الاحتفاليون والمؤذنون في مالطة

الاحتفاليون والمؤذنون في مالطة

د. عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام
     أنا المفكر المحموم بحمى المسرح والكتابة أقول دائما، عندما تصيب الحمى الجسد، فمعنى ذلك أن صاحب الجسد ليس بخير، أما عندما تصيب الحمى روح الشاعر والمسرحي، فمعنى ذلك أن العالم ليس بخير.
وبخصوص وجود الاحتفالي، في هذيانه الخلاق، بين حمى الشعر وهذيان الشاعر، يقول الشاعر جرير في الشاعر الدنجوان عمر بن أبي ربيعة كلمته الشهيرة:
(مازال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر). وشعر بلا هذيان شعري ليس شعرا، وحمى بلا إحساس بوجود خلل في وجود الناس ووجود العالم. لا يمكن أن تكون حمى شعرية.
   وهذه الحمى، في مسرحية (ليالي المتنبي) هي تأتي المتنبي ليلا وهي في جسد امراة، وهي تصيبه بالهذيان، وتجعله يقول شعرا حكيما.
والشعر في المسرح، كما في الحياة هو حياة أخرى، وبخصوص هذه الحياة المتعددة والمتجددة والمتمددة، يقول الاحتفالي ما يلي: هذه الحياة التي نحياها ليست عمرا واحدا، ولكنها أعمار بعدد لا يحصى، والعمر الواحد في هذه الحياة المتمددة والمتجددة فينا وبنا، ليست يوما واحدا، ثم إن هذا اليوم الواحد، في حقيقته، ليس لحظة واحدة، عابرة وطائرة في الهواء، وهذه اللحظة الواحدة في حياتنا المتحركة ليست حالة واحدة يتيمة، ولكنها حزمة حالات متعددة ومتنوعة، وهذه اللحظة، بكل حالاتها ومقاماتها، ليست غير لحظة شعرية، احتفالية وعيدي بالضرورة.
   ويقول الاحتفاليون إن كل ما عشناه، وكل ما قلناه، وكل ما كتبناه، عبر نصف قرن من تاربخ قرنين والفيتين، لم يكن كله من عندنا، ولم نكن نحن من قاله ولا كنا نحن من كتبه، وأكثر ما قد نظن أننا نحن من كتبناه، فإن الصحيح هو أن نقول بأنه فقط، كتابة انكتب بنا، وبأن هذه الاحتفالية. في معناها الحقيقي. قد تجسدت بنا زمن خلالنا، وأنها قد تشخصت بأشخاصنا وشخصياتنا، وأنها قد نطقت بألسنتنا، وبهذا تكون هي التي انطقنا فنطقنا، بما تريد حيوية الحياة، وبما تريد إنسانية الإنسان وبما تريده مدنية المدينة، وبما تريده شعرية الاحتفال الوجودي.
   وللحقيقة والتاريخ نقول ما يلي، إن المتغيرات الفكرية والجمالية هي التي الهمتنا، وذلك في لحظات هذيان فكري وجمالي، لقد ألهمتنا نظام حياننا، وأهدتنا مسرحنا الذي يشبها ونشبهه. والذي أعطيناه اسم (المسرح الاحتفالي)، ولقد كان من الممكن أن نسميه المسرح العيدي، مادام أنه يقوم على فلسفة التعييد الاحتفالي. كما كان من الممكن أن نسميه أسماء أخرى.
 
دروب التاريخ والسير في الاتجاه الممنوع
   ومن (طبيعة) الاحتفالي أنه يؤمن بأن التاريخ فعل عاقل، وحتى تلك الصدفة فيه، والتي قد نظنها استثناء أو نشازا أو شرودا أو فعلا سحريا لا حكم عليه، فهي بالتأكيد عاقلة وطبيعة، وهي بالتأكيد صدفة موضوعية وعاقلة، لها ما قبلها، ولها ما بعدها، ولها سياقها الذي ساقها، ولا شيء في هذا التاريخ مجاني وبلا معنى، ويحلو ببعض التجريبيين في المسرح المغربي والعربي، أن يلغوا الكتابة بالكلمات والعبارات، وأن (يبشروا) بموت المؤلف، مع أن التاريخ هو وحده الذي يكتب كتابته الحية في الحياة، ويكتبها بالأجساد وبالأرواح الحية وذلك في الزمن الحي وفي التاريخ الحي، والرأي أصدق وأخطر كل الكتاب، ويعرف الجنيه بأن هذه الكتابة التاريخية لا يصنعها الجن ولا الأشباح، ولكن يصنعها المبدعون من الناس، ويصنعها الشعراء والعلماء والحكماء والمخترعون والمكتشفون والمسافرون والباحثون عن الحق والحقيقية، ويبدعها الباحثون عن الجمال وعن الكمال، في مسرح الوجد وفي المسرح السرخي معا، ولهذه الكتابة التي يلهمها واقعها شروط ومقدمات وحيثيات، والتي هب شروط ذاتية وموضوعية أيضا، والتي قد نعيشها ولا نحس بها، والتي قد نفعل فيها بها، من غير أن نراها، لأنها دقيقة وشفافة وغامضة وملتبسة وزىبقية وماكرة، وهي لا يمكن أن ترى بالعين المجردة، وبالتأكيد يمكن أن تراها عيون القلب وعيون الروح وعيون الخيال وعيون الوجدان.
