طاولة الغبيري.. قهوة وغياب

طاولة الغبيري.. قهوة وغياب

  علي نجيب العطار

       أتى النَّاعي ثقيلًا. كمِثلِ هذه الأيَّام، أو أثقل. موتٌ على موتٍ، ودمعٌ على دمعٍ هي الحياةُ في هذا العالَم!

رغمَ أيَّام العمَل التي جمعتنا؛ رغمَ السَّاعاتِ الطِّوالِ في مكتب «أمم» في الغبيري؛ رغمَ السِّنين الطويلة التي حكاها لي على تلكَ الطَّاولةِ وفي ذلك المكتب الذي سيغدو الدُّخولُ إليه مرَّةً أُخرى مهمَّةً شاقَّةً عليَّ. رغمَ كُلِّ هذا، لا أعرفُ كيف أنعيه إلى نفسي، وإلى مُحبِّيه. ورغمًا عنِّي، أجدُني مشدودًا إلى نعيِه. كأنِّي أكتبُ إليه، لا عنه. أكتبُ إليه للمرَّةِ الأخيرة. أنعيه، وأنعي بعضًا منِّي. بعضًا من كياني؛ بعضًا منَ النَّفسِ المحبوسةِ في جسدي. تلكَ النَّفسُ التوَّاقةُ للرَّحيل من هذا العالَم، ويزدادُ شوقُها مع كُلِّ نعيٍ.

آخرُ ما اعتدتُ أن أُناديه به كانت كلمة «كَبيرنا». ربَّما، كنتُ أناديه هكذا هربًا من أن أقولَ له «صديقي». اِحترامًا لفارقِ العُمر بيني وبينَه؛ اِحترامًا لحوالي أربعين سنةٍ يكبرُني بها. لم أخشَ ذلكَ النَّوعُ منَ الهرب؛ الهربَ خجلًا. لم أكنْ أخافُ أن يُخفِّفَ هذا الهربُ من صداقتنا، فقد كان يقولُها لي هو. أنِّي «صديقُه». كِلانا لم يلتفِتْ لهذه اللَّحظةِ، ولهذا السُّؤال: كيف للمرء أن يرثي صديقه؟ كيف ينعيه؟ وماذا يَنعي منه؟ سأتركُ له أنْ يُجيبَني عن هذا السُّؤالِ يومَ أعودُ وألتقيه، هُناك! حيثُ السَّلامُ الذي كان يَنشدُه ويَرجوه.

لا أستطيعُ أن أنزعَ من مُخيِّلَتي تلكَ الأيَّام. «بُكرا الصُّبح شو عندَك؟». كُنتُ أعرفُ أنَّ هذا السُّؤال هو ما سأسمعُه منه في اتِّصالِه الصَّباحيِّ، بعدَ أن يُناديني بلقبٍ كانَ من أحبِّ الألقاب إليِّ: «أبو النُّجُبْ». وأظنُّ أنَّه كان يعرفُ أنِّي سأقول: «ما شي» وأنتظرُ دعوتَه: «أنا بُكرا بالمَكتب، مُرْ نِشرب قهوة». لم أكُنْ أُخبرُه أنِّي أتركُ مُحاضراتي في الجامعة في ذلك اليوم وأذهبُ إلى «المكتب». كان ذلكَ سيُزعجُه. الآن أعترفُ له بذلك؛ الآنَ صِرنا في مأمَن. هُناكَ لن ينزعجَ من خبرٍ كهذا عندَ الصُّبح. هُناكَ سيضحكُ من ذلك. هُناكَ حيثُ لا حُزنَ ولا عِتاب.

أوَّلُ دخولي إلى «المكتب» كنتُ أراهُ من بابِه المفتوح، فأُسلِّمُ على الحاضرين وأدخلُ إليه. أضحكُ ويضحكُ. يُتابعُ عملًا له على اللَّابتوب. أصبُّ قهوةً تكونُ جاهزةً أحيانًا. ومرَّةً، أو اثنتَيْن، كان يقولُ لي أنْ أصنعَها بنفسي. نشربُ القهوة ونُدخِّن. لا يفوتُه في كُلِّ مرَّةٍ التَّعليقُ على دُخَّاني حين أعرضُ عليه أنْ يُدخِّنَ منه. كنتُ أعرضُ عليه من دُخَّاني كي أسمعَ تعليقَه. شقاوة فقط. ومع كُلِّ فنجانٍ جديدٍ كنَّا ندخلُ إلى قصَّةٍ جديدةٍ من قصصِ الحرب الأهليَّة. وكُلَّما احترقتْ سيجارةٌ نكونُ قد أحرقنا صفحةً من صفحاتِ تجربتِه فيُطفِئها بالنَّقدِ مرَّةً وبالصَّمتِ مرَّة. ومرَّةً ختمَها بدمعة. صمتُ حينَ بكى، لكنِّي شعرتُ بغبطةٍ أخفيتُها عنه. غبطةَ شابٍّ أبكى مُحاربًا. وفي كُلِّ جلسةٍ، كنتُ أُجدِّدُ عليه دعوتي. أن يكتبَ سيرتَه. أن يُمليها عليَّ وأكتبَها له. كان يضحكُ في كُلِّ مرَّةٍ. ذاتَ مرَّةٍ أصرَّيتُ عليه، فقال لي أنهي دراستكَ في الجامعة ونكتبُها. لم أزلْ أنتظرُ أن أسمعَ منه «بُكرا الصُّبح شو عندَك؟». وأخافُ أن أقومَ ذاتَ صباحٍ وأتَّصلَ به لأسألَه: «بالمكتب اليوم؟».

لم أُنهِ دراستي بعدُ. وحينَ أُنهيها لن أجدَ مَنْ يُملي عليَّ. أحمد مطر، «كبيرنا»، لن يُمليها عليَّ. الخسارة كبيرةٌ ولا عزاء. لا عزاءَ لي إلا بأنَّ آخرَ الفراقِ «هُنا» لقاءٌ «هُناك».

حينَ تنتهي هذه الحربُ، سأعودُ إلى «المكتب». سأدخلُه. لن يكونَ حاضرًا هُناك. لكنِّي سأراه. لن أدخلَ إليه من بابِه المفتوح، لكنِّي سأدخلُ ضاحكًا. ضاحكًا له. وبعدَ دمعةٍ، أو دمعتَيْن، سأقولُ له بلُغةٍ لا يفهمُها سِوانا: شُكرًا على أربعِ سنواتٍ من الاحتضانِ والحُبِّ والصَّداقة. ما تُلِيَ عليَّ سيكونُ حيثُ تُحبُّ له أن يكون. وحينَها، لن أهربَ خجلًا من القول له إلى اللِّقاء يا «صديقي»!

شارك هذا الموضوع

نجيب علي العطار

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!