مهرجانات وملتقبات في درجة الصفر
د. عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
المخرج المسرحي المصري البورسعيدي ذ. طارق حسن، يقول في تحيته للاحتفالية ما يلي: «نحن معك… النحن.. نعيشها بصدق.. في أجواء مفعمة بالروعة والبهاء.. والصدق المسرحي الاحتفالي.. دمت لنا مبدعاً عربياً أصيلاً وصوتاً من الأصوات المسرحية النبيلة في زمن شح فيه الإبداع الحقيقي».
وهذا يعني أننا كلنا، في هذه الاحتفالية الجامعة، تجمعنا هذه (النحن) الإنسانية الجميلة والنبيلة الجامعة، مما يفيد أن هذه (النحن) ليست مجرد كلمة صغيرة بمعنى صغير. وبحسب الاحتفالي، فإنه إذا كان ضرورياً أن نختلف، وهذا الاختلاف حق بكل تأكيد، فلنختلف داخل فضاء هذه النحن، وليس خارجها، ولنعرف أن الحوار المسرحي السليم ينبغي أن يتم داخل هذه (النحن) أيضاً، وذلك في الحدود العلمية والفكرية والجمالية والأخلاقية، أي في إطار الاختلاف الذي لا يفسد للود قضية، كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي.
والأساس في هذه (النحن) الاحتفالية لا يتمثل في أخوة الدم، ولا في أخوة اللون، ولا في أخوة الحرب، ولا في أخوة العشيرة، بل يتمثل في أخوة الفكرة، وفي أخوة الطريق، وفي أخوة الإنسان للإنسان في كل زمان ومكان.
أما المخرج المسرحي المغربي رضوان إبراهيمي، مؤسس المهرجان الدولي للمونودراما، فيعتبر كل مقالة يكتبها المفكر الاحتفالي هي بيان جديد يتضاعف إلى ديوان الاحتفالية المفتوح، وفي معنى هذا البيان يقول الكلمة التالية: «بيان كباقي البيانات احتفالي بامتياز. يرسخ الاحتفالية لا كتيار مسرحي فقط، بل كمناخ فكري وجمالي وأخلاقي شامل. الاحتفال هنا في هذا البيان ليس حدثاً عابراً، بل فعل وجود، مشاركة واقتسام، وتحرر من اللحظة نحو الأبد… مبدعنا شيخ الاحتفاليين يعلن بوضوح أن ما يمنح الكتابة معناها الحقيقي هو وجود قارئ واع وعاقل ومحاور… ووعي جماعي لا يكتفي بالتلقي بل يضيف ويختلف… بوركت دكتور..».
نعم، هو بيان احتفالي، مثل كل البيانات التي سبقته، هدفه التبيين والتوضيح والتصحيح والتواصل والاقتراح والاجتهاد والتجريب، وهذا هو البيان الاحتفالي، إنه ليس قانوناً صارماً، ولكنه أفكار إضافية تحتمل أن يكون لها ما بعدها، وأن يكون لها ما خلفها وما يخالفها، وتحتمل أن تكون ناقصة، وأن تكون بحاجة لمن ولما يمكن أن يكملها. ويبقى أن نؤكد على الحقيقة البسيطة التالية، وهي أن الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن يكونه هذا البيان، هو أن يكون خالياً من الصدق ومن المصداقية، وأن يكون عارياً من القصد العلمي النبيل ومن الجدية الفكرية ومن الشفافية الأخلاقية.
وهذه الكتابة البيان، قد كانت دائماً وسوف تبقى، مجرد مخاطرة معرفية وفكرية وجمالية، ونعرف بأنه لا وجود لمخاطرة خالية من الخطأ ومن السقوط ومن الفشل. ويبقى أن نعرف بأنه بعد وجود هذا الخطأ أو ذاك، في هذه التجارب أو تلك، يوجد الصواب في أغلب الأحيان، وأنه بعد كل سقوط يأتي فعل النهوض، مما يعني أن النجاح، في معناه الحقيقي، هو ذلك التراكم الكمي للفشل، والذي يمكن أن ينقلب إلى ضده، مع وجود الإلحاح ومع توفر الإصرار على النجاح، وذلك حتى يصبح ما كان يبدو فشلاً نجاحاً حقيقياً.
