لبنان في عين العاصفة.. بين مطرقة الاحتلال وسندان الوصاية

لبنان في عين العاصفة.. بين مطرقة الاحتلال وسندان الوصاية

  حنّا صالح

1

 انتهى الشهر الأول على بدء حرب إيران. المارينز قادمون والأهداف البر الإيراني بدءاً من الجزر التي تتحكم بمضيق هرمز، وجزيرة خارق، جزيرة الكنز الإيراني، التي عبرها تصدر إيران 90% من نفطها. وتوازياً يتسع بنك الأهداف الأميركية الإسرائيلية، إذ تتركز الضربات المدمرة على البنية الصناعية والمرافق التحتية للدولة مع تحييد – حتى تاريخه – لبنية الطاقة.. تشتد الضربات وترمب يشير دوماً إلى طاولة المفاوضات طارحاً شروط استسلام ترفضها طهران التي تراهن على إطالة أمد الحرب التي بدأت تخنق الاقتصاد العالمي.

2

رغم التراجع النسبي في الضربات الإيرانية التي تستهدف إسرائيل، فإن نوعية الصواريخ تحقق إصابات واسعة وتحدث خسائر جدية.. لكن العدوان الإيراني على دول الخليج آخذ بالاتساع، فأكثر من 75% من الصواريخ والمسيرات تستهدف 6 دول خليجية وكذلك الأردن، وبدأ الاستهداف يطال بنى الطاقة وصناعة تحلية المياه وسواها.. وأدخلت طهران وعصابات الحشد الشعبي، أربيل في مخططها الإجرامي، مع تعريض الإقليم لموجات من القصف وتركيز لافت في استهداف القيادات الكردية.. إنه انزلاق بالغ الخطورة لأنه وضع كل منشآت الحشد الشعبي ضمن بنك الأهداف الأميركية.

3

 دول المجموعة الرباعية (باكستان، السعودية، مصر وتركيا) التي تلقت الدعم الصريح من الصين، عقدت اجتماعها الثاني في إسلام آباد لإعادة تحريك آلية التواصل الأميركي الإيراني، وتهدف إلى خلق مناخٍ مؤاتٍ للجلوس على طاولة المفاوضات.. وتوازياً يتقدم البحث ببلورة خطى دفاع مشترك بين أطرافها.. وفي الإعلام حديث عن مشروع ناتو يجمع هذه القوى المؤثرة في الإقليم.

4

 الحرب الإيرانية الإسرائيلية على لبنان دخلت منعطفاً جديداً. طهران التي قررت، ونجحت عبر وكيلها، بزج لبنان في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، تحدت قرار الحكومة اللبنانية، وأبقت الشيباني السفير الذي سُحبت أوراق اعتماده، حبيس سفارتها ممنوعاً من أي صلة أو ممارسة دبلوماسية، مطلوباً توقيفه وترحيله، مثله مثل أي من ضباط حرسها الثوري. هنا يقال إن بقاء الشيباني تم بطلب من الميليشيا التابعة لإيران وكذلك نبيه بري. لكن ما لفت الانتباه تمثل بصدور بيان عن مكتب إعلام بري جاء فيه أن رئيس الحركة “لم يدلِ بأي موقفٍ أو تصريح، وكل ما يجري تداوله عن لسانه عارٍ عن الصحة جملة وتفصيلاً“!

في السياق مدمرةٌ الحرب الإيرانية الإسرائيلية على لبنان، وقد أفضحت الرعونة الإيرانية وامتثال ميليشياتها لهذه الجريمة بتمكين العدو من وضع كل لبنان تحت وطأة عقاب جماعي مع إنزال أضخم هزيمة بالبلد، تحاكي ما جرى في غزة. تمثلت بعودة الاحتلال، مرفقاً بإبادة الحجر والبشر في كل جنوب الليطاني مع أخطر وأوسع اقتلاع قسري تجاوز المليون مواطن من جنوب الليطاني وشماله والضاحية.. والخطير بالأمر أن كل الأداء من جانب طهران كما وكيلها، حزب الله، الذي يتسبب بتدمير البلد ثأراً للخامنئي، يعتبر ما نزل بلبنان مجرد أضرارٍ جانبية.

