الجريمة السياسية في العالم العربي: من اقتصاد الريع إلى استراتيجيات الاختراق الهادئ (الجزء الثاني)

الجريمة السياسية في العالم العربي: من اقتصاد الريع إلى استراتيجيات الاختراق الهادئ (الجزء الثاني)

 الدكتور عبد الواحد غيات

كيف يمكن تفكيك دوائر القمع دون الانزلاق إلى فوضى الثورة أو إعادة إنتاج الاستبداد؟

الملخص
           ينتقل هذا المقال من مستوى التشخيص البنيوي للجريمة السياسية إلى أفق التحليل الاستراتيجي، عبر مقاربة الآليات الممكنة لمواجهتها وتفكيكها بشكل تدريجي داخل السياقات السلطوية. ويركز البحث على الاقتصاد السياسي للقمع، من خلال إبراز دور الأنظمة الريعية، وشبكات الفساد، وآليات توظيف التهديدات الخارجية في تعزيز تماسك البنى السلطوية وإعادة إنتاجها. كما يتناول الدراسة الأسس السوسيولوجية التي يقوم عليها فعل الخضوع، بما في ذلك ديناميات الخوف، وتفكك النسيج الاجتماعي، وتراجع إمكانات الفعل الجماعي المنظم. وانطلاقًا من مقاربات نظرية وتجارب مقارنة، تناقش الدراسة إمكانات العدالة الانتقالية، والإصلاح المؤسسي، وأشكال المقاومة المدنية كمسارات محتملة لإعادة بناء المساءلة السياسية.

وتولي الدراسة اهتمامًا خاصًا لإشكالية حدود التغيير الثوري القطيعي، مقترحةً بديلًا تحليليًا يتمثل في مفهوم “الاختراق الاستراتيجي”، القائم على أدوات اللامركزية، والتوثيق الرقمي، وبناء تحالفات عابرة للهويات الإيديولوجية، إلى جانب العمل على تحييد آليات القسر المؤسسي تدريجيًا. وتجادل الدراسة بأن تفكيك الجريمة السياسية لا يمكن أن يتحقق عبر حلول سريعة أو نماذج معيارية جاهزة، بل يتطلب مقاربة طويلة المدى تتسم بالمرونة، وتوازن بين الاعتبارات الأخلاقية والقيود الواقعية. ومن ثم، فإنها تقترح مجموعة من الاستراتيجيات السياقية التي تستهدف إضعاف البنى السلطوية من الداخل، مع تقليل مخاطر انهيار الدولة أو إعادة إنتاج دورات جديدة من العنف.

ومن خلال الجمع بين التحليل النظري والخبرة العملية، تسهم هذه الدراسة في توسيع النقاش حول مسارات التحول الديمقراطي، وتقديم تصور مركب لفهم ومواجهة أنماط القمع السياسي المتجذرة في السياق العربي.

الكلمات المفتاحية: الجريمة السياسية؛ الاقتصاد الريعي؛ متانة الأنظمة السلطوية؛ العدالة الانتقالية؛ المقاومة المدنية؛ النشاط الرقمي؛ الاختراق الاستراتيجي؛ التحول الديمقراطي.

اقتصاديات الجريمة السياسية: الريع قبل الكرسي (زاوية مكملة)

لا يكتمل تفكيك البنية العميقة للجريمة السياسية دون الانتقال إلى تحليل مستواها المادي الخفي، حيث تتجاوز المسألة حدود الشرعية الرمزية لتستقر في قلب الاقتصاد السياسي للسلطة. فاستمرار الدورات العنيفة للصراع السياسي لا يمكن تفسيره فقط بمنطق التنافس على الشرعية الدستورية، بل يتطلب الإقرار بأن جوهر هذا الصراع يتمحور حول التحكم في موارد الريع وآليات توزيعه.

إن تحويل الخصم السياسي إلى “مجرم” لا يعكس مجرد دفاع عن تصور مجرد للوطن أو النظام العام، بل يؤدي وظيفة عملية تتعلق بحماية احتكار شبكات السلطة لآليات توزيع الثروة، بما في ذلك عقود التوريد العمومي، والامتيازات الاقتصادية، والصفقات المرتبطة بالموارد الاستراتيجية، والتي غالبًا ما تُدار في سياقات يغيب عنها الفعل الرقابي البرلماني أو القضائي الفعال.