مسرح بين الأشباح والأشباه
وفي هذا البدء الجديد، وكما هي العادة دائماً، يواصل سيزيف الدورة الاحتفالية فعل السؤال، وفعل التساؤل، وفعل الشغب المعرفي المشروع أيضاً، ويقول ما يلي: ــ ما معنى أن تكون إنساناً، كامل الإنسانية، وأن تكون مواطناً مسرحياً، في هذا الوطن الوجودي والمسرحي الكبير، وأن تعتقد بينك وبين نفسك بأن مواطنتك كاملة وحقيقية وسليمة ومشروعة، من غير أن يكون لك موقع قدم على أرض هذا المسرح، ومن غير أن يكون لك عنوان محدد في هذا الوطن المسرحي الكبير، والممتد في التاريخ وفي الجغرافيا وفي وجدان وفي ذاكرة الإنسان والإنسانية؟
ــ وما معنى أن تعتبر نفسك مسرحياً، وأنت في هذا المسرح بلا اسم، وبلا صوت مسموع، وبلا صدى، وبلا رأي، وبلا موقف، وبلا إضافة، وبلا حضور، وبلا حق في الاحتفال وفي التعييد وفي الفرح؟
إن الأصل في المسرح الحقيقي هو أن يكون موثثاً بالناس وبأسماء الناس، وماذا يمكن أن نقول اليوم عن مسرح لا يحضر فيه إلا الغياب، ولا توثث فعاليته إلا الأشباح والأشباه؟ أي أشباح الحاضرين وأشباه المسرحيين.
والإنسان في المسرح العربي اليوم ليس إلا رقماً، وهذا المسرح الذي يحسبه مسرحه ليس فيه إلا الأرقام، وهو فيه مثل المساجين في السجن، يراد منه أن لا يكون في هذا المسرح جريئاً، مع أنه لا وجود لمسرح حقيقي بدون جرأة حقيقية، وأنت ممنوع من المبادرة، وممنوع من المخاطرة، مع أنه لا تجربة ولا تجريب إلا بالمخاطرة الوجودية وبالمخاطرة الفكرية وبالمخاطرة العلمية.
ويراد منك أن تكون مسرحياً لا تزعج، ولا تشاغب، ولا تشاكس، ولا تسأل، ولا نتساءل، وهل هذا شيء ممكن؟ نحن نبحث عن مسرح الإنسان الإنسان، وهم يبحثون عن مسرح الدمى، وعن مسرح خيال الظل، وعن مسرح السينما.
وهل يصح، بالنسبة لك أيها الإنسان المسرحي، الحي والعاقل، أن تكون في هذا المسرح مجرد كومبارس، وأن يستدل من خلال وجودك في كثير من التظاهرات المسرحية على أن هناك في هذا الوطن العربي شيئاً يسمى المسرح العربي؟
بعد هذا الغياب أو التغييب، أن تنسب نفسك لفن أساسه الاختلاف والتعدد، وجوهره الحوار الديمقراطي؟ هذه أسئلتي للذين يمارسون مسرحاً ليس له اسم، وليس له خرائط، وليس له أرض، وليس لها سماء، وليس له دستور، وليس له قانون، وليس له فكر، وليس له علم، وليس له طريق يمكن أن يسير فيها، وليس أفق واضح يتجه إليه؟
مسرحنا اليوم هو مسرح عشائري، يستحضر الأشباح والأشباه، وتغيب فيه وعنه الأجساد والأرواح الحية. وما معنى أن يكون لهذا المسرح مؤسسات مسرحية كثيرة، لا ديمقراطية فيها، ولا حرية فيها، ولا استقلالية فيها، ولا انتخابات فيها؟
