“كان 2025”: حين يطمحُ خيالُ كرة القدم لأن يصير سرديةً وطنية
د. محمد لشقر
♦ منذ بضع سنوات، يسعى المغرب إلى توسيع إمبراطورية كرة القدم، وجعل الساحرة المستديرة المستودع الأمين لسردية وطنية، وأداةً دبلوماسية، ولما لا، تمهيداً حضارياً. وتعد الملاعب الجديدة أو المرممة التي تنتصب في أنحاء البلاد إحدى أكثر العلامات وضوحاً على ذلك ، فهي تجسيدٌ لطموح أوسع، يلتقي فيه فنُّ المعماري برؤيةِ المدير الفني♦
سادت الأسابيع التي سبقت كأس الأمم الأفريقية “الكان” أجواء استثنائية، مزيج من اليقين الرياضي وصناعة المحتوى الممنهجة (Storytelling) لم يجرؤ أحد على الجزم بأن النصر مضمون – فآثرنا التواضع خلف الألفاظ الملطفة – لكننا تحدثنا عن “الديناميكية”، و”القدر”، و”الموعد مع التاريخ”. أما ما تبقى، فلم يكن سوى تفاصيل تقنية وإخراجية. وعلى مدار شهر كامل، تحولت المقاهي والصالونات إلى منصات خطابية مرتجلة، وتعددت البرامج الخاصة، وانحصرت المحادثات في ممر وحيد: “كيف نفوز؟”. بدا وكأن البلاد تتنفس على إيقاع الرزنامة الرياضية، كما لو أن الحياة العادية وافقت، وبشكل مؤقت، على إرجاء قضاياها الملحة.
لقد أُقيم الاحتفال بالفعل، ويجب الاعتراف بذلك: كانت هناك ليالٍ صاخبة، وأصوات أبواق سيارات، وعناق، وتلك الغبطة التي لا تنتمي إلا لكرة القدم حين نضفي عليها صبغةً كونية. لكن ما تلا ذلك لم يتطابق مع السيناريو الضمني، فالنصر الذي كدنا نلمحه في الأفق، اتخذ في النهاية اتجاهاً آخر. المشهد معروف: ضربة جزاء سيئة الحظ، صمت جليدي، عيون مغرورقة بالدموع، وفجأة، طار الكأس نحو “دكار”. من الناحية الرياضية، لا يوجد ما يثير الاستهجان، فكرة القدم تهوى إرباك المخططين. لكن الخيبة كانت ملموسة، ليس بسبب الهزيمة في حد ذاتها، بل بسبب وهم “الحتمية” الذي سبقه. ففي الواقع شحنة من “عكر المزاج” أحياناً.
الآن، وبعد أن أصبحت “كان 2025” وراءنا، بات من الممكن طرح أسئلة بسيطة، تكاد تكون ساذجة: ما الفائدة الجوهرية من كأس الأمم الأفريقية؟ هل هي رافعة لتنمية البلاد؟ أم استثمار دبلوماسي متخفٍ في زي حدث رياضي؟ واجهة سياحية؟ أم أنها أداة سياسية في الهواء الطلق، لا تُقاس فاعليتها بالأهداف المسجلة بقدر ما تُقاس بساعات البث؟ لا أحد ينكر أن الرياضة توحد الشعوب، لكنها تجيد أيضاً طلاء أسطح الأشياء، واحتلال المساحة الرمزية لدرجة تهميش كل ما لا يتناسب مع أجواء الاحتفال.
من السهل جداً اختزال “الكان” في مجرد عرض أو مناورة ، فقد كانت لحظة فرح، وتواصل، وفخر. لكنها تركت خلفها أيضاً حزمة من الأسئلة التي تتجاوز الـ 90 دقيقة: مكانة الرياضة في السردية الوطنية؟ العلاقة الهشة بين الإعلام والسلطة؟ الشفافية المالية؟ المعنى الممنوح للأولويات العامة؟… يمكننا أن نحب كرة القدم، بل ونحب أوهامها أيضاً، لكن ذلك لا يمنعنا من ملاحظة أن أي حدث، مهما كان ساطعاً، لا يحل تطلعات المواطنين ولا حالات الطوارئ الاجتماعية. المسألة لا تتعلق بإدانة الاحتفال ولا بتعكير بريقه، بل ببساطة بالتذكير – بشيء من السخرية – بأن البلاد لا تُحكم بتسجيل الأهداف، وأن مباراة واحدة، مهما بلغت شدتها، لم تكن يوماً بديلاً لمشروع جماعي مستدام.