وفي هذا الإطار، لا تبدو المؤسسات القضائية الاستثنائية مجرد أدوات لضبط المجال السياسي، بل تتحول إلى آليات موازية لحماية بنية اقتصادية-سياسية قائمة على الوساطة والريع. فالمعارضة الأكثر تهديدًا للمنظومة ليست تلك التي تعترض على النصوص الدستورية في حد ذاتها، بل تلك التي تمتلك القدرة على كشف شبكات الفساد، وفضح طبيعة التعاقدات الاقتصادية غير الشفافة، بما في ذلك صفقات السلاح والطاقة والغذاء، وما يرتبط بها من عمولات ومصالح متداخلة.

وبهذا المعنى، تصبح الجريمة السياسية أداة لإجهاض أي إمكانية للرقابة الاقتصادية، حيث يُعاد تعريف “الخيانة” لتشمل فعل الكشف عن الفساد، بينما تُعاد صياغة “الوطنية” باعتبارها سلوكًا يقوم على حماية دوائر الريع ومنع مساءلتها. وهكذا يتداخل السياسي بالاقتصادي بشكل عضوي، بحيث تغدو حماية منظومة التوزيع غير العادل للثروة جزءًا من منطق الحفاظ على الدولة نفسها.

وانطلاقًا من هذا التشخيص، فإن أي مشروع جاد لتفكيك بنية الاستبداد لا يمكن أن يتجاهل البعد الاقتصادي للجريمة السياسية، بل ينبغي أن يبدأ بفصل الاقتصاد عن أدوات القمع، عبر بناء مؤسسات رقابية مستقلة وفعالة، وضمان شفافية الصفقات العمومية، وتجريم تسييس المجال المالي، باعتبار ذلك شرطًا تأسيسيًا لأي انتقال نحو نظام سياسي أكثر عدالة وانفتاحًا.

توظيف الصراع الخارجي: تأمين الجريمة بالعدو

تتجلى إحدى أكثر آليات القمع السياسي رسوخًا في العالم العربي في توظيف فكرة “العدو الخارجي” بوصفها غطاءً دائمًا لإعادة إنتاج الجريمة السياسية داخل المجال الداخلي. فبدل أن تُفهم التهديدات الخارجية ضمن إطارها الجيوسياسي المحدود، يتم توسيعها وتكثيفها لتتحول إلى سردية شاملة تُستخدم لتبرير تعطيل الحياة الدستورية، وإدامة العمل بقوانين الطوارئ، وإعادة تشكيل المجال العام وفق منطق التعبئة الدائمة.

وفي هذا السياق، يتم توظيف قضايا كبرى – مثل الصراع العربي الإسرائيلي أو التوترات الإقليمية – داخل خطاب سياسي رسمي يُعيد تعريف كل أشكال النقد الداخلي بوصفها تهديدًا مباشرًا للأمن القومي. وهكذا تُعاد صياغة الجريمة السياسية باعتبارها “جريمة مضادة للوطن”، حيث يُنظر إلى الاعتراض على السياسات الداخلية لا كفعل مدني مشروع، بل كمساس بموقع الدولة في مواجهة الخارج، أو حتى كإضعاف لجبهتها الداخلية في زمن المواجهة.

ويترتب على هذا البناء الخطابي إنتاج معادلة سياسية خانقة، يجد فيها الفاعل المعارض نفسه محاصرًا بين خيارين كلاهما مُكلف: إما الصمت باسم “الوحدة الوطنية” المفترضة وما يرافقها من خطاب تعبوي، أو التعبير عن الموقف النقدي بما يفتح الباب أمام اتهامات جاهزة بالخيانة أو العمالة أو الارتباط بقوى خارجية. وفي بعض الحالات، يتسع هذا المنطق ليشمل فئات مدنية ونقابية وطلابية، حيث يُعاد تأطير مطالبها الاجتماعية والسياسية في قالب أمني يُصنفها ضمن “الاختراق الخارجي” أو “العمل غير المشروع”.

إن خطورة هذا النمط لا تكمن فقط في تقييد المجال السياسي، بل في إعادة إنتاج تصور مشوه للعلاقة بين الداخل والخارج، بحيث يُختزل النقد في التآمر، ويُختزل الاختلاف في العداء. ومن ثم، يصبح تفكيك هذا الالتباس شرطًا أساسيًا لأي إمكانية لإعادة بناء المجال العام على أسس ديمقراطية.

غير أن هذا التفكيك لا يمكن أن يتم عبر إجراءات فوقية فقط، بل يتطلب تحولًا في الوعي الاجتماعي والسياسي يميز بين مستويين متمايزين: مستوى الدفاع عن السيادة والقضايا الوطنية الكبرى، ومستوى الحق في النقد والمساءلة الداخلية. فالفصل بين هذين المستويين لا يعني إضعاف أحدهما لصالح الآخر، بل يهدف إلى تحريرهما معًا من التداخل الذي يجعل من كل نقد تهديدًا، ومن كل اختلاف خيانة.

