من “المسكوب” إلى ستيباشين: عودة الروح لروابط بيروت وموسكو
د. زياد أسعد منصور
♦ زيارة رئيس الوزراء الروسي الأسبق إلى بيروت ليست مجرد افتتاح لجمعية تاريخية، بل محطة في مسار روسي متعدد الأبعاد، يجمع بين السياسة والدين والتعليم والمصالح الاقتصادية. فمن هي الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية؟ ولماذا اختارت موسكو هذا التوقيت لإحياء حضورها المؤسسي في لبنان؟ وهل تمهد الزيارة لاتفاقيات تجارية وتسهيل التأشيرات وعودة الرحلات المباشرة.
لم تكن زيارة رئيس الوزراء الروسي الأسبق سيرغي ستيباشين إلى بيروت، في 30 تشرين الأول 2026، مجرد مناسبة بروتوكولية لافتتاح فرع لبناني لجمعية روسية عريقة، ولا حدثاً دينياً يقتصر على العلاقات بين الكنيستين الروسية والأنطاكية. فالزيارة، في توقيتها ومستوى اللقاءات التي تخللتها وطبيعة الملفات التي حضرت خلالها، تكشف عن مسار أوسع لإعادة تنشيط العلاقات اللبنانية الروسية، واستثمار رصيد تاريخي يعود إلى القرن التاسع عشر في بناء علاقات معاصرة متعددة الأبعاد.
والواقع أن موسكو لم تغادر لبنان حتى يقال إنها عادت إليه من الصفر. فقد استمر حضورها الدبلوماسي والثقافي والديني، وإن تفاوتت كثافته تبعاً للتحولات الداخلية اللبنانية والأزمات الإقليمية والدولية. لكن الجديد اليوم هو السعي إلى إعطاء هذا الحضور شكلاً مؤسسياً أكثر وضوحاً، وربطه بفرص التعاون الاقتصادي والتعليمي والسياحي.
ولعل ما يميز زيارة ستيباشين أنها جاءت بعد سلسلة من الاتصالات والتحضيرات، ولم تكن خطوة معزولة عن السياق العام للعلاقات الثنائية. كما أنها أعادت إلى الواجهة صفحات شبه منسية من التاريخ اللبناني، تتصل بالمدارس الروسية القديمة في عكار وطرابلس، والكورة، وبيروت وصيدا، وبالدور الذي أدته الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية في بلاد الشام قبل أكثر من قرن.
من هنا، فإن السؤال الأهم ليس لماذا جاء ستيباشين إلى لبنان، بل لماذا اكتسبت زيارته هذا البعد السياسي والتاريخي، وما الذي يمكن أن يليها.
من هو ستيباشين، وما الذي يجعل زيارته ذات وزن سياسي؟
سيرغي فاديموفيتش ستيباشين ليس مسؤولاً روسياً سابقاً يبحث عن دور رمزي بعد خروجه من السلطة. فهو أحد رجال الدولة الذين شغلوا مواقع أساسية في روسيا خلال مرحلة الانتقال من عهد بوريس يلتسين إلى عهد فلاديمير بوتين.
تولى رئاسة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي بين عامي 1994 و1995، ثم وزارة العدل ووزارة الداخلية، قبل أن يصبح رئيساً للحكومة الروسية بين أيار وآب 1999، في الأشهر التي سبقت تولي بوتين رئاسة الوزراء. وبعد ذلك ترأس ديوان المحاسبة الروسي بين عامي 2000 و2013.
ومنذ عام 2007، يتولى رئاسة الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية، وهي مؤسسة تتمتع بإرث تاريخي وعلاقات ممتدة مع الكنائس والمؤسسات الثقافية والجهات الرسمية في الشرق الأوسط.
هذه السيرة تمنح ستيباشين خصوصية واضحة؛ فهو يجمع بين الخبرة الأمنية والسياسية والإدارية، وبين رئاسة مؤسسة تاريخية ذات امتداد دولي.