على الأرض ورغم سيل البيانات الحربية وتكرار مهازل غزة بالحديث عن “الالتحام” و”المواجهة من نقطة صفر”، بلغت قوات الاحتلال نهر الليطاني في بعض النقاط. فيما القوات الإسرائيلية التي عبرت من الجولان عبر هضاب جبل الشيخ باتجاه العرقوب، باتت تقطع البقاع الغربي عن الجنوب، وقد أنجزت وصل مواقع الاحتلال في الجنوب السوري بالجنوب اللبناني.. ومع إقامة العدو نقاطاً متقدمة في البياضة على البحر، يبدو التوغل الإسرائيلي قد تجاوز في بعض المناطق عمق الـ 14 كلم ما يعني أن أكثر من 12% من مساحة لبنان هي اليوم تحت الاحتلال المباشر فيما كل لبنان مستباح!

ما هو حاصل على الأرض حذر منه أشقاء لبنان وأصدقاؤه. مصر نقلت أجواء تشاؤمية وفرنسا أبلغت بيروت أنها لم تستطع معرفة المدى الذي ستبلغه العمليات الإسرائيلية لا زمنياً ولا لجهة التوغل في الأراضي اللبنانية. والعدو الإسرائيلي يعلن جهاراً نهاراً أن لا انسحاب قبل “استكمال المهمة” أي نزع سلاح حزب الله. والسؤال ما العمل؟ السؤال مطروح على السلطة رئاسة وحكومة وهي المعنية باستعادة السيادة وصون الأرواح ورفع الضيم عن اللبنانيين، وتعرف أن المنطلق لكل ذلك جيش واحد وقرار واحد، فالتعامي عن مخططات الدويلة وعن الدور الإيراني منذ بداية الولاية الجديدة أخذ لبنان إلى التهلكة، والاكتفاء بالحديث عن التفاوض المباشر مع العدو والتمسك بالمبادرة الرئاسية لم يعد ذا جدوى. وهنا لا يجدر بالمسؤولين اللبنانيين أن يتجاهلوا وضوح تصريحات السفير الأميركي من بكركي قبل 10 أيام، عندما قال: “نعرف القدرات الموجودة وننتظر خطوات(..)”.

يعني تحول الحكومة إلى لجنة إغاثة، أمر مهم للنازحين الذين فقدوا كل شيء، لكنه غير كافٍ للبلد لا سيما وأنه لتاريخه لم يتم ردم الفجوة بين القرارات السياسية الهامة ووسائل وأطر تنفيذها. هناك اليوم سلطة معطلة تعيش حالة إنكار مع التمسك بآليات تفاوض شكلية فقدت معناها.. لكن الممتع في الأداء السياسي يكمن في الإنكار الذي يعيشه نبيه بري، الذي ما انفك يتذكر الميكانيزم والاتفاق مع العدو الذي فاوض بشأنه من فوق عنق الدستور والدولة!

المفاوضات ليست قراراً لبنانياً، إنها قرار أميركي إسرائيلي غير موجود، لكن الموجود والممكن هو مبادرات في التواصل السياسي الخارجي وعلى الأرض تعيد الاعتبار للسلطة وتمكنها من استعادة الحد الأدنى من القرار السياسي الذي يتلاعب به الاحتلال من جهة، ومن الأخرى احتلال القرار من جانب الشيباني وزملائه ضباط الحرس الثوري المطلوب الجدية لترحيلهم.. بدون ذلك، وهو ممكن، أي العمل لتعرية أهداف الاحتلال من جهة واتخاذ خطوات جدية لجعل بيروت آمنة وصولاً للمطار وخلدة، وكل المدخل الشرقي للعاصمة، حيث وزارة الدفاع والقصر الجمهوري، وحدها ما يرسل للخارج والداخل رسالة مغايرة معناها أن لبنان يسقط كل أشكال التطبيع مع انتهاك السيادة!

لا بديل عن خطوات تستعيد الدولة، عندها تستعيد السلطة ثقة الناس ودعمهم في مسار قاسٍ طويل لا بديل له!

شارك هذا الموضوع

حنّا صالح

صحافي وكاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!