يوميات صحية وثقافية: من أوجاع الدوالي إلى معرض الكتاب في البرازيل
المصطفى روض – بورتو اليغري
لم يكن التأخير لعدة أيام عن زيارة المركز الصحي مجرد تسويف عابر، بل كان حتمية فرضتها رحلة البحث المضنية عن شقة أو “استوديو” يترفق بميزانيتي المتواضعة، قبل أن تفاجئني أبواب المركز المغلقة ليومين متتاليين بسبب عطلة العيد
المقهى المجاورة لارتشاف القهوة البرازيلية
بالأمس، ووسط هذه الدوامة، خرجت مبكراً من إقامتي بحي “سيدادي باكشيا” قاصداً المركز الصحي القريب. في موعد الاستقبال، برمجت لي الموظفة لقاءً مع طبيب وطبيبة. أعدتُ على مسامعهما تذكير الأسباب كما شرحتها سابقاً للطبيبة التي استقبلتني أول مرة ووعدتني ببرمجة موعد مع أخصائي في جراحة الشرايين. تم الاتفاق على أن ألتقي بالطبيبة المتابعة لعلاجاتي العامة في تمام الساعة 13:40 من نفس اليوم.
استثمرت الوقت الكافي وخرجت نحو أحد المقاهي المجاورة لأرتشف قهوتي البرازيلية المفضلة، ولأتوغل بين صفحات الأخبار ومتابعة انطلاق الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة وتطورات المشهد السياسي في الأرجنتين والشيلي وكولومبيا. ومع اقتراب الساعة المقررة، عدتُ إلى المركز قبل موعدي بعشر دقائق، تم تسجيل حضوري وصعدت إلى الطابق الأول.
دقيقتان وتطل علي طبيبة شابة بابتسامة دافئة
لم تمضِ سوى دقيقتين حتى أطلت طبيبة شابة ترتسم على وجهها ابتسامة دافئة، ونادت باسمي بنبرة غنائية مبهجة: “مصطفى…”. أجبتها بابتسامة وارتياح: “أنا مصطفى”. رحبت بي ودعتني لمرافقتها إلى مكتبها. وكعادتي في مثل هذه اللقاءات، نبهتها مبكراً إلى أنني أتحدث الإسبانية ولا أتقن البرتغالية، فتقبلت الأمر بتفهم كبير وقالت بلطف: “كل شيء سيكون على ما يرام“.
بدأنا مراجعة السجل الصحي الذي دونه زميلاها في الصباح. كان عليّ أن أشرح لها بدقة معاناتي القديمة مع داء الدوالي غير القابل للتدخل الجراحي- تلك المعاناة التي رافقني منذ سنة 1995 أيام عملي في صحيفة “أنوال”. أوضحتُ لها، وهي تصغي بتركيز واهتمام، أن الخلل يكمن في الشرايين أو الأوردة الداخلية المسؤول عن إعادة الدم إلى القلب، وهي حالة سبق أن أكد لي أطباء في ولاية جورجيا الأمريكية ومدينة “لاسيرينا” بشمال الشيلي استحالة إجراء أي عملية جراحة عليها، بخلاف الدوالي الخارجية المشرفة على تنزيل الدم من القلب الى اسفل القدمين. ووضعتها في صورة الآلام المتنوعة التي يسببها هذا الداء اللعين وهي آلام كثيرة مثل الثقل الوريدي الذي احس معه بثقل الساقين في نهاية النهار، صعق قوي مثل الصعق الكهربائي الذي يوقظني من النوم واحيانا يجبرني على الصراخ بقوة يجعلني اترك السرير والركض نحو الصالون لممارسة المشي طمعا في تهدئة الام الصعق، بالإضافة إلى ألم في عمق العضلات وحرارة شديدة في عمق الاوردة، و خدر في أطراف الساقين، و الحكة الوريدية مصحوبة بحرقة داخلية وتنمل متكرر…
52 مختبرا ومصحة رهن اشارتي لإجراء مختلف التحاليل
انتقلنا بعد ذلك للحديث عن رغبتي في برمجة علاج للأسنان بعد أن استفسرتني إن كنت أرغب في برمجة علاج أسناني، ثم فتحنا ملف طنين الرأس المزعج الذي داهم حياتي بعد شهرين من العملية الجراحية التي أجريتها على البروستاتا، تلك الجراحة التي يعود الفضل في إجرائها لأصدقاء حميميين أنقذوني في لحظة حرجة من حياتي. طمأنتها بأن جراحة القسطرة كانت ناجحة وحالتي بخير ولا تتطلب سوى المراقبة، لكن الطنين هو ما أرهقني وحرمني طعم النوم؛ حيث بدأ كصوت غدير بحر قبل أن يتحول إلى نغمة اة سمفونية متوحشة مزعجة لا تُوصف.