وفي هذا المسرح العربي هناك اليوم أسئلة كثيرة مهربة، أسئلة لا تطرحها الندوات الفكرية، ولا تقاربها المهرجانات، ولا تعرفها الملتقيات العلمية، وذلك من مثل التساؤلات التالية: وهذا الذي نسميه المسرح العربي، هل هو فعلاً مسرح أولاً؟ وبماذا هو عربي ثانياً؟ هل بالمقتبسات والمختلسات وبالمترجمات غير الوفية؟ هل بكل هذه اللهجات العامية التي تحتاج هي نفسها إلى ترجمة؟ أم بذلك الاقتباس الذي يتعدى نص الكتابة إلى اقتباس كل مكونات العرض المسرحي؟
نقول هو وطن مسرحي، مع أن كل ما فيه يخاصم المسرح، ويعادي المسرحيين الجادين والمجددين والصادقين، هو (وطن) فيه من الثكنات العسكرية أكثر مما فيه من المدن الإنسانية، وفيه من السجون المغلقة أكثر مما فيه من الفضاءات المسرحية المفتوحة، وفيه من الأوامر الجبرية أكثر مما فيه من المبادرات الاختيارية، وفيه من الأجوبة المعلبة والمهربة أكثر مما فيه من الأسئلة الفكرية والعلمية والجمالية المجددة، وفيه من الغربة ومن المنفى ومن الوحشة ومن الإقصاء ومن القتل ومن النميمة أكثر مما فيه من التلاقي ومن الألفة ومن الحوار ومن التسامح، وفيه من التصنع أكثر مما فيه من الصناعة.
حكم من يعرف مسارح العالم ولا يعرف مسرحه
ومع ذلك نقول هو مسرح عربي، ولكن بالقوة فقط، أو بالنية فقط، مؤمنين بأن النية أفضل من العمل. ولقد كان المؤمل أن يصبح مسرحاً عربياً بالفعل، في يوم من الأيام أو في عام من الأعوام، ولقد قطع من عمره -لحد اليوم- ما يقارب قرنين في ألفيتين، وهو يناقش البديهيات والمسلمات ولا يغادر البدايات، ويتحدث عن أزمة النص، وعن أزمة الجمهور، وعن أزمة الإنتاج، وعن سؤال بأي لغة نكتب، وأي مسرح نريد.. المسرح التراثي أم المسرح التجريبي؟ وهل نرتفع بالجمهور حتى يصل إلينا، أم ننزل إليه حتى يفهمنا؟ مع أنه في حقيقة الأمر لا وجود أصلاً لهذا الذي نسميه الجمهور، ثم كيف نريد من هذا الجمهور أن يفهمنا، ونحن لا نقول له شيئاً؟
هو مسرح لا يغادر مكانه، ولا يغادر قناعاته المدرسية، وهو يدور في دائرة مفرغة، فما قاله بالأمس يعيده اليوم، وما يكتبه اليوم هو نفسه الذي سوف يعيد كتابته غداً، ولا جديد وتجديد إلا في العناوين، وفي الشعارات، وفي المزاعم والادعاءات، والفتوحات الدونكيشوتية الوهمية.
نعم، في هذا المسرح تحضر المعلومات، ولكن يغيب العلم، وتغيب المعرفة الحقيقية، والتي تبدأ من درجة معرفة الذات أولاً، والتي لخصها الفيلسوف اليوناني سقراط في كلمة واحدة هي (اعرف نفسك).
والمسرحي في هذا المسرح العربي يعرف كل مسارح العالم، ويتحدث عن كل مسارح العالم، ولكنه لا يعرف نفسه، ولا يعرف مسرحه، معتقداً بأن مسرحه موجود في مسارح العالم.