وفي النهاية، فإن استمرار هذا الخلط يخدم إعادة إنتاج أنماط القمع أكثر مما يعزز القدرة على مواجهة التحديات الخارجية، إذ إن المجتمعات التي تُسكت داخليًا باسم الخطر الخارجي غالبًا ما تفقد قدرتها على بناء شرعية قوية وفعالة في مواجهة ذلك الخارج ذاته.

سوسيولوجيا الخضوع: تواطؤ الصمت وانكسار الطبقة الوسطى

يثير تحليل الجريمة السياسية سؤالًا إشكاليًا غالبًا ما يتم تجنبه في المقاربات التقليدية: ما موقع المجتمع ذاته من هذه البنية القمعية؟ فالجريمة السياسية لا تُمارس في فراغ اجتماعي، ولا تُفرض من أعلى السلطة بمعزل عن محيطها، بل تتشكل داخل فضاء اجتماعي متفاعل، تتقاطع فيه مخاوف الأفراد، وتوازنات الطبقات، واستراتيجيات البقاء اليومية.

في هذا الإطار، لا يمكن فهم استمرارية الأنظمة القمعية اعتمادًا على القوة الإكراهية وحدها، بل يجب إدراج عنصر التفكك الاجتماعي كعامل بنيوي أساسي. إذ يتم إعادة إنتاج الاستبداد عبر تفتيت المجتمع إلى وحدات معزولة، حيث يشعر كل فرد أو مجموعة بأنهم عرضة محتملة للعقاب، ما يدفعهم إلى تبني الصمت بوصفه استراتيجية وقائية. وبهذا المعنى، لا يعود الخوف مجرد حالة نفسية، بل يتحول إلى بنية اجتماعية تُعاد إنتاجها باستمرار في تفاصيل الحياة اليومية.

وتلعب الطبقة الوسطى دورًا مركزيًا في هذا السياق، إذ تجد نفسها عالقة بين رغبتها في الاستقرار الاجتماعي وحماية مكتسباتها الهشة، وبين إدراكها غير المكتمل لمخاطر تآكل المجال العام. هذا الوضع الهجين يجعلها في كثير من الأحيان تميل إلى التكيف السلبي مع الوضع القائم، بدل الانخراط في مواجهة مباشرة قد تهدد توازنها الاقتصادي والاجتماعي. وإلى جانب ذلك، تسهم بعض النخب الثقافية والإعلامية في إعادة إنتاج هذا التوازن من خلال الانخراط في منطق الحضور الرمزي الآمن، بدل المخاطرة بمواقف نقدية حادة.

وبهذا، يصبح “الصمت” عنصرًا بنيويًا في استمرار الجريمة السياسية، لا مجرد غياب للفعل. فهو يتخذ شكل تواطؤ اجتماعي غير مباشر، يتجلى في الممارسات اليومية داخل الفضاءات العامة والخاصة، حيث تُمارس الرقابة الذاتية قبل أي تدخل خارجي، ويُعاد ضبط حدود القول والفعل بما يتناسب مع مناخ الخوف السائد.

ومع ذلك، فإن تفكيك هذه الحلقة لا يمر حصريًا عبر المواجهة السياسية المباشرة، بل يمكن أن يبدأ من إعادة بناء النسيج الاجتماعي الأفقي، عبر تفعيل أشكال من التنظيم المدني غير المؤدلج بالضرورة في مظهره الأولي. فالنقابات المهنية، وجمعيات الآباء، والمبادرات البيئية، والروابط الحقوقية المحلية، يمكن أن تشكل فضاءات وسيطة للمطالبة بالحقوق الأساسية – مثل التعليم، والصحة، والماء، والخدمات العمومية – دون أن تُصنف مباشرة ضمن خانة المعارضة السياسية.

وتكمن أهمية هذه الفضاءات في كونها تشتغل على مطالب ملموسة وقابلة للتأطير الاجتماعي الواسع، ما يجعل من الصعب إعادة تأويلها فورًا ضمن خطاب “الفتنة” أو “التهديد السياسي”. ومع تراكم هذه الممارسات، تتشكل تدريجيًا ثقافة جديدة للمطالبة والمساءلة، تنتقل بالمجتمع من سوسيولوجيا الخوف إلى سوسيولوجيا الفعل التدريجي، بما يفتح إمكانات بطيئة ولكن واقعية لإعادة بناء المجال العام على أسس أكثر توازنًا وحرية.

