“هم”: تجريب مسرحي في نقد الذات والسلطة
جمال الفزازي
عتبة العرض المسرحي
ينفتح الركح على المتفرجين من خلال فضاء سينوغرافي شبه دائري، بجدران يتوسطها باب زجاجي شفاف بإضاءة حمراء يكشف ظلال ممثلين-“شخصيات ” في مشهد صراعي، تنقذف نحو الداخل حيث الركح مساحة فارغة إلا من أربعة كراس وطاولة تحتمي بالباب من رعب الخارج، يحتد بدقات تبدأ صاخبة متواترة، مشحونة بعزف موسيقى لا يلبث أن يتلاشى ببطء ليعم صمت دال، وبإضاءة شبه قاتمة سرعان ما تتبدد بإضاءة أكثر جلاء لملامح الممثلين وهم يشرعون في التجرد من اللباس وحمولاتهم، ليضعوها في كيس قمامة بلاستيكي أسود في مقدمة الخشبة، ثم يجلسون على كراسيَّ متقابلين بشكل حلقي وهم يرددون بالتناوب فرادى وجماعة:
(ماذا سأقول؟.. وهل لدي شيء لأقوله؟)
يتضح من هذه العتبة العرضية أن الخطاب المسرحي النصي يروم الكشف عن مقام تواصلي موسوم بالتردد في القول بما يدل على وضع تواصلي متوتر لعدم تملك المعرفة وجهل بالمقول، لكأن مدار الخطاب وبؤرته هو المثقف في علاقته بذاته وبالحقيقة وبالآخر.
كما يتضح أن الإخراج اشتغل على جماليات فضاء سينوغرافي متحرك بنسق تشخيصي حركي متفاعل مع التعبير الموسيقي والإضائي لبناء فعل مسرحي تجريبي منفتح على الكوريغرافيا بخطاب ملتبس في لقاء يحفز على التفاعل مع المتلقي.
تدوير العتبة
يشعرنا العرض أنه فرجة ارتدادية للعتبة وتكرار لها بطرق مختلفة، واجهت فيه المخرجة الدراماتورجية نصا مسرحيا بنفس شعري وعمق فلسفي، مونودراما بأقنعة ضمائر صرفية ماكرة نتبين من خلالها أننا أمام أربعة ممثلين -قوى فاعلة تتناوب على نفس الحوارات و الدور، تروم اختبار الجسد بالأسئلة الوجودية عن الكلمة والحقيقة والسلطة والموت وإنهاكه حتى التلاشي والتعفن والصمت، بحثا عن كينونة صافية متصالحة مع ذاتها، بحيث ينحو الإلقاء بالكلمة أحيانا نحو الغناء الأوبرالي في انسجام مع موسيقى حية لعازفي العود والتشيلو والكمان وهم جلوس، في خلفية الركح الشفاف، بما يحيل على تقليد الجوقة في المسرح الإغريقي أو الغنائي، لكنها هنا تمارس وظيفة مزدوجة، فهي موضوع للفرجة وفي نفس الآن تعبير عن الإيقاع الداخلي للجسد الدرامي. وقد تمكن الإخراج من هدم النص وإعادة تشكيله فرجويا اعتمادا على محركات جمالية وفنية أهم علاماتها:
التدوير – الانزياح – التكرار
1- التدوير:
تشكل الدائرة علامة فارقة في تشييد الفضاء السينوغرافي من خلال ديكور بجدار على شكل نصف دائرة يتوسطه باب بنوافذ شفافة، يغلق دورته -المفترضة -على المتفرجين، لتوريطهم في قلق الخطاب العرضي.
تتجسد الدائرة في هندسة فراغ الركح والفضاء الحركي بشكل دائري كي يوجه الممثلين إلى التحرك بشكل حلقي كما في الرقصة الإنشادية أو الطواف حول الطاولة…إلخ
وقد ساهم التصور التشكيلي للدائرة في الإحاطة بالشخصية وتطويقها بالأسئلة الوجودية كما لو كانت في حصة علاجية لمرض عقلي ونفسي أو جلسة استنطاق محصنة بجدران السلط المادية والرمزية.