ويمكن أن نتساءل الآن، ما معنى أن تكون مقتنعاً بأنك فعلاً مسرحي، وأنت لا علم لك بعلوم المسرح، ولا علاقة لك بالفكر المسرحي، وأنك في ممارستك المسرحية لا تلتزم بأخلاقيات المسرح ولا بآداب المسرح، ولا تحترم حق الآخر في الوجود، وفي الحضور، وفي الاختلاف، وفي التعدد، وفي الاجتهاد؟
والأصل في الفعل المسرحي هو أنه التلاقي، وهو الحضور، وهو الموعد المتجدد، وهو الأنا وأنت، وهو النحن والآخرون. وماذا نقول اليوم عن مسرح يسير بمنطق المافيا والعصابات، وأن الخفي فيه أكثر مما هو ظاهر، وأن الآخر المختلف فيه لا حق له في الوجود؟
جبهة تصفية الاجتهاد المسرحي أين وصلت؟
ولعل أكبر (عدو) بالنسبة لكثير من أشباح المسرحيين ولكثير من أشباه المسرحيين، قد تمثل دائماً في هذا الكائن الاحتفالي المشاغب والمشاكس، والذي تطاول على الاجتهاد واجتهد، بغير إذن من أية جهة من الجهات، وبغير علم من (علماء) الآداب والفنون والعلوم وكل الصناعات الإبداعية المختلفة. وحتى نعرف حقيقة هذه الحرب على التنظير الفكري وعلى الاحتفالي المفكر والمبدع، فإنه لا بد أن نعود إلى الخلف قليلاً، وأن نتأمل بعض ما كتب وبعض ما قيل فيها وعنها، وكل هذا، ليعلم الذين لا يعلمون أن ما يعيشه هذا الاحتفالي اليوم، من حرب سرية وخفية، ليس وليد هذا اليوم، وأنه في حقيقته جزء من مخطط كبير وخطير، ظاهره المسرح وباطنه الحسد والحقد والكراهية المجانية.
وحتى أقربكم أكثر من هذا الحقد الأعمى، فإنني أسوق لكم بعض النماذج من ذلك الهذيان الذي كان يسمى نقداً مسرحياً، فهذا دكتور في المسرح، يقول عن التنظير الاحتفالي، والذي هو أساساً فكر وعلم وفن، ما يلي: «فتشكلت بالتدريج جبهة ضد التنظير، تمكنت من بلورة موقفها في إطار الملتقيات التي تضطلع بتنظيمها الهواة أنفسهم منذ بداية الثمانينات».
ولقد تشكلت هذه الجبهة ضد ماذا؟ ضد التنظير الفكري وضد الاجتهاد العلمي وضد التجريب المسرحي وضد حرية التعبير وضد الاختلاف. يحدث هذا في الوقت الذي كان فيه المسرح العربي يبحث عن المسرح العربي، وفي الوقت الذي تشكلت فيه جماعة من النقاد ومن الباحثين ومن الممثلين ومن المنظرين ومن مؤرخي المسرح ومن الداعين لتأسيس مسرح عربي جديد متجدد، ولقد اجتمعت هذه الكفاءات الفكرية والعلمية والفنية في إطار جماعة أعطت نفسها اسم (جماعة المسرح الاحتفالي)، مهمتها تطوير المسرح العربي وتثويره وتجديده وعقلنته. وفي مقابل هذا الطموح النهضوي المشروع، ماذا وجدنا؟ وجدنا من يشكل (جبهة ضد التنظير) غايتها مصادرة النظر العقلي ومصادرة الاجتهاد الفكري والجمالي.
ويضيف نفس الدكتور، ودائماً بنفس اللغة التي لا علاقة لها بروح المسرح ولا بالمعجم المسرحي ولا بتسامح المسرح، ويقول ما يلي: «وبعد حكمهم بالإفلاس على تجربة المهرجان الوطني لمسرح الهواة التي دأبت وزارة الشبيبة على تنظيمه». الأمر إذن يتعلق بحكم، ويتعلق بغريزة التحكم، في حاضر ومستقبل تجربة فكرية وجمالية وهي في درجة التأسيس وفي درجة التجريب، والحكم عليها بالإفلاس.. هكذا.
«ولقد فهم التنظير إلى حد كما لو كان جزءاً من الإرث الذي ينبغي تصفيته كما تصفى التركات». وهذا هو ما جاء في كتاب (الاحتفالية مواقف ومواقف مضادة) الكتاب الثاني، وذلك في الفصل الذي حمل عنوان (الاحتفالية وجبهة التصفية).
هذا النقد الوحشي هو الذي نصب المشانق للاحتفالية، وهي في درجة الصفر من وجودها، أي وهي في درجة النشوء والارتقاء، وهي تبحث للمسرح العربي عن موقع قدم في الفضاء المسرحي العالمي.
