أصداء من “صالون صديقات أجمل العمر”: في أدبيات القبلة والفم
عائشة حسمي
تقديم اللقاء: ذ. رشيدة الفياللي- المداخلة الأولى: ذ. مليكة العلوي– المداخلة الثانية: ذ. – لطيفة حليم
-تسيير اللقاء: ذ. عائشة حسمي- تاريخ اللقاء: السبت 19 سبتمبر 2026
على سبيل التقديم
في البدء كانت مجرد فكرة.
ارتأت عضوات الصالون الأدبي أن ينهجن خطاً مختلفاً، مفاجئاً، ينقل اللقاءات من رحاب الإنتاج الأدبي ومن فضاء المعلومة العلميةوالطبية إلى منطقة أكثر قرباً من الإنسان: الجسد.
وفكان لا بد، ونحن نقترب من الجسد، أن نقترب أيضاً من لغته؛ من إشاراته الصامتة، ومن حركاته التي قد تقول أحياناً ما تعجز الكلماتعن قوله.
من هنا جاءت فكرة القبلة والفم موضوعاً للقاء يومه السبت 19/09/2026 بصالون غرفة صديقات أجمل العمر.
يبدو للوهلة الأولى موضوعاً بسيطاً وعابراً، لكنه سرعان ما يكشف عن شبكة واسعة من الدلالات والمعاني. فالقبلة ليست مجرد تماس بين شفاه، والفم ليس مجرد عضو من أعضاء الجسد؛ كلاهما يحمل ذاكرة ثقافية واجتماعية وعاطفية ودينية، ويفتح أسئلة تتصل بالحب والرغبة والحميمية واللغة والاعتراف.
وقد أسهمت المداخلات في إبراز زوايا النظر إلى الموضوع وتعدد مقارباته، انطلاقاً من البعد العاطفي إلى البعد الاجتماعي والثقافي، ومن المقاربة الدينية والفقهية إلى المقاربة النفسية والإيروتيكية، ثم إلى حضور القبلة والفم في الأدب والشعر والسيمياء.
وتسعى هذه الورقة إلى محاولة استعادة خيوط موضوع اللقاء، لا بهدف اختزال المداخلات أو تكرارها، وإنما لالتقاط أهم الأفكار التي أثارها، والأسئلة التي تركتها معلقة، وللعبور بين زوايا النظر المختلفة التي جعلت من القبلة مدخلاً للتأمل في الإنسان، وفي علاقته بالآخر، وبجسده.
فماذا قالت المداخلات عن القبلة؟
وماذا يكشف الفم، حين نقرأه خارج وظيفته البيولوجية عن الإنسان وثقافته ولغته ورغباته؟
المداخلة الأولى: مارسيل بروست، وحين تصبح القبلة ذاكرة ورغبةً
توقفت المداخلة الأولى للدكتورة مليكة العلوي المقيمة بأورلاندو، ولاية فلوريدا عند حضور القبلة في عالم مارسيل بروست ولا سيما في روايته الشهيرة «البحث عن الزمن الضائع»، حيث لا تظهر القبلة بوصفها تفصيلاً عاطفياً عابراً، وإنما تعود في أكثر من موضع بوصفها مشهداً يتكرر، وتتعدد دلالاته بتعدد العلاقات والحالات النفسية.
فالقبلة عند بروست لا تنفصل عن الانتظار والغيرة والشك والرغبة. والقبلة التي تبدو في ظاهرها فعلاً حميمياً بسيطاً، تصبح داخل السرد حدثاً نفسياً كاملاً؛ تسبقها الرغبة، ويحيط بها الترقب، وقد يتبعها القلق أو الشك أو الخيبة.