العدالة الانتقالية: خارطة طريق نحو المستقبل

إن الخروج من دائرة الجريمة السياسية لا يمكن أن يتحقق بمجرد تعديلٍ قانوني أو إصلاحٍ تقني في بنية التشريعات، بل يتطلب تحولًا أعمق يمسّ البنية المفاهيمية ذاتها التي حكمت العلاقة بين السلطة والمجتمع. فهو انتقال من منطق إدارة الصراع عبر القمع إلى منطق تدبيره عبر الاعتراف والمساءلة وإعادة التأسيس الأخلاقي للمجال السياسي.

وتُعد العدالة الانتقالية المدخل المركزي لهذا التحول، باعتبارها عملية قائمة على كشف الحقيقة ومواجهة الماضي دون إنكار أو طمس. فالمسألة لا تتعلق بإحصاء الانتهاكات فحسب، بل بإعادة الاعتبار للضحايا بوصفهم ذواتًا إنسانية كاملة، لا مجرد أرقام في تقارير حقوقية. ومن هذا المنطلق، يشكل تأسيس هيئات الحقيقة والمصالحة خطوة أساسية لكسر حلقة العنف المتكرر، عبر تفكيك العلاقة العضوية بين أجهزة القسر والنظام السياسي، وإعادة توجيه وظيفة هذه الأجهزة نحو حماية الدولة والمواطن بدل حماية السلطة.

ويستدعي هذا المسار الإصلاحي إعادة هيكلة شاملة لمنظومة العدالة، في اتجاه ضمان استقلال القضاء استقلالًا عضويًا وماليًا وإداريًا، بما يرسخ مبدأ الفصل الفعلي بين السلطات، ويجعل من القانون المدني المرجعية العليا في فض النزاعات السياسية والاجتماعية، بدل منطق الاستثناء أو التدخل العسكري. كما يفرض ذلك إعادة تعريف دور المؤسسة الأمنية ضمن إطار قانوني واضح، يخضعها لرقابة مؤسساتية صارمة، بما في ذلك إخضاع أماكن الاحتجاز لآليات تفتيش قضائية مفاجئة وفعالة.

وفي السياق ذاته، تبرز أهمية تعزيز حرية الإعلام باعتباره سلطة رقابية موازية، قادرة على كشف التجاوزات وفضح اختلالات السلطة، بما يضمن توازنًا نسبيًا داخل الفضاء العام ويمنع انغلاقه. فالإعلام الحر يشكل أحد الشروط الأساسية لأي مسار انتقالي ناجح، لأنه يحدّ من احتكار الرواية الرسمية ويعيد فتح المجال أمام التعددية.

وفي المحصلة، فإن الجريمة السياسية في العالم العربي ليست قدرًا تاريخيًا أو جغرافيًا ثابتًا، بل هي نتاج غياب السياسة بوصفها مجالًا للتنافس السلمي المنظم. فعندما تُغلق قنوات المشاركة السياسية، ويُعطل مبدأ التداول، ويُقصى الاختلاف، يصبح العنف بديلاً قسريًا عن الحوار. ومن ثم، فإن استعادة السياسة بمعناها التعددي هي الشرط الجوهري لتجفيف منابع الجريمة السياسية وإعادة تأسيس المجال العام على أسس من التعاقد والشرعية.

النزيف المعرفي: أثر القمع على التنمية وهجرة العقول

لا تقتصر تداعيات الجريمة السياسية على مستويات الانتهاك الجسدي أو تقييد الحريات الفردية، بل تمتد لتطال البنية العميقة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يجعلها عاملًا بنيويًا في إنتاج التخلف وإعادة تدوير الأزمات. ففي ظل منظومات سياسية تُدار بمنطق مأسسة القمع، يتم إعادة ترتيب أولويات الدولة بطريقة تجعل من منطق الولاء بديلاً عن منطق الكفاءة، ومن الاعتبارات الأمنية معيارًا مهيمنًا على حساب الاعتبارات التنموية.

في هذا السياق، تتحول مؤسسات الدولة تدريجيًا إلى أجهزة وظيفية موجّهة نحو حماية النظام السياسي، بما يؤدي إلى تضخم الإنفاق الأمني والعسكري على حساب القطاعات الحيوية، وعلى رأسها التعليم، والصحة، والبحث العلمي. وينتج عن هذا الاختلال البنيوي تآكل في القدرة الإنتاجية للمجتمع، وتراجع في جودة الخدمات العمومية، بما ينعكس سلبًا على دينامية التنمية الشاملة.

