جماليات الاغتراب وأهواء الانكسار في الرواية النسائية المغربية

جماليات الاغتراب وأهواء الانكسار في الرواية النسائية المغربية

متابعات:

     احتضن فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير ببرشيد المحطة الثانية من أشغال الندوة الوطنية الموسومة بـ «الرواية النسائية المغربية بلغات العالم» التي ينظمها مختبر السرديات والخطابات الثقافية بكلية الآداب بنمسيك بتنسيق مع مؤسسة الأعمال الاجتماعية، عين الشق الدار البيضاء، وفرقة البحث في التمثلات والممارسات اللغوية والتكنولوجية والاجتماعية بالمدرسة العليا للأساتذة، تطوان، والجمعية المغربية لخدمة اللغة العربية، المكتب المركزي، وجمعية تياترو الهدهد ببرشيد، وذلك يوم السبت 7فبراير 2026. قدم فيها ثلّة من الباحثين والباحثات من جامعات ومؤسسات أكاديمية مغربية مختلفة، قراءات نقدية للروايات النسائية بمفاهيم ومناهج ومقاربات نقدية متنوّعة، بحضور مهتمين ومبدعين ومبدعات أسهموا في إغناء النقاش حول موضوع الندوة.

افتتحت الجلسة الافتتاحية بكلمة مسير اللقاء الأستاذ ناصر ليديم، أوضح فيها السياق الثقافي لهذا اللقاء النقدي وخريطتُه المعرفية، وكشف عن مسارات الاشتغال النقدي لدى المتدخلين، ثم أعطى الكلمة للأستاذ نصر الدين عفيف رئيس جمعية تياترو الهدهد الذي قدم الشكر والامتنان لمختبر السرديات والخطابات الثقافية، تقديرا لجهوده العلمية الرصينة ومساعيه الحثيثة في خدمة البحث النقدي والإبداع المغربي والثقافة الجادة، وأشاد بانفتاحه على الهوامش والأطراف، وإقباله على التنسيق والتعاون مع إطارات المجتمع المدني المختلفة.  

استهلت الندوة بتقديم الباحثة من جامعة الحسن الأول بسطات حليمة وازيدي لورقتها المعنونة ب”سيميائيات الانكسار: “عندما يبكي الرجال” لوفاء مليح. أكدت فيها على أدوار كل من هوى الحزن وهوى الحب في إنتاج الخطاب الروائي للمتن الروائي المدروس، مستندة إلى سيميائية الأهواء باعتبارها فرعا من السيميائيات العامة. إذ يشكل هوى الحزن لدى الذوات الهاوية ثنائية الحياة والموت، وقد انتظم عبر مراحل الخطاطة الاستهوائية المقننة. أما هوى الحب فقد ارتبط ارتباطا وثيقا بهوى الحزن، وقد كان فاعلا في إنتاج الدلالة، إذ انكسرت الذوات الهاوية في ظل واقع المثقف المرير.

أما المداخلة الثانية فوسمتها الباحثة مليكة حاتم بالأنوثة وصراع الوجود في رواية “امرأة على أجنحة الرغبة” لسلمى بوصوف. ركزت المتدخلة على توثيق العناصر السردية المميزة للرواية، بدءا بالثيمات النفسية والاجتماعية المطروحة، مرورا بتأويل الرمزيات الحافلة بالنضال وسؤال الكينونة، ووصولا إلى قراءة خطاب الأنوثة في الرواية، بوصفه تحررا من أغلال الواقع ومحاولة سيزيفية للتحرر من الضرورة.   

وقدمت الباحثة سارة بنزعيمة ورقتها المعنونة بـ”فضاء المدينة المغربية في الرواية النسائية” في رواية “أنا النقطة” للروائية “أسماء غريب”، ركزت فيها على تتبع تجليات الفضاء المغربي في هذه الرواية عبر الكشف عن أبعاده وأشكاله وتحديد كينونته التي يتميز بها، والتي تضمن له التميز والانفراد، بوصفه أهم مكونات البناء السردي. وقد عمدت الدراسة إلى تصنيف أنواع الأفضية داخل الرواية، ثم استجلاء أهم التقابلات، كالفضاء الجغرافي الواقعي والمتخيل، المغلق ثم المفتوح، والضيق والواسع، والداخل والخارج، مما أثر في سيرورة السرد، متحولا من مجرد سرد حكاية إلى وثيقة جمالية وفكرية تؤرخ لهوية مغربية خاصة.

