23 مارس.. 61 عاماً على الانتفاضة الدامية في الدار البيضاء
عبد الرحيم التوراني
♦ يصادف تاريخ اليوم الذكرى 61 لانتفاضة 23 مارس بالدار البيضاء عام 1965.
لا تقف أهمية انتفاضة 23 مارس 1965 عند حدود المواجهة الدامية في شوارع الدار البيضاء، بل تكمن قيمتها التاريخية الكبرى في كونها لحظة الفصام النكدي بين جيلين ومنطقين. تقدم هذه الورقة قراءة سوسيو-سياسية في المسافة الفاصلة بين رومانسية الشارع المندفعة نحو التغيير الجذري، وبين براغماتية قيادة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، التي كانت تحاول ترويض العاصفة داخل أروقة البرلمان.. ومن خلال استنطاق شهادة المناضل محمد محجوبي، نكتشف كيف تحول العتاب الأبوي للقيادات التاريخية إلى وقود أشعل فتيل اليسار الجديد، وكيف أدى العجز عن استيعاب نبض القواعد إلى ولادة جرح حقوقي لم يندمل بعد.
في مارس 1965 تميز خطاب الشارع بكونه خطابا ميدانيا بامتياز، اتسم بالعبور السريع من المطلبية الفئوية إلى المساءلة السياسية الشاملة.
يثبت محجوبي أن خروج 15 ألف تلميذ من ثانوية محمد الخامس بنظام مذهل لم يكن مجرد صدفة، بل كان يعكس نضجا مبكرا لدى القواعد التلاميذية تجاوز السقف التوقعي للقيادات السياسية.
انتقل المتظاهرون فور مواجهتهم بالرصاص من المطالبة بإلغاء دورية الوزير بلعباس التعارجي إلى شعارات طبقية ضد الاستبداد و”المعمرين الجدد”، في استجابة فطرية للاحتقان الاجتماعي.
لم ينتظر الشارع إذنا ليواجه الدبابات، فقد كان يؤمن بأن الفعل الميداني هو اللغة الوحيدة التي يفهمها النظام.
في المقابل كان خطاب القيادات التاريخية، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب الاستقلال، خطابا متوازنا محكوما بسياج الشرعية والحسابات البرلمانية. إذ مالت القيادة إلى خيار الإضراب الصامت كأداة ضغط آمنة، بينما اعتبرت المسيرات مغامرة غير محسوبة قد تؤدي إلى تصفية الأحزاب قانونيا.
تبرز لحظة الصدمة في شهادة محمد محجوبي حين قام الفقيه محمد البصري بتعنيف الشباب بدلا من احتضان بطولاتهم، معتبرا خروجهم تجاوزا لقرار القيادة… هذا الخطاب كشف عن فجوة تواصلية عميقة أدت للقطيعة التاريخية.. فبينما كانت الدماء تسيل، كانت القيادة منشغلة بتقديم ملتمسات الرقابة والمطالبة بلجان تقصي حقائق.
إن الجوهري في هذه المقارنة هو إثبات أن منظمة 23 مارس لم تكن مجرد خيار إيديولوجي ماركسي، بل كانت ضرورة نفسية وتنظيمية لجيل وجد نفسه وحيدا أمام الآلة العسكرية، بينما كان حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية منشغلا بالحسابات الصغيرة… لقد كان تأسيس المنظمة عام 1970 هو “إعلان استقلال الوعي” عن وصاية القيادات التقليدية.
***
لا تزال أصداء تلك الصرخة التلاميذية تتردد في فضاء المغرب المعاصر، ليس كذكرى أرشفها التاريخ، بل كمساءلة حقوقية وسياسية لم تجد أجوبتها بعد. وفي هذا السياق تلخص تدوينة الحقوقي فؤاد عبد المومني الراهن النضالي بوضوح حاد:
“61 سنة على مجازر 23 مارس 1965 بالدار البيضاء وغيرها من مناطق المغرب. ستون سنة، لا نحن عرفنا الحقيقة، ولا استرجعنا الرفاة، ولا أمسكنا بالقتلة، ولا اعتذرت الدولة للضحايا، ولا تم تغيير نظام الحكم حتى نطمئن لألا تتكرر هذه المآسي…”.
إن هذا الخطاب الحقوقي يمثل الامتداد الطبيعي لروح 1965؛ فهو يؤكد أن الوفاء لروح الضحايا ليس طقسا تأبينيا، بل هو يقين بالغد الجميل وفعل مقاوم للنسيان الممنهج. فإذا كان جيل محجوبي قد واجه الرصاص، فإن جيل عبد المومني يواجه “الإفلات من العقاب”، مؤكدين معا أن طيف الضحايا سيظل يحرس أحلام المغاربة في الكرامة، وأن الإنصاف الحقيقي لا يمر إلا عبر إصلاح بنيوي يضمن عدم تكرار مآسي الماضي.
مراجع معتمدة:
- شهادة محمد محجوبي: (وثائق خاصة) حول تأسيس منظمة 23 مارس. شهادة توفر تفاصيل ميدانية دقيقة عن مسار المسيرة والقطيعة مع الحزب التقليدي
- اليسار المغربي الجديد: عبد القادر الشاوي.
- أرشيف مجلة أنفاس (Souffles): عبد اللطيف اللعبي.
- تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة (المجلدات الخاصة بالانتفاضات الحضرية) لتوثيق الجوانب الحقوقية وأعداد الضحايا.
- رواية “في سعادة المطهر” (محمد لفتاح): تعيد رسم جغرافيا الدار البيضاء السفلية ووجع المهمشين في تلك الفترة.
- رواية “كان وأخواتها” (عبد القادر الشاوي): سيرة ذاتية توثق للمناخ الفكري لرفاق 23 مارس.