ومن جهة أخرى، تخلق الجريمة السياسية بيئة اقتصادية طاردة للاستثمار، حيث يتطلب رأس المال، المحلي والأجنبي، حدًا أدنى من اليقين القانوني واستقلالية القضاء وشفافية قواعد السوق. وفي غياب هذه الشروط، تتحول البيئة الاقتصادية إلى فضاء تحكمه المحسوبية والارتباطات غير الرسمية بمراكز القرار السياسي، مما يضعف المنافسة ويعمّق الفوارق الاجتماعية، ويؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى باعتبارها ركيزة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

أما على مستوى رأس المال البشري، فإن أحد أخطر تجليات الجريمة السياسية يتمثل في تسريع وتيرة هجرة العقول. فالفئات المؤهلة علميًا وثقافيًا—من باحثين وأطباء ومهندسين ومبدعين—تجد نفسها أمام خيارات محدودة: إما الصمت والانخراط في مناخ من التقييد الذاتي، أو مواجهة احتمالات الإقصاء أو السجن أو التضييق، أو اختيار المنفى كفضاء بديل يتيح لها ممارسة عملها في شروط أكثر حرية واحترامًا للكرامة الإنسانية.

وتؤدي هذه الدينامية إلى خسائر اقتصادية ومعرفية ضخمة، تتمثل في نزيف مستمر للكفاءات التي تم تمويل تكوينها من موارد الدولة والمجتمع، قبل أن تستفيد منها أنظمة اقتصادية أخرى أكثر انفتاحًا. وبهذا المعنى، لا تقتصر هجرة العقول على كونها ظاهرة اجتماعية، بل تتحول إلى مؤشر على اختلال بنيوي في العلاقة بين الدولة ومواطنيها الأكثر كفاءة.

وعليه، فإن النزيف المعرفي يمكن فهمه بوصفه أحد الأشكال غير المباشرة للجريمة السياسية، حيث لا يُستهدف الأفراد جسديًا بالضرورة، بل يُدفعون إلى مغادرة المجال الوطني بفعل بيئة غير آمنة معرفيًا ومؤسسيًا. وهو ما يجعل من هذه الظاهرة خسارة مزدوجة: خسارة فردية على مستوى الكفاءات، وخسارة جماعية على مستوى مشروع التنمية الوطنية ذاته.

نماذج مقارنة: بين الانغلاق ومحاولات الانعتاق

يكشف التحليل المقارن للمشهد العربي عن تباين واضح في أنماط التعامل مع إرث الجريمة السياسية، سواء من حيث درجة مأسستها أو من حيث محاولات تفكيكها وإعادة النظر في بنيتها. ففي عدد من الدول العربية، تعمّق مسار تقنين القمع عبر توسيع نطاق التشريعات المرتبطة بمكافحة الإرهاب، بما حوّلها إلى أطر قانونية شاملة تُستخدم لإحاطة الفضاء العام بسياج صارم يحدّ من إمكانات الفعل السياسي والمدني.

وفي المقابل، شهدت بعض السياقات محاولات جزئية—وإن ظلت محدودة وهشّة—لاتباع مسارات انتقالية تهدف إلى تفكيك البنى القمعية وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر شفافية. ويبرز في هذا الإطار النموذج التونسي بعد 2011، الذي قدّم تجربة لافتة من خلال إرساء هيئة الحقيقة والكرامة، بوصفها آلية للعدالة الانتقالية تقوم على الكشف والمساءلة والاعتراف، بدل الاقتصار على منطق العقاب أو الانتقام. وقد سعت هذه التجربة إلى التعامل مع الجريمة السياسية باعتبارها خللًا بنيويًا في منظومة الحكم، يستوجب المعالجة المؤسسية والتاريخية لا مجرد المعالجة الفردية.

في هذا النموذج، جرى الانتقال – ولو بشكل نسبي – من منطق إنكار الانتهاكات إلى منطق الاعتراف بها، ومن اعتبارها أحداثًا معزولة إلى فهمها كنتاج لبنية سلطوية ممتدة. غير أن هذا المسار لم يكن خطيًا أو مكتملًا، إذ واجه تحديات سياسية ومؤسساتية عديدة، أعادت طرح سؤال هشاشة التحولات الديمقراطية وإمكانية ارتدادها.

في المقابل، تبرز نماذج أخرى اتجهت نحو تطبيع الجريمة السياسية وإدماجها ضمن البنية الإدارية للدولة، حيث يتم تداول النخب الأمنية والعسكرية في مواقع مدنية، بما يضمن استمرار السيطرة على مفاصل القرار السياسي والاقتصادي. وفي هذه السياقات، لا تُمارس الجريمة السياسية باعتبارها فعلًا استثنائيًا، بل تتحول إلى ممارسة شبه روتينية تُبرر بمنطق الوقاية والاستقرار، ما يؤدي إلى تقليص تدريجي لمجال السياسة وإفراغه من محتواه التعددي.

