بدايات محلاّت الأنترنيت

بدايات محلاّت الأنترنيت

سعيد بوخليط

     لازالت ذاكرتي تردّد نفس الرّنين الذي أثارته منذ شتاء 1984 وأنا صغير داخل حجرات المدرسة الاعدادية، عبارتان سمعتهما صحبة زملائي التّلاميذ ظهيرة ذلك الزّمان البعيد. أخبرتنا أستاذة اللّغة العربية السيّدة زهرة؛ أو اللاّزهرة مثلما كنّا ندعوها، بما يلي:

– إسرائيل مجرّد كلب حراسة منطقة الشّرق الأوسط الاستراتيجية والغنيّة بالنّفط.

– يقال بأنّ اليابانيين بدأوا في تطوير جهاز لاسلكي يمكّن من التّواصل مع شخص ثان في مكان بعيد، وأنت تراه ويراك عبر شاشة مثل شاشة التّليفزيون. 

الإقرار الأوّل، لم يكن جليّا كفاية آنذاك كما اتّضح بعد سنوات، بحكم شحّ المعلومة بل ندرتها، ثمّ الفكرة الأيديولوجية السّائدة آنذاك في عزّ الحرب الباردة حيث صورت أمريكا باعتبارها قوّة عظمى محايدة تماما لاعلاقة لها بصراع المنطقة، بل تلعب دور الوساطة من أجل التّقريب بين وجهات نظر الفلسطينيين والإسرائيليين.

بينما الإشارة الثّانية المتعلّقة بالذّكاء الياباني، فقد كان وقعها على انتباه تلاميذ الفصل أكثر حدّة بل شرع بعضهم من هول غرابتها يبدي إيماءات السّخرية غمزا ولمزا من معلومة اللاّزهرة التي أحببناه واحترمناها لقدراتها المعرفية والتّربوية، فلم تستسغ إمكانيات خيالهم ربما حدوث شيء من هذا القبيل.

مضت تقريبا خمسة عشر سنة. أواسط التّسعينيات، أعاين دون سابق إنذار أمام عينيّ شخصا يتواصل عبر هاتف محمول، في شكل وحجم قارورة صغيرة.

مع بداية الألفية الثّالثة، اتّخذت التّطوّرات وتيرة انقلابية نتيجة طفرة السّيبرانية والإيميلات، وبدأ مفهوم الهاتف المحمول يشقّ طريقه ثم انتشرت موضة محلاّت الأنترنيت.

أخيرا، بدت ملموسة حقيقة الحكاية التي روتها الأستاذة قبل أكثر من عقد صحيحة وملموسة وعاينتُ نبوءتها فعلا على أرض الواقع، لكن بدل وجهة روح ما بعد حداثة اليابان، أخذت عندنا الرّقمنة سبيل أفق مختلٍّ، عكس روحها الأصلية، كي ننتهي إلى مجتمع الفرجة الشّمولي بلا خصوصيات ولاحرّيات ولاجوهر إنساني، حيث يوميات تلصّص الجميع عبثا على الجميع.

كان عبد الرحمن من أوائل الشّباب المراكشي، الذي فتح دكّانا صغيرا للأنترنيت أو بالأحرى حوّل مرآبا صغيرا لسيارة والده المدرّس المتقاعد، من تيليبوتيك أو كشك للاتّصال الهاتفي ؛ الموضة التي اجتاحت بدورها المدينة قبل زحف الأنترنيت بزمن قصير.

بخصوص تاريخ الهاتف، أذكر قبل انسياب صيحات التّكنولوجية الجديدة، مع انعدم جهاز الهاتف الثّابت كما الحال مع التّلفاز سوى داخل منازل بعض الأسر الميسورة، لذلك اقتضى مطلب جراء مكالمة هاتفية تحت داعي الضّرورة القصوى وإلاّ فالرّسالة البريدية تقوم بالدّور المطلوب على الوجه الأكمل، الذّهاب إلى مكتب بريدي والانتظار ضمن صفوف المنتظرين على امتداد طابور، وحين بلوغكَ موقع الموظّف، تقدّم له الرّقم المعنيّ كي يعمل على تركيبه واحتمال التّواصل مع المتلقّي من عدمه. سعي يكلّف مادّيا ويستنزف زمنيا.

عموما، اقتنى عبد الرحمن حواسيب ومختلف الإكسسوارات اللاّزمة لمشروعه، وبدأ يدرس الإعلاميات في مدرسة خاصّة.

داخل محلّه، تعلّمت أولى أدبيات بعض جوانب ممكنات ولوج هذا العالم السّحري الجديد الذي أخبرتنا به اللاّزهرة منذ الثّمانينيات ولم يكترث التّلاميذ قط لخزعبلاتها حسب تعبيراتهم الضّمنية. عشتُ وأنا أنشئ بانذهال عنوانا إليكترونيا عبر بوّابة شفرة رمزية، ضمن محرّك المنظومة العتيقة الشهيرة”كراميل”، انتقالا غير مسبوق من كوجيطو إلى آخر مختلف جذريا، انتقلت معه وجوديا من ثنائية الواقع والممكن حسب وصاية الزّمان الكلاسيكي الى مجرد يسر لعبة نَزَوية للمسة أصابع.