وقد اكتسبت زيارته إلى بيروت دلالة إضافية عندما أعلن أنه نقل تحيات الرئيس فلاديمير بوتين إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، في لقاء حضره أيضاً السفير الروسي ألكسندر روداكوف ووفد كنسي روسي رفيع.
ولا يعني نقل التحيات أن ستيباشين كان مبعوثاً رئاسياً يحمل تفويضاً رسمياً. لكنه يعكس استمرار قنوات الاتصال بين هذه الشخصية الروسية المخضرمة ومؤسسات الحكم في موسكو.
والأهم أن ستيباشين تحدث عن ملفات لا تقتصر على نشاط الجمعية، بل تشمل التعاون الاقتصادي والقضايا الإقليمية واستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين.
وهنا تكمن أهمية الزيارة: رجل يحمل رصيداً سياسياً كبيراً جاء تحت عنوان ثقافي وديني، لكنه ناقش أيضاً قضايا تقع في صميم العلاقات بين الدولتين.
ما هي الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية التي عادت إلى بيروت؟
قد يبدو اسم «الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية» غريباً على القارئ اللبناني، وربما يوحي بأن نشاطها محصور بفلسطين. لكن تاريخ المؤسسة يكشف عن امتداد أوسع بكثير. فقد تأسست الجمعية في روسيا القيصرية في 2 حزيران 1882، خلال حكم القيصر ألكسندر الثالث، بمبادرة من شخصيات روسية مهتمة بالأراضي المقدسة، وفي مقدمتها فاسيلي خيتروفو. وترأسها في بداياتها الدوق الأكبر سيرغي ألكسندروفيتش، أحد أفراد الأسرة الإمبراطورية.
وقد حددت لنفسها أهدافاً علمية ودينية وخيرية، شملت دراسة تاريخ فلسطين والمشرق، ومساعدة الحجاج الروس، وإنشاء المدارس والمؤسسات التعليمية والخيرية، وتطوير العلاقات مع المجتمعات الأرثوذكسية المحلية، وفي عام 1889، حصلت الجمعية على صفتها الإمبراطورية، فأصبحت تحمل الاسم الذي عُرفت به تاريخياً.
غير أن نشاطها لم يقتصر على فلسطين، بل امتد إلى مناطق واسعة من بلاد الشام، بما فيها الأراضي التي تشكل لبنان المعاصر.
ومن الضروري هنا فهم الظروف التي نشأت فيها الجمعية. ففي أواخر القرن التاسع عشر، كانت الدولة العثمانية تشهد تنافساً متزايداً بين القوى الأوروبية على النفوذ السياسي والثقافي والديني. وقد أدت المدارس والإرساليات والمؤسسات الخيرية دوراً مهماً في هذا التنافس، إلى جانب السفارات والقنصليات.
وفي هذا السياق، مثّلت الجمعية الروسية أداة للتواصل الثقافي والديني، وكانت في الوقت نفسه جزءاً من الحضور الدولي الأوسع للإمبراطورية الروسية.
لكن اختزال دورها في السياسة وحدها يتجاهل نشاطها التعليمي الحقيقي، كما أن اعتبارها مؤسسة خيرية منفصلة تماماً عن مصالح روسيا القيصرية يتجاهل السياق الدولي الذي نشأت فيه.
والقراءة التاريخية الأكثر دقة هي أنها جمعت بين التعليم والحج والبحث العلمي والعمل الخيري، ضمن بيئة كانت فيها الثقافة والدين من وسائل بناء العلاقات والنفوذ.
مدارس «المسكوب» في لبنان… تاريخ أقدم من العلاقات الدبلوماسية المعاصرة
من أبرز ما أعادته زيارة ستيباشين إلى النقاش مسألة المدارس الروسية التي انتشرت في بلاد الشام خلال العهد العثماني. ففي الذاكرة المحلية اللبنانية، ارتبط اسم «المسكوب» بالروس، وكانت المدارس الروسية جزءاً من المشهد التعليمي الذي عرفته مدن وبلدات المشرق في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
وقد أنشأت الجمعية مدارس في مناطق مختلفة، وساهمت في تعليم أبناء المجتمعات المحلية، وإعداد المعلمين، وتوفير فرص تعليمية ضمن شبكة واسعة امتدت إلى فلسطين وسوريا ولبنان.