ونعرف أن هذه الاحتفالية هي أساسا حركة في التاريخ الحديث والمعاصر، وهي انحياز إلى الفرح الإنساني،وهي تحول باتجاه الأجمل والأكمل، وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي؛
   (في ظل هذه الحركة (التاريخية) إذن، ظهرت الاحتفالية، وكانت بذلك جزء أساسيا في بنية التحول المجتمعية والتغير التاريخي والتجدد الفني والإبداعي، وكانت هذه الاحتفالية – من حيث تدري او لا تدري – ذاتا حقيقية، فاعلة ومنفعلة بالضرورة، وذلك في خرائط الأيام والليالي، وفي خرائط التفكير والتخيل، وفي خرائط الإبداع المسرحي، وفي خرائط كل الفنون التي تنتسب لهذا المسرح – الأب – وتنتمي إليه بالضرورة، أو ينتمي إليها، لا يهم).
   وأن هذا الاحتفالي، والذي يؤمن بأن طرق التاريخ، مثلها مثل الطرق التي في المدن، فيها الاتجاه الصحيح وفيها الاتجاه الخطأ، وفيها الاتجاه المسموح به، وفيها الاتجاه الممنوع، هو الذي أكد دائما على السير في الطرق السليمة للوصول إلى المحطات الحقيقية واليدسليمة، وفي كتاب (عبد الكريم برشيد وخطاب البوح حول المسرح الاحتفالي) للأستاذ عبد السلام لحيابي. والذي صدر عن ايديسوفت بمدينة الدار البيضاء فصل بعنوان (السير في الاتجاه الممنوع) وفيه يرد السؤال التالي (تقول أنت بأنك ترى اليوم، تماما كما رأيت بالأمس، بأن كثيرا من السياسيين والمفكرين والمبدعين في العالم العربي، مازالوا يؤذنون خارج الأوقات الحقيقية لكل أذان، بل أن اغلب ما يقال وما يكتب يسير في الاتجاه المعاكس للتاريخ، فما المقصود بقولك هذا، والذي يعتبر حكم قيمة صادر عن مفكر عرف برزانته).
   وفي الجواب يقول الاحتفالي ما يلي:
(هذا الحكم) جاء في سياق كتاب، وذلك الكتاب جاء في سياق التاريخ، وبهذا فقد كان صادقا مع نفسه اولا، وكان صادقا مع الحقيقة والتاريخ ثانيا، وأما الكتاب فيحمل عنوان (المؤذنون في مالطة) والذي له موطنه، وله زمنه، وله سياقه، وله شروطه الذاتية والموضوعية، وله أسباب نزوله بكل تاكيد، ولا شيء في الفكر الاحتفالي يأتي من خواء أو من فراغ، وهذا الكتاب كان في الأصل مجموعة مقالات صحفية بنفس نقدي حواري وحجاجي ساخر نشرت في أول الأمر في زاوية صحفية ساخرة عنوانها (سوق الكلام) وهذا الكلام بعض من تلك السوق بكل تأكيد، وبهذا فهي شهادة شاهد على لحظة تاريخية حية، لحظة كان فيها ما يضحك، وإن كان لذلك الضحك طعم ومذاق ولون البكاء).