كانت اللّعبة في البداية مدهشة وممتعة ومغرية،تطلّع الماسك بلوحة المفاتيح على عوالم أخرى لامتناهية،غير الاحداثيات الكلاسيكية ذات الأبعاد الثلاثة المألوفة، لكن مع المنعرجات المرعبة التي بلغها اللّوغوس الرّقمي حقيقة في غضون عقدين متجاوزا كثيرا بوصلة دهشة البداية، يجعلني شخصيا أتحسّر جدّا على الوضع الحالي للانحدار الغرائزي المهول والفظيع الذي بلغته الإنسانية، ويسكنني ضدّا على الوضع الحالي حنين إلى عمق هدوء المرحلة السّابقة عن انقلاب الألفية الثّالثة.  

كنت أسرع حين مغادرتي العمل مساء وجهة محلّ عبد الرحمن. زبائن ينتظرون واقفين، يترقّبون بمنتهى صبرهم الجالسين أمام الحواسيب. تحدّد معدّل التّسعيرة بخمس وعشرين درهما لساعة واحدة، ثم اشتدّ زخم الإيقاع وازداد الاقبال أكثر حينما أثرى ملحقات الأجهزة بكاميرات من النّوع الجيّد، هكذا بدت الحواسيب مفعمة بالحياة تكتنفها جاذبية مختلفة. أضحى صعبا الظّفر بسهولة بمقعد من أجل دردشة سخيّة لاسيما وقت الذّروة ساعات المساء، بحيث يتحوّل المكان على صغر مساحته إلى مهرجان صاخب للسّمعي البصري، فهناك من يدردش بصوت مرتفع، وآخر يستمع إلى مقطوعات موسيقية، بينما يشاهد شخص ثالث فيلما أو برامج وثائقية أو مباراة رياضية… مجتمع صغير يعكس بكيفية ما تصرّفات وسلوكات مايجري خارجيا، بينما يمشي عبد الرحمن دون كلل بين الجالسين قصد الاهتمام بمطالبهم : هذا يريد أنترنيت أسرع، وآخر يضجره ويعكّر صفو تواصله اضطراب جهاز الكاميرا والتّشويش على صفاء الصّورة، بينما توقّفت حركة الجهاز عند زبون آخر…

    يحاول عبد الرحمن قدر المستطاع إرضاء طلبات زبنائه وإصلاح مايمكن إصلاحه، لكن أحيانا يتجاوزه الوضع ويغضب وقد ينخرط في شجارات تفقده صوابه، لاسيما وأنّ الثّقافة السيبرانية لازالت آنذاك في بدايتها ولم يتم بعد الاستئناس بآليات المنظومة الجديدة وحيثياتها.  

بعد مضيّ فترة قصيرة ودون سابق انذار، تفاجأ المرتادون بلوحة علّقها عبد الرحمن في واجهة المحلّ تضمّنت الإعلان التّالي:

”مرحبا بكم دائما، لكن يحظر حظرا مشاهدة الأفلام الإباحية أو الدّردشة الخادشة للحياء بصوت مرتفع، لاسيما بين الشّابّات والشّيوخ العرب أو بين المراهقين والمسنّات الأوربّيات”.

بدت الصّيغة الجازمة أقرب إلى نبرة قوانين حمورابي، مباغتا وصادما لكنّه ضمن سياق متوقّع بعد تراكم حوادث ظلّت بسيطة قياسا لما وقع عشية كتابته التّحذير الصّارم، فقد باغث طفلا صغيرا جامدا بشتّى جوارحه وحواسّه أمام شاشة الحاسوب يتابع مقاطع إباحية فجّة.أمّا الواقعة الثّانية،فقد حضر أب في غاية الغضب وجرّ ابنته من خصلات شعرها وأخرجها بقسوة شديدة من فضاء الأنترنيت أمام دهشة الحاضرين، حينما اكتشف بعد وشايات أحاديثها المريبة اليومية مع أحد  الخليجيين، كما وجّه جملة شتائم قاذعة إلى عبد الرحمن ويتّهمه بأنّه أتى بأجهزة شيطانية تفسد أخلاق اليافعين.  

أضحى عبد الرحمن بين مطرقة ضرورة إنجاح مشروعه لاسيما وأنّه استلف قرضا من البنك وتنتظره أقساط شهرية،ثمّ سندان إرضاء الزّبناء وفي نفس الوقت الحفاظ على سمعته داخل الحيّ، ولاأعرف حقيقة مآلات طبيعة الاختيار الذي استعان به كمخرج من ضيّق تلك المعادلة الصّعبة.

منذ سنوات مررت صدفة من عين المكان، قادني شغف الحنين لإعادة اكتشاف مافعلته الأقدار ومشيئة الحياة بمحلّ الأنترنيت وصاحبه فوجدته قد انقلب إلى دكّان جزارة، وصاحبه شخص ثان غير صديقي عبد الرحمن الذي هاجر إلى الضفّة الأخرى صحبة أوروبّية تعرّف عليها بفضل دردشات الماسنجر مثلما فعل كثير من الشّباب خلال تلك الفترة.        

شارك هذا الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!