تطبيق الاتفاق الدولي وحماية لبنان من الحرب القادمة

تطبيق الاتفاق الدولي وحماية لبنان من الحرب القادمة

أحمد مطر

     يبدو أن الوضع المتوتر في الجنوب أصبح على برميل بارود قابل للانفجار، في حال استمر مسار التطورات العسكرية اليومية على هذه الوتيرة من التصعيد من الجانب الإسرائيلي، والذي بات يستخدم أكثر الأسلحة تطوراً، وأشدها فتكاً بالبشر والحجر.
   ففي الوقت الذي تبحث فيه الهدنة في غزة، يتصاعد القصف الإسرائيلي على المناطق اللبنانية من دون رادع في الرسائل التي تحرص إسرائيل على إيصالها أنها لا تلتزم بأي قواعد اشتباك مع لبنان. هي جاهزة لاستباحة أي منطقة يوجد فيها الحزب. بالتالي الحزب مترو جداً في جوابه على أي اقتراح حول التفاوض. لا بل رفع سقف خطابه عالياً، مهاجماً الموفد الأميركي آموس هوكستين، بعدما كان من أكثر المرحبين بمهمته. إذ تبين للحزب أن الأخير لم يحمل سوى أفكار غير قابلة للتطبيق منذ اللحظة الأولى وسط التصعيد الإسرائيلي. ثم عاد في زيارته ليحمل ما اعتبره الحزب، تهديدات إسرائيلية بأن الحرب ستكون مدمرة محملاً الحزب مسؤولية إعادة إعمار لبنان.
   وعليه، فإن جواب الحزب الرسمي لا تفاوض قبل وقف إطلاق النار في غزة. فإذا انسحب ذلك على لبنان سنبدأ بالبحث بفتح باب التفاوض. وإذا استمرت إسرائيل بعدوانها سنستمر بالمواجهة ولا تفاوض حينها تحت النار. 
   التهديدات الإسرائيلية المتكررة ضد لبنان، تعكس حالة الإرباك في مواقع القرار في تل أبيب من جهة، وتزيد من منسوب القلق والحذر في بيروت من جهة ثانية، الأمر الذي أدّى إلى تنشيط الحركة الديبلوماسية الدولية بين الطرفين، خاصة باتجاه لبنان، وكأنه هو الطرف الوحيد الذي يخرق بنود القرار الأممي 1701، مع التجاهل الخارجي التام للعمليات الحربية التي ينفذها الطيران الإسرائيلي، المسير والحربي، في فضاء القرى الحدودية، زارعاً الدمار والخراب، وموقعاً عشرات الضحايا من المدنيين، فضلاً عن تدمير أكثر من سبعة آلاف منزل في القرى الأمامية، والتي أصيبت فيها البنية التحتية بأضرار كبيرة.
   الوساطات الديبلوماسية تبلغ ذروتها ، في سُبل تبريد الجبهة الحدودية، وتطويق التصعيد الحالي، والحؤول دون الوصول إلى عتبة الانفجار، تجنباً للانزلاق في حرب إقليمية، لا يستطيع أحد التكهن بنتائجها الكارثية على المنطقة، وخاصة على الكيان الصهيوني، الذي يخوض أطول حروبه في غزة وأكبرها كلفة رجالاً وعتاداً، وداخلياً الانقسامات العامودية السياسية والاجتماعية، وخارجياً العزلة الديبلوماسية شبه الكاملة وذلك للمرة الأولى في تاريخ الدولة العبرية. 
   في هذا السياق هوكستين في لقاءاته غمز من قناة حاجة لبنان إلى إعادة إعماره من الألف إلى الياء بعد أكبر انهيار شهده في تاريخه. أتى هذا التحذير بعد وعود كانت حملتها وفود سابقة بالمن والسلوى والازدهار في المرحلة المقبلة. ليست جديدة سياسة العصا والجزرة، بل الجديد اليوم هو الواقع الميداني المتصاعد يومياً بين لبنان وإسرائيل وسط ارتفاع نبرة الحرب.
   الحل دبلوماسي كما وصفه هوكستين، لكن وقف إطلاق النار المؤقت ليس كافياً والتصعيد لن يحل الأزمة ولن يساعد اللبنانيين، والحرب المحدودة غير قابلة للاحتواء، والدعم الدولي للبنان ومؤسساته العسكرية والاقتصادية يبدأ عند التوصل الى تسوية تضمن الأمن والاستقرار على جانبي الحدود. هذه التقييدات التي أعلنها الموفد الأميركي تحمل في طياتها كل عناصر التحذير من نتائج استمرار الاشتباكات على الحدود فعدم احتواء الحرب المحدودة يعني الذهاب الى مواجهة شاملة بغطاء أميركي، ورفض الربط بين وقف إطلاق النار في غزة ووقف العمليات في الجنوب يعني رفضاً لمبدأ وحدة الساحات الذي أطلقته طهران ورفعته أذرعها في لبنان وسوريا والعراق واليمن، كما أن رفض الوقف المؤقت لإطلاق النار يعني رفض منطق تجدد جولات القتال في لبنان لتهديد الاستقرار ومخاطبة الولايات المتحدة. 
   ثمة خلل ما في إدارة المعركة الديبلوماسية من الجانب اللبناني، حيث يكمن الخلل في عدم تسليط الأضواء الكافية، على نتائج الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على القرى الآمنة، وهدم آلاف المنازل وتخريب البنية التحتية، واضطرار أكثر من مئة ألف مواطن جنوبي على ترك بيوتهم وقراهم، والنزوح إلى المناطق الداخلية الأكثر أمناً. 
   التقارير الأولية توكد أن الأضرار الحاصلة في القرى اللبنانية، تفوق عشرات المرات ما هو حاصل في المستوطنات الإسرائيلية.
الوسيط الأميركي اموس هوكستين يدرك جيداً أن لبنان ليس بوارد خوض حرب مع الجانب الإسرائيلي، وأن كل ما يسعى له الجانب اللبناني هو تحرير كامل أراضيه، والعودة إلى اتفاقية الهدنة الموقعة بين الجانبين عام 1949، والمعترف بها دولياً .
  ثمة من يراهن على احتمال أن يتمكن هوكستين من تحقيق خطوة باتجاه تهدئة الجبهة الحدودية، على خلفية العلاقات التي نسجها مع المسؤولين في بيروت وتل أبيب، ونجاحه في إنجاز اتفاق الترسيم البحري.
 الجانب الأميركي، في الوقت نفسه، ليس بعيداً عن المرحلة الجديدة من تحرك اللجنة الخماسية، ومحاولاتها تحقيق خرق في جدار الأزمة الرئاسية، وذلك بحكم عضويتها الناشطة في اللجنة، مما يسمح لهوكستين بالإطلالة على الملف الرئاسي، والعمل على تفكيك بعض العقبات، بالتزامن مع تبريد الوضع على الحدود الجنوبية، خاصة في حال إنجاز هدنة غزة.
ختاماً المهم أن يكون اللبنانيون، سلطة وأحزاباً وقيادات سياسية، على مستوى المسؤولية الوطنية والتاريخية في التعاطي مع تطورات هذه المرحلة الدقيقة، والمحفوفة بالمخاطر، لتمرير الاستحقاقات الداهمة، بأقل قدر ممكن من الخسائر، إذا كان من المتعذر أن نحقق كل ما نصبو إليه، في هذه الظروف المعقدة، دفعة واحدة.
فهل تنجح المساعي الديبلوماسية في إطفاء البارود المشتعل في الجنوب.
Visited 4 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

أحمد مطر

صحفي وكاتب لبناني