2- الانزياح:
يتمثل الانزياح في لعبة إبدال أقنعة الضمير الصرفي كأن يصير ضمير “هم” دالا على “نحن” أو يستبدل بـ”أنا” و”أنت” بحسب ما تقتضيه المقامات التواصلية للشخصية وسياقات الإلزام الحواري، فقد يتناوب أربعة فاعلين دراميين وقد يلتئمون فيتوحدون في نفس الدور فتنكسر الحدود الفيزيقية بينها، ويتداخل الخارج بالداخل وتلتبس الأمكنة والأزمنة لإبراز قلق المثقف في سعيه إلى تخليص الجسد من “هم” الآخر هذا الجحيم الذي يسكن “الأنا” ولا يمكن التحرر من إسمه الجريح إلا بالتجرد منه واختيار مسلك الاغتراب ولو بلا أمة ولا شعب ولا إله، يتيما إلا من إرادة الكلمة الحرة.
اجتهد الإخراج في تحريك الفضاء السينوغرافي وفق تصور مجازي يقوم على انزياح الأشياء الركحية (الكرسي والقلم والورقة) عن وظائفها الدلالية الأصلية لتكتسب وظائف إيحائية درامية مغايرة من خلال آلية “الإبدال والمفارقة”.
- “الكرسي”: مثلا دال على “القعود” لاتقاء برد الليل والاستراحة من التعب البدني يتم إبدال وظيفته بجعله “محمولا على الظهر” فيصير دالا على آلية من آليات الحماية أو التعذيب باعتباره رمزا من رموز السلطة القهرية المحاصرة…
- “القلم”: تم تضخيمه بشكل مفارق لشكله الاعتيادي لا ليكون مرئيا فقط بل للانزياح بدلالته على الكتابة إلى إبراز سلطة الكلمة المدونة، فهو آلة المثقف الرمزية لمساءلة الذات والآخر والتاريخ، لكنه قد يتحول عصا أو سكينا للدلالة على سلطة القتل الرمزي والتعذيب الجسدي.
- “الورقة”: حاملة المعرفة انزاحت نحو الإيحاء إلى أجنحة تحليق الشخصية في مشهد الاحتفال الرقصي أو إكسابها دلالة مفارقة من خلال تشتيت الأوراق في الفضاء الركحي للدلالة تمرد الكلمة الثورية وتشظي الشخصية فكريا ونفسيا.
هذه الأشياء الركحية (الكرسي والقلم والورقة) يتضاعف تأثيرها الفني بالكلمة المخطوطة المسلطة على الجدار بتقنية المابينغ، للإيحاء إلى جمالياتها الكاليغرافية بالخط المغربي ووشم الجسد المغربي الجريح، إذ تبدو الشخصية المنشطرة في الركح كما لو كانت كلمات وأفكارا تتحرك في كتاب. كما تمارس الكلمة المنطوقة انزياحها لتصير أصواتا موسيقية فقط، خارج أي اعتبار للمدلول، بتقطيع صوتي عنيف كما لو أن المتكلم يمارس طقسا لتعنيف اللغة والهوية والسلطة.
3- التكرار
بقدر ما نتقدم في تلقي سيرورة العرض الحدثية بقدر ما نشعر بتراخي الزمن وأننا لم نغادر عتبة العرض البدئية، بفعل “التكرار” الذي يتجسد على مستويات متعددة:
تكرار الأشياء الركحية كالكراسي وتراكم الأوراق، أو تكرار نفس الحوار تلفظا وملفوظات نصية كما في حوار (“لم”/ أعرف /ماذا وقع/ حين/ أقبل الليل) وما يتخلله من تكرار تأوهات وحشرجات وصراخ وأنين وصمت أو عي باللسان خاصة حين التلفظ بـ “لم” بحمولتها الدالة على النفي والجزم والعجز عن التعبير، يحضر التكرار كذلك على مستوى التحرك الدائري والحركة المتشنجة، بل إن الشخصية تتضاعف بتجسيد الممثلين الأربعة لها، بشكل تناوبي أو جمعي كما في (أردت أن أخرج عاريا. الكلمات تهرب مني أحسست أنني أصبحت فارغا تماما) أو (هذا صوتي لي وليس لغيري، جسدي لي وليس لغيري) يترسخ التكرار بجماليات تشكيلات ظلال الممثلين على الجدار كما لو كانت “تشكلات واشتقاقات لذات الشخصية، وتلعب الموسيقي بإيقاعها التكراري وظيفتها في التأكيد على قلق الشخصية الوجودي، كما أن التنصيص على إضاءة الباب بالأحمر يعتبر لازمة تتكرر لما لها من إيحاءات العذاب الجسدي.
