الكوفية في باريس والهروب من سبتة.. سؤال الوعي المفقود في المغرب
طارق توراني- باريس
لم يكن الفتى الفرنسي إيلوان بونوا (Elwan Benoît)، التلميذ صاحب الـ17 عاما بثانوية جاك ديكور (Lycée Jacques-Decour) في الدائرة التاسعة بباريس، مجرد تلميذ يشارك في حراك طليعي عادي، بل تحول خلال أيام معدودة إلى إحدى أبرز الشخصيات المحورية المثيرة للجدل في الفضاء الإعلامي والاحتجاجي الفرنسي، حاملا صوت التعبئة الطلابية ومجسدا تقاطعات الفصاحة مع الالتزام السياسوي وتناقضات الطبقية الثقافية.
الكوفية.. الفصاحة.. وتفكيك الإعلام
شرارة البروز الإعلامي لإيلوان انطلقت عقب نشر تقرير مصور لليوتيوبر اليميني المتطرف فنسنت لابير أمام مدرسته الثانوية. ظهر إيلوان متوشحا بالكوفية الفلسطينية حول عنقه، وهي في المناخ السياسي والإعلامي الفرنسي الصارم بمثابة موقف أخلاقي وسياسي حاد ضد النمطية، وأبهر المتابعين بطلاقة لسانه ونضج خطابه.
انتزع إيلوان الأضواء بنقده المباشر للوسائط الإعلامية حين قال: على وسائل الإعلام أن تُظهر مطالب الطلاب بدلا من التفتيش عمن يحرقون ويدمرون.
وأظهر وعيا بموقعه الاجتماعي داخل العاصمة، مشيرا إلى أن العنف في ضواحي باريس يكتسي بعدا وظيفيا لدى شباب لا يملكون شيئا، ختامه أن “اليسار الراديكالي هو الأنسب للشباب”.
بين نجومية الشاشة والاستقطاب السياسي
تحول الفتى سريعا إلى ما شبهه البعض بـ “روبرت باتينسون المنبر الشعبي”، وتصدر الشاشات في برامج وازنة مثل “كوتيديان” ومواجهته البلاغية ضد لويز مونتانغون مرشحة التجمع الوطني اليميني، في برنامج “المواجهة الكبرى” لدايفيد بوجاداس.
أعلن إيلوان صراحة انتمائه وإعجابه بحزب “فرنسا الأبية”، ليتوج ذلك بلحظة معانقة وتقبيل من الزعيم اليساري جان لوك ميلانشون الذي احتفى به كرمز لجيل جديد قادر على “إنقاذ فرنسا والشباب”.
بينما صب اليمين جام غضبه على الحراك باتهامه بالتأطير الحزبي والتخريب، أثار التهافت الإعلامي على إيلوان تحفظات حتى داخل الأوساط اليسارية، إذ رأى البعض أن التركيز على طالب باريسي ميسر يمارس “برجوازية ثورية” يغيب معانات تلاميذ مدارس الضواحي الأكثر تهميشا. وهو ما أدركه إيلوان بشجاعة نادرة حين صرح في إحدى المسيرات: “أنا أبيض وأمتلك رصيدا ثقافيا كبيرا”.
درس إيلوان في التعبئة والمقارنة مع واقع الضفة الأخرى
تتجاوز ظاهرة إيلوان الحدود الفرنسية لتطرح أسئلة عميقة حول الوعي السياسي لجيل “Z” وشروط الفعل النضالي بين ضفتي المتوسط:
لقد أثبت الفتى الفرنسي أن صغر السن لا يحول دون امتلاك خطاب سياسي متماسك يربط بين نقد المؤسسة التعليمية والتضامن مع القضايا العادلة كالقضية الفلسطينية.
إذ تجد هذه الدينامية أفقها عند مقارنتها بوضع الشباب في المنطقة العربية، وتحديدا في المغرب. ففي الوقت الذي يتحرك فيه التلميذ الفرنسي داخل بيئة تتيح له القنوات القانونية للاحتجاج والتأطير (رغم التضييق)، يعاني الشاب المغربي من انسداد الأفق السياسي وتراجع وسائط التأطير ومحاولات التجهيل الممنهج.
بينما يستثمر إيلوان فضاء الشارع والشاشة للمطالبة بالإصلاح ورفع الكوفية، يجد الشاب المغربي في سن مقاربة نفسه مدفوعاً نحو الهروب والمخاطرة بالذات عبر محاولات النزوح الجماعي في الفنيدق وسبتة، محولا غضب التهميش والبطالة من نضال داخل المؤسسة إلى نداء يأس على الحدود.
إن شجاعة التلميذ الذي يرتدي موقفه وقضيته على أعتاب مدرسته، تُثبت أن الوعي الأخلاقي لا ينتظر بلوغ سن الرشد، لكن الفرق بين الثورة والنزوح يكمن دائما في وجود مدرسة تزرع التفكير الحر بدلا من التجهيل.
(ترجمة عن الفرنسية)
