“الووكيزم” بين صحوة العدالة الاجتماعية وحروب الهوية

“الووكيزم” بين صحوة العدالة الاجتماعية وحروب الهوية

كاركاسون- المعطي قبال

           تُعد “الووكية” (Wokeism) أحد المفاهيم المؤسسة لباراديغمات فاصلة ولمواقف متشددة، فباسم معاداتها، شُنّت هجمات نارية على الخصوم، وأُقصيت كفاءات من مناصبها الجامعية. ومع صعود “ترامب”، تحول المفهوم إلى رأس حربة تُنفذ باسمه كل التحرشات والاعتداءات على الخصوم.

وللتذكير، فإن النزعة الووكية هي حركة اجتماعية وثقافية ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وتحديدًا في الأوساط الجامعية. تركز هذه الحركة على قضايا العدالة الاجتماعية، مثل التمييز العنصري، والتمييز الجندري، وحقوق الأقليات. ولم تلبث هذه النزعة أن انتشرت خارج أسوار الجامعات، وكان من دعاتها المؤسسين ناشطون مثل: “تارانا بيرك” (مؤسسة حركة Me Too) وناشطات حركة “Black Lives Matter” (حياة السود مهمة)، وأنجيلا ديفيس المدافعة عن حقوق الأقليات، والكاتبة النيجيرية “تشيماماندا نغوزي أديتشي” التي تدافع عن حقوق النساء.

ما لبثت هذه النزعة أن تجاوزت الحدود الأمريكية، وبالأخص نحو كندا وأوروبا وأستراليا، لتصبح تياراً يمثل مطالب شرائح متنوعة تتقاطع همومها في مجتمعات تفتقد إلى العدالة الاجتماعية والمساواة، ولا تعترف كفايةً بحقوق الإنسان والتسامح والتنوع الثقافي.

رافق هذه النزعة، على مستوى البحث والفكر، العديد من الدراسات والمؤلفات؛ بعضها يدافع عن وجودها، والبعض الآخر يناهضها ويحارب توجهاتها. ومن بين الدراسات التي تدافع عنها وتندرج ضمن توجه يساري، البحث الصادر تحت عنوان: «لنكن ووكيين: دفاعاً عن العواطف الطيبة» من توقيع “بيار تيفانيان”، والصادر عن منشورات “ديفارجانس” في 127 صفحة. والمؤلف فيلسوف وأستاذ ومنشط لمجموعة «الكلمات مهمة»، وله أبحاث نُشرت لدى كبار الناشرين مثل “لاديكوفيرت”، كما يُعرف بمواقفه المناصرة للقضية الفلسطينية.

جاءت فاتحة الكتاب على شكل مقولة نطق بها الإعلامي اليميني المتطرف “سيريل حنونة” حين قال: «سأدافع عن كل ما هو مناهض للنزعة الووكية، وبما أن دونالد ترامب هو الرمز المناهض للووكية، فإنني أدافع عن ترامب». انطلاقاً من هذه المقولة التي قيلت في ظرفية عرفت فيها فرنسا حلاً للبرلمان وتعاقب حكومتين فشلتا في فك عقد الأزمة، تبيّن أن ثمة من يحرك خيوط اللعبة في الخفاء، وهو الملياردير “بيار- إدوارد ستيران”، المحسوب على اليمين المتطرف، والذي يسعى بضخه لمبلغ 150 مليون يورو إلى تأجيج فتيل حرب ثقافية وأيديولوجية لمحاربة “الووكيزم”. وفي هذا الاتجاه، أعد وثيقة تفسر “خطة الغزو” نجحت جريدة “لومانيتي” في الحصول عليها ونشر شذرات منها.