   ولقد تساءلت دائما، ما الذي ينقص المسرح العربي من أجل أن يكون مسرحا اولا، ومن أجل أن يكون عربيا ثانيا، ومن اجل ان يكون فاعلا في التاريخ، وأن يكون متفاعلا مع محيطه وبيئته ومناخه الفكري والجمالي ثالثا، وأن يكون محليا في في لغاته اللفظية والمشهدية معا، وأن يكون عالميا وكونيا في اسئلته ومسائله وقضاياه رابعا؟
   في الإجابة عن هذا السؤال يقول الاحتفالي في كتاب (الاحتفالية وهزات العصر) بأن الغائب الأكبر (في كل تاريخ المسرح العربي الحديث؛ – او المغيب – ليس هو المواد الخام، ولا الأشكال الفرجوية، ولكنه الفكر، والذي هو النواة الصلبة، وذلك في أي نشاط إبداعي حقيقي، كيفما كان، وأينما كان، ولقد جاءت الاحتفالية لتكون فكرا مسرحيا، وذلك إلى جانب كونها أدبا مسرحيا وفنا مسرحيا ومهنا مسرحية وأخلاقا مسرحية).
   والمسرح أساسا أدب، وأساس هذا المسرح هو أنه وجود في الكلمة وبالكلمة، وما يميز هذه الكلمة هو حياتها وحيويتها، وهو صدقها ومصداقيتها، والتي لها حمولتها الفكرية، ولها قصديتها الجمالية، ومسرح بلا كتابة، هو مثل دولة بلا دستور وبلا قانون وبلا خرائط فكرية وجمالية.
 
المسرح جوهر واحد وأشكال بلا عدد
    ويسألني صاحبي الاحتفالي السؤال التالي:
— غدا، كيف سيكون هذا المسرح، وهل سيظل اسمه المسرح؟ وهل سيظل محافظا على احتفاليته وعيديته؟
وأقول له:
— صدقني، أنا لا أعرف كيف سيكون هذا المسرح غدا، لسبب بسيط جدا، وهو أنني لست عرافا ولا منجما ولا متنبئا، ولأنني أيضا، لا أعلم الغيب، ولكنني أحب أن يكون غده الآتي أجمل وأكمل مما هو عليه اليوم ، وأن يكون أعمق في فكره، وأن يكون أصدق في خطابه إلى الناس، وعليه، فإن ما أعلمه علم اليقين، هو أن هذا الذي نسميه المسرح سيظل هو المسرح، وستتغير الأيام والليالي، وسيبقى المسرح هو المسرح، وأعرف ايضا بأن هذا المسرح محكوم بالتحول والتجدد. ولكنه غير قابل للانقراض ولا للمحو، وذلك لأنه ظل الإنسان في الوجود، وبذلك فانه سيكون له في كل حقبة من التاريخ وجود، وأن يواكب هذا الإنسان في مسيرته ومساره، ولأنه حياة وحيوية، ولأنه طاقة روحية ووجدانية متجددة،ط، فهو غير قابل للموت، لأنه روح الكلمات وروح العبارات وروح التاريخ وروح الجمال وروح الحق والحقيقة، وأن تاريخ هذا المسرح، والذي يغطي الفين وخمس مائة سنة يؤكد هذه الحقيقة، والأصل في هذا المسرح هو أنه لغات الإنسان عبر التاريخ، وإذا حدث وخرج هذا المسرح من جلد المسرح، فإنه لا يمكن أن يكون هو نفسه المسرح، وقد يصبح شيئا آخر غيره، ومن المحتمل جدا أن يكون هذا المسرح أكثر تقدما، أو أن يكون أكثر تخلفا، وقد يكون أيضا أكثر جمالا أو أقل حسنا، وقد يكون سلفيا أو يكون حداثيا، ولكنه في كل الحالات والمقامات لن يكون أي شيء آخر غير المسرح، وكل شكل فرجوي آخر، غير المسرح، فإنه لابد أن يكون له اسمه الآخر، تماما كما هو الإنسان، لقد مرت عليه ملايين السنين على هذه الأرض، ومازال الإنسان هو الإنسان، ومن الممكن أن نقول بأن هذا الإنسان اليوم أكثر تقدما وأكثر علما، ولكنه ابدا لا يمكن أن يكون إلا هذا الإنسان الذي جدد حياته، وجدد لغاته، وجدد بلاغاته، وجدد مدنه وعمرانه، وبهذا يكون من العبث أن نبحث اليوم، او غدا، عن مسرح آخر يمكن أن نسميه ما بعد المسرح أو ما بعد الدراما، لأن المسرح واحد أحد، ولكن له بالتأكيد تجليات وله جتهادات وله اختيارات وله مسارات وله حساسيات متعددة ومتنوعة، والمطلوب منا جميعا هو أن نثور المسرح، من داخل المسرح، وأن نجدده من داخله، وليس من خلال الهروب إلى الفنون الأخرى، وأن نقول هذا هو ما بعد المسرح، أو ما خلف المسرح، أو اللامسرح، لأن هذا المسرح قد أبدعه الإنسان، وليس هناك في التاريخ غير إنسان واحد، ومن غير المنطقي أن نفكر في انتظار أي يأتي ما بعد الإنسان، أو أن يأتي إنسان آخر جديد، من كوكب بعيد، ليؤسس لنا ما بعد المسرح، وعليه، فقد فكرت الاحتفالية في المسرح بلغة المسرح، وأبدعت بلغات المسرحية، والتي ماتزال كثير من حروف أبجديتها مجهولة، ومازالت في حاجة إلى المخاطرة وإلى الكشف والمكاشفة.