وخلال زيارته الأخيرة، تحدث ستيباشين عن وجود نحو خمسين مدرسة روسية في لبنان خلال العهد القيصري. أما وكالة «تاس»، فأشارت إلى شبكة ضمت نحو مئة مدرسة ومعهدين لإعداد المعلمين في لبنان وفلسطين وسوريا مجتمعة. ويعني هذا عمليا أن الحضور التعليمي الروسي لم يكن هامشياً، وأن مدارس الجمعية شكلت جزءاً من تاريخ التعليم الحديث في بلاد الشام.
وتبرز هنا مناطق ومدن لبنانية مثل عكار، والكورة، بيروت وطرابلس وصيدا، حيث تشير الوثائق الروسية إلى وجود نشاط تعليمي للجمعية.
ودون شك، فإن هذا الإرث يفتح باباً بحثياً لم يُستثمر بما يكفي في لبنان: أين كانت تلك المدارس؟ وما أسماء أساتذتها وتلامذتها؟ وأين ذهبت سجلاتها؟ وهل بقيت مبانٍ أو عقارات أو وثائق يمكن استعادتها ودراستها؟
وقد يكون الجواب عن هذه الأسئلة أحد أكثر أوجه التعاون اللبناني الروسي أهمية، لأنه ينقل العلاقات من مستوى الشعارات التاريخية إلى البحث الأرشيفي وحفظ التراث.
فالمدارس الروسية ليست مجرد ذكرى تخص روسيا، بل جزء من تاريخ التعليم والمجتمع في لبنان.
روسيا لم تنكفئ… من زيارة البلمند عام 2014 إلى افتتاح الفرع عام 2026
وليست زيارة ستيباشين إلى لبنان عام 2026 هي الأولى من نوعها، فقد زار لبنان في 31 آذار 2014، والتقى في دير سيدة البلمند بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر، في إطار مهمة إنسانية شملت لبنان وسوريا، وارتبطت خصوصاً بتداعيات الحرب السورية وأوضاع المتضررين منها، وشارك السفير الروسي في لبنان آنذاك ألكسندر زاسبكين في اللقاء.
وتكشف هذه المحطة أن الجمعية حافظت على قنوات التواصل مع لبنان وبطريركية أنطاكية خلال مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب. على هذا، لا يجوز اعتبار عام 2014 آخر حضور للجمعية في لبنان، إذ تواصلت أنشطتها عبر ممثلين ووفود أخرى خلال السنوات اللاحقة.
والفرق بين المرحلتين واضح. ففي عام 2014 كان العمل الإنساني المتصل بالأزمة السورية في صدارة النشاط، أما عام 2026 فقد انتقل الاهتمام إلى تأسيس حضور مؤسسي لبناني معلن، وبرنامج أوسع يشمل التعليم، والتراث، والثقافة، والحج.
وبذلك تبدو زيارة 2026 امتداداً لمسار قائم، لا بداية علاقة جديدة.
ما وراء الزيارة… مشروع أُعدّ له قبل وصول ستيباشين
لم يكن افتتاح الفرع اللبناني في 30 تشرين الأول 2026 قراراً مفاجئاً. ففي 24 تموز 2025، بحث ستيباشين مع السفير الروسي لدى لبنان ألكسندر روداكوف مشروع إنشاء الفرع، في اجتماع عُقد بموسكو، ثم جرى تأسيس الفرع اللبناني في 25 شباط 2026، وفق ما أعلنته الجمعية، مع تسجيله لدى وزارة الداخلية اللبنانية وانتخاب رجل الأعمال اللبناني وديع حداد رئيساً له. أما مراسم 30 تشرين الأول، فمثلت الافتتاح الرسمي العلني للفرع بحضور شخصيات روسية ولبنانية.
