فصل الكلام ما بين القول والفعل عند بعض الأنام (4-5)
المختار عنقا الادريسي
حين ينفلت العقل من عهد القول وعقاله… تأمل في صدق المعنى وأقنعة السلوك
عتبة مدخلية: من التكيف إلى التصدع… حين تنكشف كلفة العيش مع التناقض
إذا كان التكيف يُتيح للإنسان أن يُدبّر أمور تناقضه مع الواقع، وأن يُخفف من حدة الصراع بين ما يقوله وما هو فاعله، فإن هذا النجاح الظاهري الهش لا يخلو من كلفة خفية. فالتكيف حين يتحول من استجابة ظرفية مفروضة إلى نمط دائم -بهدف التستر- لا يُنهي التناقض، بل يعيد توطينه في العمق؛ تملصاً وهروباً من واقع معيش، حيث لا يعود ظاهراً في السلوك فقط، بل متجذراً في بنية الذات. وهنا يغادر -المعني بالأمر- مستوى الممارسة الخارجية، ليلج مستوى أدقّ: مستوى الأثر الداخلي لذاك الانفصال. إذ لم يعد السؤال محدداً في: كيف ندبّر التناقض؟ بل ماذا يفعل هذا التناقض بنا؟
فبين التكيف والتصدع خيط رفيع لا يُرى بسهولة. فما ننجح في التعايش معه خارجياً، قد نبدأ في دفع ثمنه داخلياً. ومن هنا بالضبط، نقترب من لحظة مكاشفة أكثر عمقاً؛ فلا يعود الأمر متعلقاً بصورة الإنسان في العالم، بل بعلاقته بذاته… حين تبدأ هذه العلاقة في الاهتزاز بصمت قاتل.
النافذة الرابعة هشاشة الانسجام الداخلي… حين تتصدّع الذات بصمت
حين يعتاد الإنسان خاصية التكيف مع التناقض، قد يبدو في الظاهر وكأنه متوازنٌ، قادرٌ على تدبير علاقاته وخياراته، لكن هذا التوازن الظاهري يُخفي في الكثير من الأحيان هشاشة داخلية لا تُرى بالعين، بل تُحس في عمق التجربة. فكل انفصال متكرر بين القول والفعل، يترك أثراً خفياً في نسيج الذات، حتى وإن لم يُعلن عن نفسه فوراً. فالانسجام الداخلي ليس معطى جاهزاً، بل هو بناء دقيق، يتأسس على قدر من التطابق بين ما نؤمن به وما نعيشه. وحين يختلُّ هذا التطابق، لا ينهار البناء دفعة واحدة، بل يتصدع تدريجياً عبر شقوق صغيرة تتراكم بصمت مطبق.
وفي هذا السياق يحضرني ما كان قد أشار إليه “محمد عزيز الحبابي” في تصوره للشخصانية الواقعية، حيث اعتبر أن الإنسان لا يتحقق إلا بما ينسجم مع ذاته، وأن هذا الانسجام شرط للكرامة الإنسانية. فالإنسان في عمقه ليس مجرد كائن يتكيف، بل كائن يسعى إلى أن يكون “شخصاً”، أي وحدة متماسكة بين الفكر والسلوك. 【الشخص هو ذاك الذي يحقق ذاته في أفعاله، لا في أقواله فقط】. ولعل ما يجعل ذاك التصدّع أكثر خطورة هو طابعه الصامت؛ فالإنسان قد لا يُصرِّح بقلقه، وقد لا يعترف بفقدان توازنه، لكنه يشعر -في لحظات صفاء نادرة- بنوع من الغربة عن نفسه، كأنه لم يعد يطابق صورته الداخلية.
وهنا لا يتجلى الانفصال في المواقف الكبرى فقط، بل حتى في التفاصيل الصغيرة: في وعد لم يُنجز… موقف لم يُتخذ… كلمة قيلت دون أن تُعاش. ومع تكرار هذه التفاصيل يتشكل إحساس خافت بأن هناك شيئاً ما لم يعد في مكانه. وهو ما عبر عنه “عبد الكريم الخطيبي” في حديثه عن التمزق بقوله: 【الهوية ليست تعدداً فقط، بل قدرة على جمع كل التعدد في انسجام تام】. فالإنسان قد يحمل وجوهاً متعددة، لكن الخطر لا يكمن في تعددها، بل في فقدان المركز الذي يوحِّد تلك الوجوه. فهشاشة الانسجام الداخلي لا تعني انهيار الذات، بل تعني بداية فقدانها لتماسكها. وهي حالة لا تقاس بالظاهر، بل تُدرك من خلال ذلك الشعور الغامض بعدم الاكتمال، بعدم الرضا رغم كل مظاهر النجاح الخارجي. وهنا يعود السؤال أكثر إلحاحاً وصدقاً، ويصاغ على الشكل التالي:
- كيف نحافظ على وحدتنا الداخلية في عالم يُغري بالتجزئة؟
- كيف نستعيد ذلك الخيط الرفيع الذي يصل بين ما نقول وما نكون؟
ولعل بداية الجواب تكمن في الاعتراف، لا بالكمال بل بالفجوة… لأن ما نُدركه يمكن أن نعمل على ترميمه، أما ما نُخفيه، فإنه يواصل التصدّع في صمت.
