الثامن من مارس بين بريق الاحتفاء وواقع التهميش
عبد الرحيم التوراني
صادف يوم أمس الأحد الثامن من مارس، تاريخ يحمل صبغةً خاصة، وجاذبية تتقاذفها الآراء حتى التناقض.. إنه اليوم الذي استقر عليه العرف العالمي للاحتفاء بالمرأة، لكنه في واقعنا المعاش صار طقسا تحيط به الكثير من علامات الاستفهام.. لا يهم هنا الخوض في أسباب النزول التاريخية أو المرجعيات الحقوقية لهذا اليوم، فغالبية المحتفلين لا يقيمون لتلك الجذور وزنا، بل لعل الكثيرين يجهلونها تماما.. يجهلون الدماء والدموع التي عُبدت بها الطريق نحو هذا الاعتراف.. مكتفين بالقشور التي تفرغ المناسبة من جوهرها النضالي.
في هذا اليوم تُرش الورود وتوزع بانتظامٍ انتقائي.. إذ يُحتفى بنساء دون غيرهن، وتُستحضر نماذج بعينها بينما تُغيَّب الغالبية العظمى. يتباهى المجتمع بمن وصلن إلى رتب ومراتب المجد وفق المعايير التقليدية، في حين يتم تجاهل تلك اللواتي تجرأن على اقتحام قلاع ذكورية حصينة بحكم العرف لا القانون.. هكذا نرى احتفاء مشوبا بالدهشة الاستعلائية حين تظهر امرأة تصلح دراجة نارية، أو تعمل في مهنة الجزارة، أو تقف في الشارع لتحرس السيارات المركونة جنب الطوار، حيث تُصور هذه الأفعال في الإعلام، كما فعلت القناة الثانية المغربية يوما، على أنها ذروة التفوق والتمكين، بينما هي في جوهرها انعكاس لواقع اقتصاديٍ ضاغط يفرض على المرأة امتهان ما لا يطيقه غيرها للبقاء… هل هذا هو النصر الذي ننتظره؟ أم هو قمة التهميش الذي يُغلف ببطولة زائفة؟
أما عن المظاهر الاحتفالية، فما زلت أتساءل بمرارة: هل لا يزال المركز السينمائي المغربي يفتح القاعات السينمائية بالمجان للنساء في هذا اليوم؟
إنها مفارقة دالة.. ففي ثقافتنا المغربية، نستخدم مصطلح السينما كمرادف للكذب والخدعة، مقتبسين ذلك عن الفرنسية C’est du cinéma. وكأن المطلوب منا أن نصدق أن هذا الاحتفاء ليس سوى سينما.. خدعة بصرية تشتت الانتباه عن واقعٍ مرير، وعن حقوق مغتصبة خلف ستار من الخطابات الرنانة والورود البلاستيكية… خدعة بصرية تشبه خدع الشاشة الكبيرة، حيث تختفي الحقيقة خلف المساحيق والأضواء الكاشفة.
لقد تعمدت تأجيل الكتابة عن هذه الذكرى إلى ما بعد انقضاء يومها، حتى لا يختلط صوتي بضجيج الآخرين، ولا يتشابك حبلنا مع أحابيل الكثير من المؤسسات والجمعيات والأحزاب، خاصة تلك اليمينية منها والأخرى التي تلبس أقنعة اليسار والتي تتسابق لركوب الموجة في الثامن من مارس لتكيل المديح للمرأة في العلن، بينما تمارس الإقصاء الممنهج ضد حقوقها الجوهرية في الخفاء…
إن الحقيقة التي يغفلها الكثيرون هي أن تاريخ 8 مارس ليس يوما واحدا، بل هو أكثر من يوم… ثمة وجوه متعددة لهذا التاريخ.. هناك 8 مارس النخبوي.. و8 مارس الاستهلاكي.. وهناك 8 مارس الحقيقي الذي لا يشبه الصور اللامعة.
هو يوم للطبقات المرفهة التي تتقاسم فيه الهدايا والتهاني، ويوم آخر تماما للكادحات اللواتي لا يعرفن من هذا التاريخ سوى أنه يوم عمل شاق آخر يضاف إلى رصيد معاناتهن.
إن الاسترسال في هذا النقد قد يجر صاحبه إلى المبتذل من القول، لذا سأكتفي بوقفة إجلال حقيقية…
تحية من القلب إلى النساء اللواتي لا يجدن وقتا للاحتفال.. إلى العاملات في صمت.. المرضعات في ظروف قاهرة.. المربيات اللواتي يغرسن الحياة في أرضٍ جافة…
تحية للفقيرات اللواتي يواجهن قسوة اليوم بصمود أسطوري، قبل المرفهات اللواتي يملأن صفحات التواصل بصور الاحتفاء…
سأمدح المكافحات، أولئك اللواتي يواجهن الحياة بوجوه غير متبرجة، وبأيد خشنة من العمل.. هن الجميلات.. وهن الوحيدات اللواتي يستحقن أن نكتب لهن، لا أن نكتب عنهن… أولئك اللواتي لا ينتظرن وردة في يوم واحد، بل يزرعن بجهدهن حدائق من الكرامة كل يوم…
هؤلاء، وهؤلاء فقط.. هن الجميلات حقا… وهن المعنى الحقيقي للاحتفاء، بعيدا عن صخب السوليما وزيف الشعارات.