التجريب في العرض ليس معطى جاهزا أو محاكاة لمرجع وقع وانتهى، بل هو هدم وإعادة بناء لأنساق جمالية وفنية في اللقاء الحي في الزمان والمكان، التمسرح هنا إعادة صياغة لرؤى وتجارب مسرحية متعددة بأدائها في شكل جديد من خلال الاشتغال على جسد الممثل باعتباره موضوعا للعرض وجوهره وحمال أقنعة يتفاعل بها وفيها الأنا والآخر، الذات والموضوع، الحضور والغياب، التجسيد والتجريد، الفراغ والامتلاء… عرض تجريبي حي متحرك في منطقة البين – بين حيث تلتبس الحقيقة بالوهم والمشخص بالمجرد. إنه تجريب فني تتقاطع فيه ثلاث مدارس مسرحية متباينة:
- المسرح الفقير لـ “غرطوفسكي Grotowski” الداعي إلى استغناء الركح عن زوائد الديكور والأكسسوارات لتحفيز جسد الممثل على الابداع، بالتجرد من كل القبليات والكليشيات المسرحية التقليدية التي طبعت المسرح الواقعي، وهو تصور يتقاطع مع “هم” في السعي إلى التخلص من قواعد التمثيل المسكوكة والتجرد من كل شيء من مكتسبات الهوية الموروثة.
- أطروحة مايرهولد- البيوميكانيك Meyerhold من خلال تجريب نسق تشخيصي بمتواليات حركية وإيماءات الوجه والعينين للتعبير الأقصى عن الحالات الشعورية دون السقوط في المبالغة وبكائيات “الواقعية النفسية” المفتعلة، وهذه الهندسة التشكيلية للجسد – فردا وجمعا- ساهمت في خلق حركية إيقاعية متناغمة مع الإيقاعات الموسيقية بضبط للزمن العرضي.
- “مسرح القسوة لأنطونان أرطو Artaud لأن العرض يتقاطع معه على مستوى التجريب، من خلال التغيير المستمر للركح وعناصره المادية والتخلص من ثرثرة النصوص بأقل ما يمكن من الكلمات إلى حد الصمت. وما طريقة تقطيع الدوال النصية والحركية في العرض بالصراخ والتقيؤ والتشنج والنظرة الحادة والخطوات العنيفة سوى تعبير عن الانغلاق في دوامة القسوة والعبث.
إن الجسد الفرجوي بقدر انفتاحه على الثقافات الكونية بقدر تجذره في التربة المغربية بكل ما تعنيه من إرث رمزي وأنتروبلوجي، جسد يحمل في عمقه ندوب جيل عانى التقتيل والاعتقال السياسي والقهر الاجتماعي وقمع الحريات، وما العرض سوى ذريعة جمالية وفنية لإعادة صياغة السؤال الفكري بممارسة النقد الذاتي وعلاقة المثقف بالسلطة التي توجد في كل مكان وتجرفه الى الاحساس بالفراغ والبياض واللامعنى امام امتلاء العالم بالضجيج والقسوة والعبث
على سبيل الختم
ينتهي عرض “هم” بمشهد مواراة جسد المثقف تحت الأوراق في نوم يشبه الموت، لكن في لحظة مفاجئة يستيقظ متطلعا لانفتاح الباب والتماع الشعاع في الأفق البعيد، هل هي إشارة حلم محتمل وبشارة أمل ممكن أم سراب وهم.