أنهت الطبيبة “باولا” تدوين التفاصيل على الحاسوب، ثم خرجت وعادت حاملة ثلاث أوراق: الأولى لمراجعة طبيب أخصائي في طنين الأذن، وورقتان تتضمنان قائمة بـ 52 مختبراً وعيادة خاصة بإجراء تحاليل الدم والبول والغائط، مع تنبيهي بضرورة إجرائها قبل الفطور بساعتين.
نبرة غنائية مرحة
قبل الوداع، تبادلنا أطراف الحديث. حيث عبّرت لي عن سعادتها ببدء تعلم بعض الكلمات الإسبانية مني، وعرّفتها بمهنتي ومحطات من حياتي بين الشيلي وإسبانيا. وكانت كلما استوعبت شرحا بالبرتغالية تضحك وتختم كلامها بنبرة غنائية مرحة: “Listo!” (تمام).
وفي الختام أكدت عليّ أن أعود إليها فور تسلم نتائج التحليل وزيارة أخصائي الطنين لمتابعة المسار العلاجي.
تحديت الأمطار الغزيرة بحثا عن المختبر
اليوم، ورغم هطول الأمطار الغزيرة التي لم تتوقف منذ الليلة الماضية، خرجتُ للبحث عن أحد المختبرات المحددة اعتمادات على محرك البحث “جوجل”. اخترتُ مختبراً في مركز مدينة بورتو اليغري، وهو مكان أعرف أزقته جيداً ويسهل عليّ الوصول إليه. المختبر حديث ولاية في النظافة، ولحسن الحظ، كانت القاعة شبه فارغة إلا من ثلاث نساء. استقبلني الموظف بترحاب واحترام، فحص وثائق إقامتي كمهاجر والموعد، وسلمني أنبوب البول، ثم عدت إليه بعد استخراج العينة ليسلمني علبة الغائط لأخذها معي إلى البيت وإحضارها في اليوم التالي.
طلب مني الموظف بعدها بالجلوس، ولم تمضِ سوى دقيقة حتى سمعتُ ممرضة شابة تنادي بأسلوب غنائي رقيق: “مصطفى… مصطفى…”. أشرتُ إليها ورافقتها إلى غرفة التحاليل. دلتني بلطف على مكان وضع معطفي وقبعتي، ثم رفعتُ تلابيب قميصي لتفحص شرايين اليد اليمنى وتسحب أربع عينات من الدم بمنتهى الخفة والمهارة.
سلمتني الممرضة ورقة تُحدد يوم 9 نوفمبر موعداً لتسلم نتائج التحاليل. شكرتها وشكرت الموظف وغادرت المكان والسعادة تغمرني؛ سعيداً بجمال هذا التعامل الإنساني الراقي والرعاية الدافئة في هذا البلد الذي يثبت في كل موقف قدرته على إعلاء القيم الاجتماعية والإنسانية.
ومباشرة بعد مغادرتي مختبر التحاليل توجهت توا إلى معرض الكتاب الذي تنظمه وزارة الثقافة سنويا بالمركز التاريخي لمدينة بورتو اليغري، وبذلك اكتملت فرحتي بمتعة التجوال داخل المعرض الذي تعرض فيه دور النشر البرازيلية كتبا باللغة البرتغالية هامة سنعود لاحقا للتعريف بها.
