“الرغبة في البادية” بين المشروع الإيكولوجي ومنطق الريع العقاري

“الرغبة في البادية” بين المشروع الإيكولوجي ومنطق الريع العقاري

محمد امباركي

أوردت المجلة الفرنسية العلوم الإنسانيةفي عددها رقم 361 (غشت/شتنبر 2023) ملفًا مهمًا تحت عنوان: “تغيير نمط العيش: ما الذي يؤثر في اختيارات وجودنا؟[1]، ومن بين القضايا الهامة التي توقفت عندها قضيةُ ما تشهده بعض البلدان الغربية، ومنها فرنسا، من تحولات مهمة على مستوى الحركة الهجرية؛ إذ تعرف تنامي تيار هجري مخالف لما عُرف بالهجرة القروية، أي الهجرة من المدينة إلى البادية لا العكس.

ويصطلح الباحثون في علم الاجتماع (السوسيولوجيا) أو الأنثروبولوجيا على هذه الظاهرة بـ الرغبة في البادية” (Le désir de campagne) أو العودة إلى الطبيعة، كما يُنعت ممارسو هذا النمط من الهجرة بـ القرويين الجدد” (les néo-ruraux). وقد تصاعدت وتيرة هذه الدينامية خلال السياق الوبائي لكوفيد-19.

ويُرجع هؤلاء الباحثون هذه الظاهرة المستجدة إلى عدة عوامل، يأتي في مقدمتها العامل الإيكولوجي، في ضوء التطلع إلى الابتعاد عن ضغوط المدن/الميتروبولات وإكراهات النزعة الاستهلاكية التي يغذيها النموذج الاقتصادي النيوليبرالي، ومن ثم البحث عن نمط آخر للعيش يقوم على الإنتاج والاستهلاك المحليين.

وغالبًا ما تتشكل تركيبة هؤلاء القرويين الجدد من نخب متعلمة حاصلة على شواهد عليا، تجاوزت مرحلة الشباب، بل إنها تستثمر في مشاريع جمعوية وبيئية وفلاحية تعود بالنفع على الساكنة القروية ككل، من قبيل تربية النحل، والمهن اليدوية في مجالات الخشب والجلد، وفتح متاجر محلية صغيرة متعددة الخدمات، فضلًا عن تنشيط مبادرات جمعوية وثقافية محلية.

وعمومًا، فإن هذا النمط من الموجة القروية الجديدة لا تحكمه قطيعة اجتماعية أو مجالية مع العوالم السابقة، بل يوجّهه في الغالب البحثُ عن إضفاء معنى آخر للحياة، معنى ينشد التجديد.

في بلادنا، المغرب، تبرز كذلك بوادر نشأة الرغبة في الباديةمن طراز آخر؛ إذ نلاحظ تنامي إقطاعيات زراعية كبيرة ومتوسطة تُسقى من المياه الجوفية وغير الجوفية، وفي قلبها فيلات فاخرة قد تحتوي على مسابح عصرية. وهي ضيعات مخصصة للزراعة التسويقية، ولا سيما للتصدير.

بمعنى آخر، هناك “هجوم” منظم على البادية، وخاصة المجال القروي القابل إما للاستغلال الزراعي العصري المستفيد من دعم الدولة، أو المرشح للتحويل إلى تجزئات سكنية فاخرة تشكل مصدرًا لأرباح طائلة ومضاربات عقارية وريعية تشتغل في تضاد تام مع منطق المنافسة النزيهة. فمن هم هؤلاء القرويون الجدد؟

إن القرويين الجدد في المغرب يختلفون عن أقرانهم في فرنسا من حيث الخصائص السوسيولوجية، ولا سيما على مستوى الرساميل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك علاقتهم بالسلطة السياسية المهيمنة. ويقول عنهم الباحث السوسيولوجي نورالدين الزاهي، في سياق حديثه عن تشكل الطبقة المتوسطة في المغرب وجوابه عن سؤال: هل يعيش المغرب فعلًا تشكّل طبقة متوسطة قروية أم تشكّل فئة الأثرياء الجدد؟ إنه حين كانت المحاولات حثيثة لإنشاء طبقة متوسطة فلاحية، تم خلق مخطط الجيل الأخضر، سليل المخطط الأخضر، لتوفير شروطها في القرية المغربية. غير أن الدراسات الجادة في هذا المجال تجمع على أن ما تم خلقه هو فئة من الأثرياء الجدد، يُنعتون بالفلاحين الحضريين والقرويين الجدد، أصحاب ضيعات عصرية مخصصة منتجاتها للتصدير.

إنها فئة جديدة من الملاّكين العقاريين يتسع عددها كما تتسع جغرافيتها، بما ينبئ بالتشكيلة الطبقية القادمة للمجتمع المغربي.

إنهم خريجو مخطط الجيل الأخضر، الذين يستفيدون من مختلف أنواع الدعم والتسهيلات الضريبية والإدارية؛ ينتجون الفراولة والأفوكادو والبطيخ والخضر والفواكه المستنزفة للفرشة المائية، ويصدرونها محمّلة بمياهها، في حين تعيش مناطق بأكملها ندرة في المياه الصالحة للشرب. هؤلاء هم الفلاحون الجدد الذين يُسمح لهم بأن يكونوا نافذين في رسم السياسات الفلاحية للبلد[2].

كما يقول عنهم في موضع آخر: إنهم فلاحون حضريون متعددو الأنشطة؛ يمارسون، إلى جانب النشاط الفلاحي، مهنًا أخرى (التجارة، الإدارة، مقاولات البناء، الصيدلة، الهندسة، المهن الحرة…)، وهي مهن تنتمي جلّها إلى الفئة العليا من الطبقة المتوسطة. وهو مؤشر يبرز فعل الانحراف الذي أصاب عملية خلق الطبقة المتوسطة، عبر رفع فئتها العليا إلى مصاف الملاّكين العقاريين الجدد، ودفع فئتها الوسطى والسفلى نحو الهشاشة أو الفقر. ويتعلق الأمر بتمزيق نسيج الطبقة المتوسطة الحضرية والقروية، ثم إبطال فعلها المجتمعي[3].

وهكذا تنتقل “الرغبة في البادية” من استراتيجية سوسيو-بيئية واعية لدى القرويين الجدد المثقفين (Les intellectuels) إلى رغبة متوحشة وشرهة في حيازة الأراضي والعقارات لدى الأثرياء الجدد “المتعلمين” (Les apprentis)، أي المتمكنين من آليات السوق المرئية وغير المرئية، بما يتيح لهم مراكمة الثروة والجاه والنفوذ، والسعي إلى حماية هذه المصالح عبر شبكة مركبة من التحالفات مع السلطة السياسية المركزية والمحلية، من خلال البوابة الانتخابية والمجالس المحلية والجهوية، في سياق السياسة التقليدية للدولة في إعادة إنتاج و”تحديث” النخب المحلية الحضرية والقروية.

[1] Changer de vie Qu’est-ce qui influence nos choix d’existence ?Sciences Humaines N°361 ;Août-Septembre 2023,

[2] نور الدين الزاهي : وجود طبقة متوسطة بالمغرب هو “كذبة القرن”، والثورات لا تخبر أحدا بوقوعها 2\2. https://marayana.com/laune/2023/04/25

[3]  صيدلية الأفكار : الاثرياء الجدد خريجو المخطط الاخضر، https://alittihad.info 18 أبريل 2024

شارك هذا الموضوع

محمد امباركي

باحث في علم الاجتماع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!