وتُظهر هذه المقارنة أن مسار الانتقال نحو دولة القانون لا يمكن اختزاله في إصلاحات دستورية أو تشريعية شكلية، بل هو عملية معقدة تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية والثقافية والنفسية، وتتطلب إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الاعتراف بالماضي ومساءلته. فبدون هذا الاعتراف، تظل إمكانية إعادة إنتاج أنماط الجريمة السياسية قائمة، وإن بأشكال وصيغ مختلفة.

مستقبل الجريمة السياسية في ظل التوحش الرقمي

مع تسارع التحولات التكنولوجية في العقود الأخيرة، أصبحت التكنولوجيا عاملًا بنيويًا مزدوج التأثير في إعادة تشكيل علاقة السلطة بالمجتمع. فإذا كانت أدوات الاتصال الرقمي قد شكلت في لحظة تاريخية أولى فضاءً واعدًا للتعبير والتنظيم السياسي، خاصة خلال موجات الحراك الاجتماعي، فإنها تحولت لاحقًا إلى أحد أهم مرتكزات إعادة إنتاج أنماط جديدة من الاستبداد، يمكن توصيفها بـ“الاستبداد الرقمي”.

وفي هذا السياق، نشأت أشكال متقدمة من الجريمة السياسية العابرة للحدود، تقوم على توظيف تقنيات المراقبة الجماعية، وتحليل البيانات الضخمة، وأنظمة التتبع السيبراني، والتي يتم تداولها ضمن شبكات دولية لا تخضع دائمًا لمعايير رقابية أو أخلاقية صارمة. وقد أدى هذا التطور إلى انتقال مركز الثقل في أدوات القمع من الفضاء المادي التقليدي إلى الفضاء الرقمي، حيث تصبح المعلومة ذاتها أداة للضبط والسيطرة.

وتتسم الجريمة السياسية في بعدها الرقمي بكونها أقل ظهورًا وأكثر تغلغلًا في الحياة اليومية، إذ لا تعتمد بالضرورة على العنف المباشر أو الاعتقال المادي، بل على خلق حالة دائمة من المراقبة والرقابة الذاتية. وفي ظل هذا الوضع، يتحول المجال العام إلى فضاء شبه مراقَب باستمرار، بما يؤدي إلى تراجع المبادرة الفردية والجماعية، وإضعاف القدرة على الفعل السياسي الحر نتيجة الخوف من التتبع أو التصنيف أو الاستهداف غير المباشر.

غير أن هذا التحول ذاته يفتح في المقابل إمكانات جديدة للمقاومة، إذ أتاح الفضاء الرقمي أدوات غير مسبوقة لتوثيق الانتهاكات وتخزين الأدلة، مما صعّب على الأنظمة احتكار الرواية الرسمية أو إنكار الوقائع. وقد أصبحت المواد المصورة، والشهادات المباشرة، والتسريبات الرقمية بمثابة أرشيف بديل يُسهم في حفظ الذاكرة الجماعية، ويحد من قدرة السلطة على إعادة تشكيل الحقيقة بشكل منفرد.

وبذلك، يتحول الفضاء السيبراني إلى ساحة صراع مركزية في المستقبل السياسي، حيث يتحدد مسار الجريمة السياسية بين اتجاهين متعارضين: إما تعميق أدوات السيطرة عبر الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة المتقدمة بما يرسخ أشكالًا جديدة من الاستعباد الرقمي، أو تطور قدرات المجتمعات على استعادة سيادتها الرقمية وتوظيف التكنولوجيا في تعزيز الشفافية، وتوسيع آليات المساءلة، وإعادة توزيع القوة داخل المجال العام.

آليات الاختراق: كسر الدائرة دون زلزال مدمر (المكمل الاستراتيجي)

يطرح تفكيك الجريمة السياسية سؤالًا مركزيًا يتجاوز حدود التشخيص النظري إلى إشكال الفعل: كيف يمكن كسر بنية القمع دون اللجوء إلى صدمة ثورية شاملة قد تُفضي إلى انهيار الدولة أو إعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة؟ فالتجارب التاريخية تُظهر أن التحولات المفاجئة، في سياقات يغيب فيها توازن المؤسسات وتظل فيها البنى العسكرية والاقتصادية متماسكة، كثيرًا ما تنزلق نحو الفوضى أو نحو انقلابات مضادة تعيد إنتاج المنظومة القديمة بأدوات مختلفة.