وقد كشفت المداخلة عن علاقة القبلة بفعل التملك العاطفي. فالرغبة في القبلة قد لا تكون رغبة في اللمس وحده، بل في الاطمئنان إلى حب الآخر، وفي التأكد من حضوره العاطفي. ولهذا يمكن أن تتحول القبلة إلى سؤال أكثر منها جواباً:
- هل يحبني الآخر؟
- هل ما زال لي؟ أم تغيرت مشاعره؟
في هذا السياق، يصبح الفم عند بروست منطقةً تتقاطع فيها الرغبة والكلمة والصمت. والقبلة، في عالمه الروائي لا تستقر في اللحظة التي تقع فيها؛ إنها تستمر في الذاكرة، وتتغير بتغير صاحبها، وقد يصبح ما بقي منها في الذاكرة أقوى من القبلة نفسها.
المداخلة الثانية: القبلة بين الرغبة والسياق حين يتدخل الخوف في لغة الجسد؟
من هذا السؤال انطلقت مداخلة الدكتورة لطيفة، لتنتقل بالقبلة من فضائها الحميمي الخاص إلى فضاء أوسع، حيث لا يمارس الجسد أفعاله بمعزل عن السياقات التي تحيط به. فالقبلة، وإن بدت فعلاً تلقائياً وحميمياً، تظل رهينة بسياقات اجتماعية ودينية وثقافية، بل وصحية أيضاً، يمكن أن تحدد شكلها ومشروعيتها وحتى إمكانية حدوثها.
واستشهدت الدكتورة لطيفة بحالة زوجين كانا على متن باخرة لقضاء عطلة شهر العسل لكنهما امتنعا عن تبادل القبل، رغم حداثة زواجهما وما يفترضه شهر العسل من حميمية، وذلك خوفاً من انتقال فيروس كوفيد-19، الذي كان يشكل آنذاك مصدر قلق صحي عالمي.
تكشف هذه الحالة المفارقة بوضوح: فالجسد قد يرغب، لكن الخوف قد يتدخل، والرغبة قد تكون حاضرة، لكن الوعي الصحي يضع حدوداً أمام التعبير عنها. وهنا لا تعود القبلة مجرد استجابة عاطفية أو جسدية، وإنما تصبح فعلاً مشروطاً بالمعرفة والظرف والمكان واللحظة.
فالقبلة التي قد تبدو لنا اليوم فعلاً بديهياً في علاقة عاطفية، يمكن أن تتغير دلالتها تبعاً للسياق. ما هو حميمي بين شخصين قد يصبح غير مقبول اجتماعياً في فضاء عام، وما هو مسموح به داخل علاقة زوجية قد تحيط به الثقافة والدين والأعراف بسلسلة من الحدود والضوابط.
ومن هنا بدا أن الجسد ليس فضاءً فردياً خالصاً؛ إنه أيضاً جسد اجتماعي، تتدخل الثقافة في تنظيم حركاته، وتحديد ما يمكن أن يقال به، وما ينبغي إخفاؤه، وما يسمح به في العلن، وما يترك للفضاء الخاص.
ولعل المثال الذي قدمته الدكتورة لطيفة يفتح سؤالاً أبعد: هل نحن نختار دائماً كيف نستخدم أجسادنا، أم أن السياق هو الذي يختار عنا؟
فالقبلة، في هذه الحالة، لم تختف بسبب غياب الحب أو الرغبة، وإنما غاب فعلها المادي بسبب حضور الخوف. وكأن الرغبة بقيت حاضرة، بينما اضطر الجسد إلى الصمت.
وهنا تلتقي هذه المداخلة من زاوية مختلفة، مع ما أثارته مداخلة بروست: القبلة ليست فقط ما يحدث بين الشفاه، بل ما يحيط بهذا الفعل من انتظار ورغبة وخوف وذاكرة وتأويل.
وقد يكون أجمل ما في هذا المثال أن الامتناع عن القبلة نفسه أصبح ذا دلالة؛ إذ إن ما لم يحدث يمكن أن يقول، أحياناً، أكثر مما يقوله الفعل ذاته.