تلا هذه القراءة تقديم الباحثة إيمان بنييجة لورقة موسومة ب”قلم المرأة صوت للقضايا الاجتماعية والإنسانية، قراءة في “الشمس للتعرف الظلام” لسناء راكيع، حيث  كشفت المتدخلة عن القضايا الاجتماعية والإنسانية التي يطرحها المتن المدروس استنادا إلى محورين اثنين؛ أولهما: يتعلق بقضية المرأة وما تستدعيه في علاقتها بالوظيفة والزواج والطلاق والأبناء، وثانيهما: يتعلق بقضية التكفل التي تطرحها الرواية بوصفها تلبية لحاجات عاطفية من جهة المتكفِّل، ولحاجات مادية من جهة المتكفَّل به، وما يرتبط بها من علاقة بين الطرفين.

وعنون الباحث كريم بلاد القادم من جامعة ابن زهر بأكادير مداخلته ب”خطاب النفس في الرواية النسائية المغربية، رجل اسمه الرغبة، اعترافات دون جوان لعائشة البصري نموذجا”، بدأها بتقديم صورة دون جوان النفسية وأشكال حضوره في المتون السردية العالمية، كاشفا تجليات الخطاب النفسي في الرواية، بالنظر إلى رسوخ هذه الشخصية في الأدب العالمي، وقيام وجودها على بعدين اثنين، هما: الحب والجنس، وهما بعدان أقرب ما يكونان إلى النفس من غيرها. كما وضح أوجه الائتلاف والاختلاف بين صورة دون جوان في الأدب العالمي وفي الرواية النسائية المغربية.

وحاول الباحث أمين قزدار في ورقة نقدية موسومة ب”محكي الاغتراب في الرواية النسائية المغربية. بنات الراندي لزوليخا موساوي الأخضري نموذجا” استجلاء صور الاغتراب، وفق مقاربة نفسية، في الفلسفة والسرد العالميين، ليعمد بعد ذلك إلى تحليل سيكولوجية الشخصيات البارزة في المتن المدروس، في علاقتها بالفضاء، مع الوقوف عند رمزية الرحيل، ومضمرات الاغتراب في الرواية بوصفه أيضا فعلا رمزيًا، وفعلا أوديبيا مؤجلا، وبحثا سيزيفيا عن الذات المفقودة. وخلص البحث إلى أن صورة المدينة لم تُقدَّم بوصفها مجالا للخلاص، بل باعتبارها فضاء للاغتراب، تتماهى فيه حركة الجسد مع اضطراب النفس، ويتكاثف فيها الخوف بوصفه شعورا وجوديا ملازما للإنسان المعاصر.

الورقة الأخيرة في هذا اللقاء للباحثة سارة الأحمر”الذات الكاتبة بين الفناء والبقاء: تمزقات الهوية وأزمة الكتابة في رواية “الغول الذي يلتهم نفسه” للزهرة رميج. وقد أشارت فيها إلى الأسئلة الفلسفية والجمالية التي تحفل بها رواية الزهرة رميج المدروسة، كاشفة عن أصالة الذات المبدعة، الممزقة بين الرغبة في البقاء والخلود بواسطة فعل الكتابة، وبين الشعور بالعبثية واللاجدوى، وهشاشة الواقع الذي يُهدد بالفناء وتلاشي القيم والوشائج الإنسانية، وذلك عبر الكشف عن تمثلات الذات الكاتبة، وتوترها الدائم بين الفناء والبقاء، بين الوجود والعدم، وبين انشطار الهوية وأزمة الكتابة. 

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!