وعليه، يقترح هذا الإطار الاستراتيجي مقاربة تقوم على “التراكم البطيء” و“الاختراق التدريجي من داخل الشقوق”، بدل منطق المواجهة الصدامية المباشرة. وهي مقاربة تستند إلى تفكيك مراكز القوة بشكل جزئي ومتدرج، عبر خمس آليات مترابطة:

أولًا: اللامركزية الإدارية كمدخل لكسر الاحتكار السياسي:  

بدل التركيز الحصري على مركز السلطة، يتم توجيه الجهد نحو إعادة إحياء الفعل المحلي عبر المجالس المنتخبة والبلديات، بما يمنحها صلاحيات فعلية في تدبير الشأن اليومي (الماء، النظافة، التعليم الأولي، الخدمات الأساسية). هذا التحول يساهم في نقل المواطن من فضاء الخوف السياسي العام إلى فضاء الممارسة العملية الملموسة، ويؤدي تدريجيًا إلى خلق نخب محلية تستمد شرعيتها من الإنجاز الخدمي لا من الولاء المركزي، بما يحد من احتكار الدولة للقرار.

ثانيًا: الفصل بين الحقوق الاجتماعية والانتماء السياسي:

تقوم إحدى ركائز الجريمة السياسية على ربط فرص العمل والخدمات العمومية بالولاء السياسي. ويكمن المسار الإصلاحي في الدفع نحو منظومة قانونية تضمن حياد الدولة الاقتصادي، بما يكفل الحق في التعليم والصحة والعمل بصرف النظر عن الانتماء السياسي. ويوازي ذلك تعزيز هيئات مستقلة وفعالة لمكافحة الفساد المالي والإداري، بما يسمح بفك الارتباط بين الاقتصاد والولاء، ويقلص قدرة السلطة على استخدام الإقصاء الاقتصادي كأداة قمع.

ثالثًا: الفضاء الرقمي كأداة لرفع كلفة القمع:

بدل الاقتصار على المواجهة المباشرة في الفضاءات التقليدية، يبرز الفضاء الرقمي كمساحة بديلة لإعادة توزيع القوة عبر التوثيق، والتشفير، والصحافة الاستقصائية. ويهدف هذا المسار إلى رفع الكلفة الشخصية والمؤسسية للمشاركة في انتهاكات حقوق الإنسان، من خلال خلق إمكانية دائمة للمساءلة، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، بما يؤدي إلى تقييد هامش الإفلات من العقاب، وإضعاف منطق القمع غير المرئي.

رابعًا: بناء تحالفات عابرة للهويات الإيديولوجية:

تستفيد أنظمة القمع من تفكك المعارضة وانقسامها الإيديولوجي. لذلك، يقوم هذا المدخل على تجاوز الاصطفافات التقليدية لصالح “أجندات مطلبية مشتركة” محددة وقابلة للقياس، مثل استقلال القضاء، وحرية التنظيم السياسي، وإنهاء التعذيب، وإغلاق مراكز الاحتجاز غير القانونية. إن هذا النوع من المطالب الجزئية يتيح توسيع قاعدة التوافق المجتمعي، ويقلل من قدرة السلطة على وصم الحراك السياسي بالفتنة أو التآمر، كما يسمح ببناء ثقة تدريجية بين الفاعلين المختلفين.

خامسًا: إعادة تموضع المؤسسة العسكرية ضمن منطق الدولة لا السلطة:

لا يمكن التعامل مع المؤسسة العسكرية بمنطق أخلاقي صرف، بل عبر مقاربة مصلحية-مؤسساتية تأخذ في الاعتبار موقعها داخل البنية الاقتصادية والسياسية للدولة. ويتمثل المسار في إدماجها تدريجيًا ضمن اقتصاد وطني شفاف وخاضع للرقابة، بما يعزز ارتباطها باستقرار الدولة ككل بدل ارتباطها ببقاء السلطة السياسية. كما يشمل ذلك توسيع تدريجي لآليات الرقابة المالية والمؤسساتية على القطاعات الأمنية، بما يحد من منطق الاستقلالية المطلقة ويعيد إدراجها ضمن منطق الدولة الوطنية الحديثة.

في المحصلة، لا يقوم هذا التصور على منطق القطيعة المفاجئة، بل على إعادة تشكيل بطيئة ومتراكمة لموازين القوة داخل المجتمع والدولة، بما يفتح إمكانات تفكيك الجريمة السياسية من دون إنتاج فراغ سياسي أو انهيارات بنيوية غير قابلة للضبط.

الخاتمة والاستشراف: نحو عقد اجتماعي جديد يتجاوز ثنائية الصدمة والجمود

لا تمثل الجريمة السياسية في العالم العربي قدرًا جغرافيًا محتومًا، ولا هي انعكاسًا لجوهر ثقافي ثابت، بقدر ما هي نتاج تاريخي لبنية مختلة في توزيع السلطة، وغياب فعلي لتوازن السلطات، وتداخل معقد بين شبكات الفساد، ومنظومات الخوف الاجتماعي، وتوظيف “العدو الخارجي” كأداة دائمة لإعادة إنتاج الشرعية القسرية. ومن ثم، فإن أي محاولة جادة لتفكيك هذه الظاهرة لا يمكن أن تنطلق إلا من إعادة تعريف السياسة ذاتها بوصفها فضاءً لإدارة الاختلاف، لا ساحة لإلغائه أو تصفيته.

غير أن تجاوز هذا المأزق البنيوي لا يمكن أن يتم عبر منطق الصدمة الثورية الشاملة التي تعيد إنتاج الفوضى أو تفتح الباب أمام دورات جديدة من العنف، بل من خلال مقاربة تراكمية تقوم على الصبر الاستراتيجي وإعادة هندسة شروط الفعل السياسي والاجتماعي. فالمطلوب ليس تغيير الفاعلين داخل النظام القائم فحسب، بل إعادة صياغة قواعد اللعبة التي تنتج السلطة وتعيد توزيعها.

ويستدعي هذا التحول العمل على عدة مستويات متوازية: تعزيز فضاءات الحرية على المستوى المحلي بما يسمح بتراكم خبرات الحكم الذاتي والتدبير القريب من المواطنين؛ وتفكيك الاحتكار الاقتصادي للسلطة عبر ترسيخ قواعد الشفافية والعدالة في توزيع الموارد؛ ورفع كلفة القمع عبر أدوات التوثيق والمساءلة الرقمية والقانونية؛ إضافة إلى بناء توافقات مجتمعية حول مطالب عملية قابلة للإنجاز، تُعيد الثقة التدريجية بين الدولة والمجتمع.

وفي السياق ذاته، يظل أحد الشروط الحاسمة لأي تحول مستدام هو إعادة ضبط موقع المؤسسة العسكرية داخل منطق الدولة لا منطق السيطرة السياسية، عبر تقليص تدريجي لاحتكارها للقرار الاقتصادي والأمني، وإخضاعها لآليات رقابية مؤسساتية فعالة، بما يحد من قدرتها على إعادة إنتاج السلطة خارج إطار الشرعية المدنية.

إن الدولة التي لا تستطيع ضمان أبسط الحقوق الأساسية لمواطنيها – من تعليم وصحة وماء وخدمات عمومية – دون وسائط أمنية أو سياسية، هي دولة تضعف بنيتها التأسيسية من الداخل، مهما بدت قوية في ظاهرها. ومن هنا، فإن استعادة المعنى الحقيقي للدولة تمر عبر استعادة قدرتها على خدمة المواطن لا التحكم فيه.

وبهذا المعنى، لا يبدو المستقبل ملكًا لا للثورات الصادمة التي تراهن على اقتحام جذري مفاجئ، ولا للجمود الذي يكرّس الاستسلام، بل لفاعلين جدد يجمعون بين الوعي السياسي والممارسة المدنية اليومية، ويدركون أن بناء السيادة والكرامة عملية تراكمية تتجسد في التفاصيل الصغيرة للحياة العامة بقدر ما تتجسد في اللحظات السياسية الكبرى.

إن انهيار أنظمة الاستبداد، في هذا الإطار، لا يشبه لحظة سقوط مفاجئة، بقدر ما يشبه تفككًا تدريجيًا لبنية لم تعد قادرة على تبرير ذاتها أو إعادة إنتاج أسباب استمرارها. فالجدار لا يسقط فقط بفعل الضربات المباشرة، بل حين يفقد الناس يقينهم بأنه لا يوجد خلفه سوى الفراغ أو الفوضى، ويبدأون في تصور بدائل قابلة للحياة أكثر عدالة واستقرارًا.

وفي النهاية، يمكن القول إن الاستراتيجية الأكثر واقعية لتفكيك الجريمة السياسية هي استراتيجية “الاستنزاف الإيجابي”، أي تفكيكها عبر تجريدها التدريجي من مواردها المادية (الريع والفساد)، ومن ذرائعها الرمزية (العدو الخارجي والفتنة)، ومن حواضنها الاجتماعية (الخوف والصمت والتطبيع مع القمع). إنها مقاربة طويلة النفس، لكنها وحدها القادرة على إنتاج تحول لا يترك خلفه فراغًا سياسيًا، بل مؤسسات قابلة للحياة، ومجتمعًا أقل خوفًا، وسياسة تستعيد معناها الأصلي بوصفها تعبيرًا عن الإرادة العامة لا احتكارًا للقوة.

شارك هذا الموضوع

عبد الواحد غيات

باحث في العلاقات الدولية والجيوسياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!