أُطلق على هذا المشروع اسم «بيريكليس» (نسبة إلى القائد الآثيني الشهير 495-429 ق.م، رمز الديمقراطية والازدهار اليوناني). لكن مشروع “ستيران” يهدف في الواقع إلى محاربة الاشتراكية، والووكيزم، والإسلاموية، والهجرة. وقد جُندت أدوات إعلامية لترويج هذا المشروع مثل مجلتي “ليكسبريس” و”ماريان”، إضافة إلى تجنيد شبكات التواصل الاجتماعي وتدخل “المؤثرين” لنفث سموم الأخبار الزائفة. وتمثل الميزانية المخصصة لمحاربة الووكيزم وحدها 35% من إجمالي ميزانية المشروع البالغة 135 مليون يورو.

بدأت انطلاقة حركة الووكيزم فنياً بأغنية «Master Teacher» من أداء “إيريكا بادو”، حيث تكررت فيها كلمة «يقظة» (Stay Woke)، لتصبح لاحقاً شعاراً يردده الملايين في حقل الصراعات الاجتماعية، من حركة “Black Lives Matter” إلى حركة “Me Too” ومسيرات البيئة. وفي كل مرة، كانت تعني شكلاً من أشكال اليقظة والحذر الأخلاقي تجاه كافة أشكال الميز والتمييز.

على مستوى آخر، ارتبطت الووكية بممارسة “الاقتلاع”؛ أي إزالة الأنصبة التذكارية لشخصيات استعمارية أو عنصرية تحتل الميادين العامة، حيث تجندت “كوماندوهات” لاقتلاع هذه الصروح. لكن وبفضل الإمكانيات المادية الهائلة التي أغدقتها مؤسسات راعية، كان رد الفعل شرساً؛ سواء من “رون دو سانتيس” و”دونالد ترامب” في أمريكا، أو “فيكتور أوربان” في المجر، و”فلاديمير بوتين” في روسيا، وصولاً إلى “جان-ميشال بلانكيه” في فرنسا، وزير التعليم الذي شن حرباً على الباحثين بحجة أنهم خليط من «الإسلامويين-اليساريين».

يضاف إلى هذه الجوقة مثقفون مثل “آلان فينكلكروت” الذي اعتبر الووكيزم «تخريباً». وبفعل هذه الهجمات، جرت محاولة تصوير الووكيزم كـ “عنصرية مضادة”، واستُخدمت عبارة (Cancel Culture) أو “ثقافة الإلغاء” لوصف حالات مقاطعة الأشخاص بسبب تصريحاتهم. أصبح الووكيزم “الطلسم” الذي يستخدمه الإعلام والبحث الأكاديمي لترويج أفكار زائفة، وانتقلت العدوى إلى دور النشر الكبرى في فرنسا، حيث صدر خلال السنوات الخمس الماضية ما لا يقل عن ثلاثين كتاباً مناهضاً للووكية تحت ذريعة “البحث الميداني”، والمفارقة أن أغلبها جعل من “الضحية” (النساء، الأقليات الدينية أو الإثنية) معتدياً وخطراً يهدد المجتمع!

يعود المؤلف في دراسته إلى الجينالوجيا التاريخية، مبيناً أن الخوف من الووكية ليس مجرد استمرار لحملات “النزعة المحافظة الجديدة” ضد “الملائمة السياسية” (Politically Correct) التي بدأت قبل ثلاثين عاماً، بل يتجذر في حركة قديمة مؤسسة للحداثة الغربية. كما حلل خطاب اليسار الذي لا يخلو بدوره من توجه مناهض للووكية، كما في كتاب سوزان نايمان «اليسار لا يمارس الووك».

في الختام، يطالب الفيلسوف في هذا المشروع، بل يتبنى دون خوف، النزعة الووكية، باعتبارها نظيراً للتعددية، والإنسية، والحرية، بما تعنيه من رفع لقيمة الثقافة واجتثاث لجذور اللامساواة، والتحقير، والفاشية، والعنصرية، والتمييز الجنسي، والعنف العائلي.

شارك هذا الموضوع

المعطي قبّال

كاتب ومترجم مغربي - رئيس تحرير مساعد لموقع "السؤال الآن".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!