 
الذين يؤذنون في مالطة لن يصلي معهم احد
   في كتابات الاحتفاليبن دائما، وفي ادبياتهم، وفي إبداعهم المسرحي أيضا (نقد للذين يعيشون باجسادهم هنا معنا، ولكن عقولهم وافكارهم واحلامهم وأرواحهم الباردة تظل هناك، بعيدا عنا، ونعرف أنه في ذلك الزمن السبعيني الذيعشناه بعقله وجنونه وشطحاته، كان هناك نموذج غريب وعجيب من المثقفين المغاربة والعرب، والذين كانوا – ظاهريا يعيشون معنا، ولكن وجودهم الآخر كان بعيدا عنا، وهؤلاء هم الذين قالت في حقهم تلك النكتة المغربية البليغة والساخرة، بأنهم يخرجون المظلات عندما تمطر في باريس وموسكو، ويكون الجو صحوا في الرباط وسلا وما جاورهما، أليس هؤلاء ممن يمكن أن يقال في حقهم بانهم المؤذنون في مالطة؟).
   وما أقوله اليوم، وما أكتبه عن المسرح المغربي – العربي، عن ضرورة أن يشبه إنسانه، وأن يشبه واقعه، وأن يشبه ثقافته، وأن يشبه لغاته، ليس بالأمر الجديد، ويمكن الرجوع إلى كتاباتي الأولى ليجد أنني قد كنت دائما إلى جانب فعل التاسيس، أو إعادة التاسيس، لمسرح نشبهه ويشبهنا، مسرح يقدم إلى العالم، ويكون قيمة مضافة إلى ما تمثله كل مسارح العالم من تجارب جادة وجديدة ومجددة، وفي أواسط السبعينات من القرن الماضي، وفي إطار مؤتمر اتحاد الكتاب والأدباء العرب بطرابلس بليبيا، قدمت بحثا بعنوان (المسرح العربي يبحث عن المسرح العربي) ومن داخل اللجنة الدائمة للمسرح العربي التابعة للمتظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، قدمت بحثا آخر، وكان بعنوان (نحو تعريب المسرح العربي) واليوم، وبعد كل الاجتهادات التي عرفها هذا المسرح، وبعد أن عبرت حمى التاصيل، وأعقبتها حمى التجريب، وبعد أن دخلنا متاهة (الما بعد) كل شيء، من غير أن ندرك أي شيء حقيقي، وبعد كل تلك الملتقيات والندوات والمهرجانات، يبقى السؤال هو:
— أين وصل فعل البحث عن المسرح العربي اليوم؟
— وهل تم تعريب المسرح العربي فعلا؟
— وماذا اضاف رواد فعل التجريب للمسرح العربي غير النقل والاستنساخ وتكرار تجارب الآخرين؟
   وأكون سعيدا جدا، انا الاحتفالي، عندما أجد من يقول نفس ما اقول، وأن يقوله بشكل مغاير ومختلف، وأن يكون في قوله اضافة، وأن أجد في فعل الكتابة من يكتب نفس ما كتبت، من غير أن يستنسخه حرفيا، ويسعدني أن يضيف إلى المكتوب أشياء أخرى، من روحه ومن وجدانه ومن وعيه ومن لاوعيه ومن وجدانه ومن خياله، وأن يكمل ما كتبت، انطلاقا من اقتناعي بأنه لا شيء كامل، وأن أصدق كل الأفكار هي التي توجد عند ملتقى الأفكار، وعند مفترقها أيضا، وأن أجد ايضا من يفكر في كل ذلك الذي لم أفكر فيه، وأن بمشي في نفس الطريق الاحتفالي، ولكن بشكل جديد ومجدد، وأن يواصل ما عشته في السبعينات من القرن الماضي، وأن يحياه في حياته الأخرى، بشكل أوسع وأبدع وأجمل وأكمل، وأن أجد من يكمل المشروع الذي بدأناه، والذي كان لنا فيه مجرد خطوة واحدة فقط، والذي ينتظر خطوات اخرى كثيرة.
شارك الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *