لماذا جف قلمي خلال الحرب على إيران؟
إسماعيل طاهري
ربع عمري ذاب في القراءة.. القراءة العامة التي تهدف بالأساس الى تملك ثقافة عامة عالمة في عدة مواضيع خاصة في علوم الحياة والأرض وعلوم إنسانية مختلفة.
بعدما كنت أقتني جريدة يومية وأسبوعيتين وعدة مجلات دورية في الشهر الواحد وقراءة رواية أو ديوان وعدة دراسات خلال الشهر الواحد..لم يكن لدي الوقت للتركيز على مقررات الدراسة الجامعية في الأدب العربي في الجامعة ولم أتمكن بفعل ثقل القراءة واهتمامات نقابية وسياسية لا تنتهي.. لم أتمكن من الحصول على تميز. أنا واحد من جيل القنطرة بالجامعة الذي تم تتريكه حتى قبل أن يندمج في سوق الشغل أو يراكم حتى طيف ثروة لا تسمن ولا تغني من جوع. وازدادت المحنة بعد عدة أعمال وأنشطة في القطاع الخاص خصوصا في مهنة الصحافة التي لم تنصفني رغم أنني أخلصت لها ولقيمها وأخلاقياتها ربما جئت اليها في الوقت الميت الذي عنوانه بداية التفاهة ونهاية الالتزام وانحصار منظومة قيم ايجابية ونبيلة كانت سائدة في المجتمع بغض النظر عن طابعها المحافظ في الغالب…
اليوم لا أكاد أقرأ الصحافة المكتوبة، كما أن وتيرة القراءة على الورق عموما تراجعت إلى حد كبير ، وصارت مكتبتي مشتتة بين عدة مدن، وما تحت يدي صار عبئا علي وعلى عائلتي النووية.
وفي الوقت ذاته أصبحت مدمنا على الفيسبوك وخوارزمياته العجيبة التي تغذي اهتماماتي التاريخية بالثقافة والسياسة..لقد أصبح الفيسبوك عبارة عن وكالة أنباء لا تنتهي كما أضحى موجه لا غنى عنه لمعرفة ما يجري في مجالات اهتماماتي المختلفة. وقد ازداد هذا الإدمان على الفيسبوك مع الحرب الأمريكية الإسرائلية على إيران وقبلها لمدة تتجاوز عامين من حرب الإبادة الدموية على قطاع غزة.
وفي تلاطم الأحداث والمواقف شعرت ان قنوات تلفزية نظير الميادين و الجزيرة وبي بي سي وفرانس 24 لم تعد تحترم أخلاقيات الصحافة ولم أعد أعتمد على منجزها الإعلامي حول الحرب، وكان ملاذي هو الفيسبوك الذي يدلني باستمرار على مختلف الروايات حول الأحداث الحربية الجارية.
هناك ما يشبه صدمة حدثت لي بعدما وقفت مليا على انهيار الإعلام المغربي المكتوب والمرئي والمسموع وقد بدا ضعيفا غير قادر على مسايرة الاحداث أو التموقع في قلب الحدث العربي والدولي.
لم أعد أجد ما أقرأه او أتابعه، ولم تعد مختلف المنصات تستجيب لذائقتي. فقط الإعلام الغربي يغرريني قليلا لأنه لا يخفي وجهه ووجه الدول الغربية المنافقة التي تستغل منظومة حقوق الانسان وفق مصالحها، وباتت تتقن فن الكيل بمكيالين ومع ذلك لا تنطلي على خدع هذا الإعلام الغربي الذي لم يعد مهنيا كما كنا نتخيله في السابق.
***
في الآونة الاخيرة اختلطت على الأمور، وصرت غير قادر على الكتابة أو التدوين، وأصبحت الملفات ضبابية أمام بصري وبصيرتي. فالكتابة في النهاية هي إعادة تدوير للقراءة وتجارب الحياة العيانية.
وأجزم أن هذا أثر على نفسيتي وربما أصبت بأعراض مرض نفسي بدون علم مني. وكل يوم أتساءل لماذا جف قلمي ولم أعد التقي مع قرائي في عدة مواقع الكترونية ومنصة الفيسبوك. لقد أصبحت مستهلكا سلبيا في مجال الإعلام ولم أعد منتجا للآراء والتحاليل مهما كانت نسبيتها.
أتمنى أن تكون هذا الكتاب المسطور بداية التعافي. فكلما اشتعلت الحرب لا أستطيع مجاراة نيرانها ولا أستطيع التعليق على مظالمها وأهوالها.
أتمنى أن يكون العود أحمد.
فنحن نحتاج الى اللغة حتى نحيى أو نقنع أنفسنا أننا لسنا على قيد الموت. فمهما اختلفت الآراء وتلاطمت، فالمهم هي اللغة، وهي علامة سيميولوجية على ما تبقى من إنسانيتنا التي يهددها ويهدها الشر.. وأكبر شر، هنا والآن، هو الحرب التي لا تنتج الحضارة، بل تعيد الإنسانية إلى عهود التوحش والبدائية.