هنا يتضح أن الزيارة جاءت تتويجاً لتحضير مؤسسي سابق، لا مبادرة طارئة فرضتها الظروف السياسية الآنية.
كما أن اختيار رئيس لبناني للفرع يحمل دلالة تنظيمية مهمة، إذ يتيح للجمعية العمل من خلال إطار محلي، وبناء شراكات مع المؤسسات التعليمية والثقافية والبحثية اللبنانية.
ومن اللافت أن حداد تحدث عن البحث عن المنشآت التاريخية المرتبطة بالحضور الروسي والكنيسة الروسية في الشرق الأوسط، وفهرستها والعمل على ترميمها، وهذا التوجه، إذا تحول إلى مشاريع فعلية، قد يمنح الجمعية دوراً ثقافياً وتاريخياً يتجاوز المناسبات البروتوكولية.
لماذا جاء ستيباشين في هذا التوقيت بالذات؟
لا يمكن فصل توقيت الزيارة عن المرحلة التي يمر بها لبنان، ولا عن التحولات التي تشهدها السياسة الروسية في الشرق الأوسط. فلبنان، الذي يواجه أزمة اقتصادية ومالية ممتدة منذ عام 2019، يحتاج إلى توسيع خياراته الاقتصادية وتنويع علاقاته الخارجية، وإعادة تنشيط قطاعاته الإنتاجية والسياحية.
وفي المقابل، تسعى روسيا إلى المحافظة على قنوات حضورها في الشرق الأوسط، في ظل بيئة دولية معقدة وتحديات سياسية واقتصادية متزايدة.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة زيارة ستيباشين باعتبارها تقاطعاً بين حاجة لبنانية إلى توسيع الشراكات، واهتمام روسي بتطوير أدوات التواصل مع لبنان. في كل حال، فإن أهمية التوقيت تتجاوز هذا التفسير العام.
فقد سبقت الزيارة اتصالات دبلوماسية لبنانية روسية خلال عام 2026، بينها محادثات وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو في تشرين الأول، حيث طُرح استئناف اجتماعات اللجنة الحكومية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني، التي توقفت اجتماعاتها منذ عام 2018.
وبذلك، فإن زيارة ستيباشين جاءت في مرحلة كانت فيها العلاقات الرسمية نفسها تشهد محاولات لإعادة تنشيط آليات التعاون، وهذا يدل على أن الزيارة لم تكن منفصلة عن مناخ أوسع من الاتصالات الثنائية.
لقاء عون وسلام… الرسالة السياسية تتجاوز افتتاح الجمعية
احتلت لقاءات ستيباشين مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام موقعاً مركزياً في برنامج الزيارة. وقد نقل ستيباشين تحيات الرئيس فلاديمير بوتين إلى عون، وتحدث عن أهمية العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والتعاون الاقتصادي، كما ناقش مع المسؤولين اللبنانيين آفاق نشاط الجمعية في مجالات التعليم والثقافة والحج.
وإذا كانت هذه اللقاءات قد أُجريت في إطار زيارة ذات عنوان ثقافي وديني، فإن مستوى الاستقبال الرسمي أعطاها بعداً سياسياً واضحاً.
ولا يمكن فصل زيارة ستيباشين إلى بيروت عن علاقاته الوثيقة والممتدة بمراكز القرار في موسكو، ولا سيما أنه تولّى سابقاً رئاسة الحكومة الروسية وشغل مناصب سيادية رفيعة. وقد اكتسبت الزيارة دلالة سياسية إضافية بإعلانه نقل تحيات الرئيس فلاديمير بوتين إلى الرئيس جوزاف عون، في إشارة إلى استمرار قنوات التواصل بين القيادتين الروسية واللبنانية. ومع ذلك، فإن هذه المعطيات لا تعني بالضرورة أن ستيباشين جاء بصفته مبعوثاً رسمياً للكرملين، إذ لم يُعلن عن تكليفه بمهمة رئاسية محددة.
