ينبغي أن تصبح أغلى من حرية صاحبها في اتخاذ موقف.

لمن ينحاز الأدب في نهاية المطاف؟

ليس مطلوبا من كل أديب أن يكون ناشطا سياسيا، ولا من كل مفكر أن يتبنى الموقف نفسه من القضايا الدولية. لكن الثقافة التي تنفصل تماما عن أسئلة الإنسان وكرامته وحريته تتحول إلى نشاط مغلق على ذاته، مهما بلغت درجة الإتقان فيه.

ما قيمة الفكر إذا لم يساعد على كشف آليات الهيمنة؟ وما جدوى الأدب إذا عجز عن رؤية معاناة الإنسان، أو اختار الصمت حين يصبح الصمت جزءا من مشهد تبرير الظلم؟ وما معنى أن يعلن المثقف انحيازه إلى المستضعفين، ثم يتعامل بلا مساءلة مع المؤسسات التي تساهم، وفق ما يراه منتقدوها، في ترسيخ موازين قوة غير عادلة؟

لا يعني ذلك أن على المثقف أن يرفض كل جائزة تأتي من دولة تختلف سياساتها عن قناعاته، أو أن يتحول العمل الثقافي إلى أداة للتصنيف والتخوين. لكنه مطالب بألا يجعل استقلال الأدب ذريعة لتعليق المسؤولية الأخلاقية، وألا يخلط بين الاعتراف بقيمة عمله والقبول الضمني بالصورة التي يريد المانح تسويقها.

في النهاية، ليست القضية في الجائزة وحدها، ولا في اسم الفائز، ولا في عدد التهاني التي يتلقاها. القضية في المعنى الذي نمنحه للثقافة، وفي قدرتنا على التمييز بين تكريم الإبداع وتجميل السلطة.

قد تنجح دولة في بناء متاحف ومؤسسات ثقافية، وفي استقطاب كبار الأدباء والمفكرين، وفي تنظيم جوائز مرموقة. لكن هذه الإنجازات لا تمنحها حصانة من النقد، كما أن بريق الثقافة لا يحول التناقض السياسي إلى انسجام أخلاقي.

المثقف ليس مطالبا بأن يكون معارضا لكل سلطة، لكنه حين يجعل مقاومة الاستبداد والصهيونية والإمبريالية جزءا من هويته الفكرية، يصبح مطالبا بأن يراجع اختياراته في ضوء هذه المبادئ، لا أن يستحضرها في خطاباته فقط.

فالأدب ليس جهاز دعاية، والفكر ليس زينة للأنظمة، والثقافة ليست شهادة حسن سلوك تمنحها الجوائز للدول. قيمتها الأعمق تكمن في قدرتها على توسيع الحرية، والانتصار لكرامة الإنسان، وفتح الأسئلة التي تفضل السلطة تجنبها.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه كل مثقف، لا خصومه وحدهم: عندما يتعارض بريق التكريم مع مقتضيات المبدأ، أيهما يستحق أن تكون له الكلمة الأخيرة؟

شارك هذا الموضوع

يوسف مقران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!