“مجلس السلام” أم إقطاعية دولية؟.. ترامب يكتب شهادة وفاة النظام العالمي من دافوس

“مجلس السلام” أم إقطاعية دولية؟.. ترامب يكتب شهادة وفاة النظام العالمي من دافوس

مسعود بنعاشور

بينما كانت نخب العالم تجتمع في “دافوس” لمناقشة التنمية والاقتصاد، باغت دونالد ترامب الكوكب بـ”ميثاق” لم يسبق له مثيل، ميثاق لا يؤسس لسلام بقدر ما يدشن حقبة “الإمبريالية الشخصية”. إن ما كُشف عنه اليوم الخميس، 22 يناير 2026، من تفاصيل “مجلس السلام” (Board of Peace)، ليس مجرد آلية لحل النزاعات، بل هو محاولة صريحة لاختطاف القرار الدولي ووضعه في يد رجل واحد يطمح لرئاسة الكرة الأرضية مدى الحياة، متجاوزاً بذلك الأمم المتحدة ومجلس أمنها المترنح.

لطالما رصد المحللون نقاط التقاء بين نمط قيادة ترامب والديكتاتوريات التاريخية التي تمحورت حول “الأنا”. فمن مدحه لموسوليني وهتلر في الغرف المغلقة، إلى تفاخره العلني بأنه تفوق على زعيم المافيا آل كابوني في عدد الاتهامات القضائية، يبدو أن ترامب لا يرى في الدولة إلا ساحة لـ”الرجل الخشن” الذي يفرض إرادته. هذه العقلية هي التي دفعته سابقاً للمطالبة بشراء غرينلاند، وهي ذاتها التي تدفعه اليوم لتحويل “مجلس السلام” إلى نادٍ خاص يتطلب “رسم دخول” قدره مليار دولار للعضوية الدائمة، في سابقة تاريخية تحوّل الدبلوماسية الدولية إلى “سوق للمزايدات”.

تمثل منطقة الشرق الأوسط حجر الزاوية في طموحات ترامب الإمبراطورية. وفي قلب هذا المشهد، برز المديح المبالغ فيه الذي كاله ترامب للرئيس المصري الجنرال عبد الفتاح السيسي في أروقة دافوس، فبعدما كان يصفه سابقاً بـ ديكتاتوري المفضل، عاد اليوم ليصفه بـ القائد العظيم الذي يفهم لغة القوة”. هذا الثناء ليس مجرد إعجاب شخصي، بل هو محاولة لضمان وكيل إقليمي ينفذ أجندة المجلس في الملفات الشائكة مقابل وعود بالدعم والشرعية.

لقد كشفت استجابة الدول العربية التي دعاها ترامب، مثل السعودية، الإمارات، مصر، الأردن، والمغرب، عن حالة من الواقعية السياسية القلقة، فهذه الدول تجد نفسها بين مطرقة بند المليار دولار للعضوية الدائمة، وسندان الرغبة في تجنب غضب إمبراطور العالم القادم الذي لا يتردد في استخدام العقوبات كعصا غليظة.

المفارقة الصادمة تكمن في أن مديح ترامب للزعماء العرب يتقاطع مع “المباركة المطلقة” التي منحها لنتنياهو وجرائمه المستمرة في غزة ولبنان. فبينما يدعي تأسيس “مجلس للسلام”، فإنه في الواقع يعطي الضوء الأخضر لتصفية القضية الفلسطينية وضرب استقرار لبنان. إن مباركة ترامب لنتنياهو، رغم مذكرات الاعتقال الدولية، تعني أن هذا المجلس سيكون مظلة شرعية للجرائم المرتكبة، حيث تُقاس العدالة بمدى الولاء لرئيس المجلس، بينما تظل دماء الأبرياء مجرد أضرار جانبية في طريق ترامب نحو عرش العالم.

في هذا المشهد، تبرز مواقف القوى الكبرى كحجر زاوية.. روسيا، التي أعلن ترامب انضمامها، سارعت عبر الكرملين إلى توضيح أنها لا تزال تدرس التفاصيل، إذ يخشى بوتين أن يكون المجلس فخاً لتكريس الأحادية الأميركية. أما الصين، فتنظر للمجلس كأداة عولمة بديلة تهدف لمحاصرتها اقتصادياً وتهديد مشروع الحزام والطريق، مؤكدة أن أي كيان يترأسه ترامب مدى الحياة هو تهديد مباشر للتوازنات العالمية.

إن “مجلس السلام” كما صاغه ترامب هو إمبراطورية حروب مقنعة تفرغ السيادة الدولية من محتواها. إن السكوت عن “تدويل الأنا” اليوم يعني الاستيقاظ غداً على عالم لا يعترف إلا بصوت واحد، وقانون واحد، ومصلحة واحدة.. مصلحة دونالد ترامب. إنها معركة وعي بامتياز، تضع العالم أمام تساؤل: هل نرتضي ببيع كوكبنا مقابل وعود وهمية بالاستقرار؟

شارك هذا الموضوع

مسعود بنعاشور

صحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!