في الوقت عينه، فإن الزيارة أظهرت قدرة موسكو على توظيف شخصيات ومؤسسات غير حكومية في إبقاء قنوات التواصل السياسي والثقافي مفتوحة، وهي ممارسة تندرج ضمن ما يُعرف بالدبلوماسية العامة، حيث تتكامل العلاقات الرسمية مع نشاط المؤسسات المجتمعية والثقافية والدينية.
الدور المنتظر من الجمعية… هل تصبح جسراً جديداً بين البلدين؟
دون شك، فإن افتتاح الفرع اللبناني يطرح سؤالاً عملياً: ماذا ستفعل الجمعية بعد انتهاء الاحتفالات؟
بحسب التصريحات الروسية المنشورة، تشمل مجالات العمل المقترحة المحافظة على التراث التاريخي، ودعم المؤسسات التعليمية، وتطوير التعاون الجامعي والعلمي، وتعليم اللغة الروسية، وتنشيط الحج الديني والتبادل الثقافي، وهذه المجالات ليست بعيدة عن تاريخ الجمعية، لكنها تحتاج اليوم إلى برامج معاصرة قابلة للتنفيذ.
إذ يمكن، على سبيل المثال، إطلاق مشروع بحثي مشترك لفهرسة المدارس الروسية القديمة في لبنان، بالتعاون مع الجامعات اللبنانية والأرشيفات الكنسية والبلدية.
كما يمكن تطوير برامج لتبادل الباحثين والطلاب، وتنظيم معارض وثائقية، ودراسة إمكان ترميم مبانٍ تاريخية مرتبطة بالوجود الروسي، بعد التحقق من ملكيتها ووضعها القانوني وقيمتها التراثية.
أما على المستوى السياحي، يمكن الاستفادة من الروابط الدينية والتاريخية لتنظيم زيارات متبادلة، شرط توافر التسهيلات اللازمة للنقل والإقامة.
لكن الجمعية ليست جهة مخولة توقيع الاتفاقيات التجارية الحكومية أو إلغاء التأشيرات. لكن دورها المحتمل يكمن في تهيئة البيئة الثقافية والمجتمعية التي تساعد على توسيع التعاون الرسمي.
من التاريخ إلى الاقتصاد… هل تُتوّج الزيارة باتفاقيات تجارية؟
قد تكون العلاقات الاقتصادية إحدى أبرز المساحات التي يمكن أن تشهد تطوراً في المرحلة المقبلة. فروسيا ولبنان يمتلكان مجالات محتملة للتعاون في التجارة والسياحة والتعليم والتكنولوجيا وبعض القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وقد أشار ستيباشين خلال زيارته إلى وجود أفكار ومقترحات للتعاون الاقتصادي، من دون الإعلان عن اتفاقيات محددة. ومن هنا تظهر أهمية إعادة تفعيل اللجنة الحكومية المشتركة، لأنها الإطار الأنسب لبحث الملفات التجارية والاستثمارية وتحويل المقترحات إلى برامج رسمية.
ويمكن أن تشمل المناقشات المستقبلية تطوير التبادل التجاري، وتسهيل حركة رجال الأعمال، والتعاون الجامعي والتقني، والبحث في مشروعات سياحية وخدمية مشتركة.
لكن هذه الإمكانات تبقى مشروطة بدراسات الجدوى والقدرة التمويلية والظروف التنظيمية والتجارية، بما فيها العقوبات الدولية حيثما تنطبق.
التأشيرات والرحلات الجوية… الاختبار العملي لعودة الحيوية
ثمة ملفان يستطيع المواطن اللبناني أن يلمس أثرهما مباشرة إذا تحقق تقدم فيهما، وهما تسهيل التأشيرات واستئناف الرحلات الجوية المباشرة. فقد وقع لبنان وروسيا في نيسان 2026 اتفاقاً لإعفاء حاملي الجوازات الدبلوماسية والخدمة والخاصة من التأشيرات، وهو اتفاق لا يشمل تلقائياً حاملي جوازات السفر العادية.
