العودة الفلسفية لجيل دولوز في الشرط الراهن

العودة الفلسفية لجيل دولوز في الشرط الراهن

إصدارات:

      عن «دار سامح للنشر» بستوكهولم، صدر في طبعة أنيقة من الحجم المتوسط منجزٌ جديد للكاتب والمفكر المغربي نصر الدين بوشقيف بعنوان «من فلسفة الاختلاف إلى سياسة التحرر». يُعدّ هذا الإصدار خطوة شجاعة في الراهن السياسي والثقافي، إذ يُعيد إلى واجهة التداول العربي فيلسوفاً فرنسياً مراموقاً مثل جيل دولوز، بعد أن توارى اسمه في زحمة النشر المعاصر.

حوارية فكرية ممتدة وراهنية الفلسفة

لا يُعدّ هذا الكتاب مجرد ابتكار معزول، بل يتكئ على أفق فكري متعدّد شَيّده بوشقيف عبر محاورات سابقة مع قامات فكرية رفيعة مثل: جان بيير فاي، هنري أليغ، فيليب تونسلان، ولوسيان بونافي.

وينطلق بوشقيف في كتابه من ضرورة التفكيك والإعادة؛ إذ لا يبتغي “بعث” فكر دولوز من الأنقاض ببدعٍ ماضوية أو حنين أستاذي للسبعينيات، بل يهدف إلى إحياء «عَتادٍ منهجي وجهاز مفاهيمي» ما زال يحتفظ بحيويته وراهنيته. فالفلسفة عند دولوز مفتاحٌ لمقاومة توحّش النظام الرأسمالي الشرس، وتفكيك بنى سلطته الممتدة وممارساته العنصرية والحروب المتأججة باسم “حرية رأس المال”.

تجاوز المركزية الأوروبية ونقد السلطة

يُبرز الكتاب القيمة التاريخية للمشروع الدولوزي، باعتباره مشروعاً مقتلعاً من المركزية الأوروبية التي انزلق معها بعض مثقفي الحداثة إلى الحياد تجاه عدم عدالة العلاقة بين الشمال والجنوب. فدولوز يدعو صراحة إلى المقاومة عبر الفكر والفن والتصدي للاستبداد المنمّق بخطابات حقوق الإنسان.

كما يُفكّك الكتاب إرث ثورة ماي 1968 (التي صاغ دولوز أبعادها الفكرية برفقة فيليكس غواتاري في «ضد أوديب»)، مُقدّماً الفلسفة كصيرورة تراكمية تكسر الهوة بين «الميتا-خطاب» والمعرفة المباشرة. فدولوز يستخدم الاستعارة والرموز لا للتعقيد، بل لإحداث “عصف ذهني” يحثّ القارئ على الندّية ومساءلة النص بدلاً من الاستسلام للسلطة الرمزية للمؤلف.

الجماليات اللغوية والعمق السياسي

مُقسّماً وفق معمار يتساوق مع منجز دولوز (الفلسفي، الأدبي، والفني)، صاغ بوشقيف نصّه بلغة عربية ثرية ومكثّفة تستفيد من تجربته الشاعرية والمسرحية. ويتتبع عبر فصوله مفاهيم محورية كـ:

  • الرغبة: بوصفها شدة وقوة ثورية عاتية، تقتلع التصورات الأخلاقية الضيقة.
  • الصيرورة: كشرط أساسي لثورية الفكر السياسي.
  • السلطة والديمقراطية: حيث يُعرّي النص التناقض بين موقع الدولة الديمقراطي الشكلي وبين ممارستها القمعية، مُؤكّداً أن القمع يضع الدولة على الطرف النقيض من الديمقراطية الحقيقية.

يجعل نصر الدين بوشقيف من فكر جيل دولوز إرثاً وجودياً وعملياً مُتاحاً للجميع، معتبراً أن الضرورة التاريخية للإنسانية لا تحيا إلا بالابتكار والاجتهاد واستعادة القدرة على التحرر والمقاومة.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!