ولقد واصلت جبهة تصفية الإرث الاحتفالي هذا العداء العبثي والمجاني، ونقلته إلى الجامعة المغربية من خلال ندوات روحها وجوهرها هو محاربة روح المسرح، والذي يتجلى أساساً في التنظير المسرحي، الجاد والجديد والمجدد. وواحدة من هذه الندوات التي كانت ضمن مشروع تصفية الإرث (الذي ينبغي تصفيته كما تصفى التركات) كانت تحت عنوان (ما تبقى من التنظير المسرحي؟) لتجيب عنها جبهة التصفية بأنه لم يبق منها شيء، وبأن العلم المسرحي قد مات، وأن الفكر المسرحي قد مات أيضاً، وأن التجريب المسرحي حتى هو مات، وأنه لم يعد موجوداً في هذا المسرح إلا.. مخربو المسرح.. وحدهم لا شريك لهم..
وهل مثل هذا (الطموح) الأعور والأعمى هو طموح أستاذ جامعي؟ وهل مثل هذه اللغة، وهي في غير مقامها، هي لغة باحث حقيقي في المسرح العربي الحقيقي؟ وهل بتصفية التجارب المسرحية الجادة يمكن أن نؤسس مسرحاً عربياً جديداً؟ وبنفس هذا المنطق، الوحشي والعدواني، والذي تؤثثه الذاتيات المريضة والمعطوبة، ما زالت كثير من الإدارات ومن الوزارات ومن الهيئات الثقافية والمسرحية تدبر الشأن المسرحي في العالم العربي، وذلك بعد أن تم اختطافها من طرف كثير من الذين جعلوا من ضمن مخططاتهم تصفية الإرث الفكري والجمالي والأخلاقي والعلمي في هذا المسرح العربي.
وهذا دكتور آخر، مساهماته في بناء المسرح صفر، ولكن اجتهاداته من أجل تخريب المسرح المغربي والعربي كبيرة وخطيرة جداً، ولقد وجدناه يقول عن النظرية الاحتفالية بأنها (نظرية استحواذية ذات نزعة عدوانية). سبحان الله.. وأين الاستحواذ، وأين النزعة العدوانية في أفكار تقوم على إنسانية الإنسان وعلى حيوية الحياة وعلى مدنية المدينة وعلى الدعوة إلى الاحتفال والتعييد وإلى اقتسام الفرح؟ وأين الاستحواذ في نظرية تقوم على الاجتهاد العلمي والفكري والجمالي، والتي هي مساهمة قام بها جزء من المسرحيين المغاربة والعرب لفائدة كل المسرح المغربي والعربي؟
ونفس هذا الدكتور هو الذي أضاف بأن (هذه الاحتفالية قد تحولت مع مرور الزمن إلى فزاعة في الحقول الشاسعة في هذا المسرح)، وبهذا يمكن أن يتساءل المتسائلون: أي دكتور هو هذا الذي تفزعه الأفكار الجادة وترعبه الاجتهادات العلمية والفكرية الخالصة؟
وفي كتاب (الاحتفالية مواقف ومواقف مضادة) الكتاب الثاني، يقول الاحتفالي ما يلي: بأن أهم ما يميز فعل نقد الاحتفالية هو أنه فعل، أو شبه فعل (يبدأ بالأحكام، وينتهي إليها، وهو مؤثث بالوثوقية والمطلقية، ولا يعرف شيئاً عن النسبية، وأنه مدرسي الرؤية، ومدرسي الاهتمامات، ومدرسي المنهج، ومدرسي الأدوات، وهو ملتزم بالقواعد، يطبقها، ولا يستطيع أن يتحرر من جاذبيتها).
وفي كل المهرجانات والملتقيات المسرحية العربية اليوم، تحضر المدرسية، وهي في درجة الصفر أو ما دون الصفر، ويحضر المدرسيون، والذين يكتبون في كل المواضيع المقترحة عليهم، والتي قد تكون في كثير من الحالات بسيطة وساذجة وغبية، وفي مثل هذه المهرجانات والملتقيات يغيب المبدعون، ويغيب المفكرون والمجتهدون والمجددون والمؤسسون. وبهذا تدور عجلة هذا المسرح، ليبقى دائماً في.. درجة الصفر.