وقد يشكل هذا الإجراء مقدمة لبحث تسهيلات أوسع مستقبلاً، لكن لا يوجد ما يثبت أن إعفاءً شاملاً للمواطنين قد أُقر نتيجة زيارة ستيباشين.
أما الرحلات الجوية المباشرة، فقد أثار ستيباشين مسألة غيابها، مشيراً إلى أنه اضطر إلى السفر عبر إسطنبول للوصول إلى بيروت. وهذا التفصيل ليس هامشياً؛ فالنقل الجوي المباشر يمكن أن يسهم في تسهيل حركة السياح والطلاب ورجال الأعمال والحجاج، ويمنح التعاون الثنائي بعداً عملياً.
لكن استئناف الرحلات يحتاج إلى قرارات شركات الطيران والسلطات المختصة، وإلى توافر شروط السلامة والجدوى التجارية والتأمين.
وعليه، فإن التقدم في هذين الملفين سيكون مؤشراً أكثر وضوحاً على تطور العلاقات من التصريحات السياسية إلى التسهيلات التي يستفيد منها المواطنون.
روسيا وفرنسا في لبنان… هل تتغير خريطة المصالح؟
اعتاد اللبنانيون، في جانب من خطابهم التاريخي والسياسي، إطلاق وصف «الأم الحنون» على فرنسا، في إشارة إلى علاقات قديمة تعززت خلال مرحلة الانتداب الفرنسي، واستمرت عبر المؤسسات التعليمية، واللغة، والاقتصاد، والدبلوماسية. لكن هذه الصورة، مهما كانت راسخة في الذاكرة اللبنانية، لا تعني أن لبنان كان يوماً محصوراً في علاقة دولية واحدة.
فروسيا بدورها تمتلك إرثاً تاريخياً في لبنان، يعود إلى ما قبل نشوء دولة لبنان الكبير، ويتجلى خصوصاً في المدارس والمؤسسات الدينية والعلاقات مع بطريركية أنطاكية.
ومن هنا، يمكن النظر إلى الزيارة الأخيرة باعتبارها تذكيراً بأن العلاقات اللبنانية الدولية تشكلت تاريخياً عبر قنوات متعددة، لا عبر الحضور الفرنسي وحده.
ففرنسا تحتفظ بشبكات مؤسسية واسعة في لبنان، تشمل العلاقات السياسية والاقتصادية والتنموية والتعليمية، فيما يرتبط جانب بارز من الحضور الروسي بالتعاون الدبلوماسي، والثقافي، والديني، والتاريخي. وإن كان من الحري الإشارة إلى أن تطوير العلاقات قد يؤدي إلى احتمال أن يتجاوز حجم المصالح الروسية في لبنان المصالح الفرنسية. وسيحدث ذلك تلقائيا إذا فتحت أبواب الاستثمارات والتجارة، والتمويل، والمشاريع، والمؤسسات.
ومع ذلك، فإن توسيع الحضور الروسي يمكن أن يمنح لبنان فرصاً إضافية لتنويع شراكاته الدولية، من دون أن يعني ذلك إحلال شريك مكان آخر.
فالمصلحة اللبنانية لا تتحدد بالمفاضلة الرمزية بين موسكو وباريس، بل بقدرة العلاقات مع كل منهما على تقديم نتائج ملموسة للاقتصاد والتعليم والثقافة والمؤسسات اللبنانية.
ما الدور المنتظر من الجمعية الجديدة؟
يكتسب إنشاء الفرع اللبناني أهمية خاصة إذا انتقل من استحضار التاريخ إلى تنفيذ مشاريع واضحة. فالوثائق المنشورة تحدد مجالات عمل تشمل المحافظة على التراث الروسي التاريخي، وتعليم اللغة الروسية، والتعاون العلمي والجامعي، ودعم المؤسسات التعليمية، وتنظيم الزيارات الدينية والحج، ويمكن أن يكون دور الفرع الجديد أكثر وضوحاً في ثلاث اتجاهات مترابطة.
أولها إعادة اكتشاف التراث الروسي في لبنان، من خلال البحث في تاريخ المدارس والممتلكات والمباني والوثائق المرتبطة بالوجود الروسي منذ العهد العثماني.
وثانيها بناء علاقات تعليمية وعلمية مستدامة، تشمل الجامعات والباحثين والطلاب والمؤسسات الثقافية.
وثالثها توفير قناة مجتمعية للتواصل بين اللبنانيين والروس، بما يساهم في تعزيز السياحة الدينية والتبادل الثقافي والإنساني.
وقد أعلن رئيس الفرع اللبناني وديع حداد أن البحث عن المنشآت التاريخية الروسية وفهرستها وترميمها سيكون ضمن أولوياته، وهو توجه يمكن أن يمنح المؤسسة دوراً ملموساً في حفظ التراث إذا توافرت له الموارد والشراكات اللازمة.
غير أن الجمعية، بحكم طبيعتها، ليست بديلاً عن الحكومتين في التفاوض على الاتفاقيات التجارية أو تنظيم التأشيرات أو استئناف الرحلات الجوية. ويمكنها أن تسهم في تهيئة المناخ الثقافي والاجتماعي لهذه الخطوات، بينما تبقى القرارات التنفيذية من اختصاص السلطات المعنية.
عودة الروح إلى العلاقات اللبنانية الروسية تبدأ من التاريخ، لكنها تُختبر بالمستقبل
إن زيارة سيرغي ستيباشين إلى بيروت لا يمكن اختزالها في افتتاح جمعية، كما لا يجوز تحميلها نتائج سياسية واقتصادية لم تتحقق بعد. فهي، في جوهرها، محطة تكشف عن محاولة إعادة وصل التاريخ بالحاضر، من مدارس «المسكوب» التي انتشرت في بلاد الشام خلال العهد القيصري، إلى العلاقات الكنسية والإنسانية التي استمرت خلال العقود اللاحقة، وصولاً إلى افتتاح فرع لبناني جديد للجمعية عام 2026.
وتكتسب الزيارة أهميتها أيضاً من شخصية ستيباشين وصلاته التاريخية بمؤسسات الحكم الروسية، ومن مستوى الاستقبال الرسمي اللبناني، ومن تزامنها مع محاولات إعادة تنشيط التعاون الاقتصادي والدبلوماسي بين البلدين.
ولعل الدرس الأبرز الذي تقدمه هذه المحطة هو أن روسيا لم تكن غائبة عن لبنان، وإنما حافظت على حضور متعدد الأشكال، تسعى اليوم إلى تطويره وتوسيعه.
أما مستقبل العلاقات اللبنانية الروسية، فلن تحدده الذاكرة التاريخية وحدها، بل قدرة البلدين على تحويلها إلى مشاريع عملية، ومن بينها، اتفاقيات تجارية، وتعاون تعليمي وعلمي، وتسهيلات في حركة الأشخاص، ورحلات جوية مباشرة، ومبادرات تحفظ التراث المشترك.
فروسيا لا تعود إلى لبنان بوصفه أرضاً مجهولة في ذاكرتها التاريخية؛ إنها تحاول إعادة تنشيط صلات قديمة، وإعطاءها مضموناً جديداً في مرحلة إقليمية ودولية مختلفة.
وبين موسكو وواشنطن، وباريس وسائر العواصم المؤثرة، يبقى التحدي اللبناني الأساسي هو تحويل تعدد العلاقات الخارجية إلى فرص فعلية تخدم الدولة والمجتمع، لا الاكتفاء بالرمزية السياسية أو استعادة أمجاد الماضي.
وهكذا، فإن زيارة ستيباشين قد تُذكر مستقبلاً بوصفها محطة مهمة في مسار إعادة تنشيط العلاقات اللبنانية الروسية، إذا أعقبتها خطوات تنفيذية واضحة. أما إذا بقيت المبادرات في إطار التصريحات، فستظل قيمتها الأساسية في إعادة إحياء تاريخ مشترك يستحق البحث والتوثيق.
