حين تتكلم الذاكرة: حكاية جماعة فرَّقتها الأنا

حين تتكلم الذاكرة: حكاية جماعة فرَّقتها الأنا

المختار عنقا الادريسي

الكلمة الصادقة قد تُغضب لحظة، لكنها تنقذ الضمير طويلا

   عتبة كلامية.. من العتاب إلى التأمل:

        ليست كل الحكايات تُروى كاملة، فبعضها يكفي أن يُلمح اليه كي يفهم القارئ ماوراءالسطور. لقد كانت البداية مثل غيرها من خطوات البدء الجميلة ذات زمن، في عالم الثقافة: نحم مجموعة من الأصدقاء جمع بينهم “الأمل” في اعتبار أن للكلمة معنى، وأن العمل الثقافي يمكن أن يكون فعلا من أفعال المشاركة في بناء الوعي وصيانة الذاكرة، حيث التقينا يومها حول حلم بسيط: نصنع منه فضاءً للحوار، وأن نجعل من الكلمة والرأي جسرا للتواصل بين الفكر والمجتمع، فحططنا الرحال في عدة فضاءات لدور الشباب بالدار البيضاء. ومع مرور الوقت وتزايد المضايقات والقمع المخزني على العمل الجمعوي النضالي، في ثمانينيات القرن الماضي. وبعد تفكير عميق ارتأينا توجيه البوصلة نحو العمل المجلاتي، فالتحق بنا أصدقاء جدد  وغاب عنا اخرون، على “أمل” فتعاهدنا على أن نتقاسم  المسؤولية لتستمر وثيرة العطاء التي لم تتوقف. وظل عملنا الثقافي متميزا بعيدا عن كل الخلافات أو الاختلافات التي ضربت رياحها الكثير من المنابر الصادرة انذاك، نظرا للروابط التي جمعتنا ووحدت طريقنا. غير أن الانسان بطبيعته يبقى مُعَرضا لتجربة تضخم الأنا، فحدث أن بدا لبعضنا في مرحلة ما أن التسلط والهيمنة على المسار العام للعمل، والأحادية في اتخاد القرار – ضدا على رأي الجماعة – هما أفضل سبيل لتحقيق مصالح ذاتية بعيدة عن ماله علاقة بالمجال الفكري الذي اجتمعنا من أجله. حينها برز التباين بين من يرى في الثقافة مهمة نضالية، وبين من يراها وسيلة لتحقيق مارب أخرى… بين من يسعى للبناء، وبين من يسعى للسيطرة. وللأسف الشديد أقول بأن قيمة التجربة، لا تكمن في الاستحواذ أو التفرد أو الإقصاء، بل في العِبر والدروس التي تتركها في النفس. ومن تلك الدروس والمحطات وُلِدَتْ هذه الرسائل التأملية الموجهة إلى صديقي المثقف. رسائل لا تهدف الى لوم أو توبيخ، بل الى استكشاف المعنى الحقيقي للكلمة… للثقافة… للعلاقات… للصداقة في عالم تتقاطع فيه الأنا والرغبة والمصلحة وحتى الضمير.

ومن هذه العتبة تنفتح النوافذ – تباعا – على تساؤلات أعمق عن: المثقف… الضمير… الكلمة… الصمت… لتصبح الرسائل التي تتخللها امتدادا طبيعيا لتجربة الحياة الثقافية بكل ما حملته من جمال واحتكاك وخيبة أمل، لكنها ستبقى دائما تجربة تستحق التوقف والتأمل.

  الرسالة الأولى

   رسالة عتاب الى صديق درب جمعني به العمل الثقافي ذات زمن        

أيها الصديق،

   منذ زمان قد ولى وأنا أفكر في أن أكتب اليك هذه الكلمات – غير أن الظروف لم تسمح بذلك إلا الآن – وعندما أفعل فليس  بروح الخصومة ولا بدافع تصفية حسابات، بل بروح الصراحة التي تليق بسنوات من العمل – الجمعوي والمجلاتي – المشترك بيننا وبالهم الفكري والعمل النضالي المتقاسم، وبالذاكرة التي جمعتنا يوم كان همّنا الأول هو الخروج من تحت معطف الوصاية الحزبية الضيقة، لخدمة الثقافة وقضايا المجتمع المدني بصفة عامة.

 لقد التقينا مع مجموعة من الأصدقاء والمهتمين، – كما أذكر وتعلم – حول فكرة بسيطة ونبيلة في نفس الوقت: أن يكون لنا إسهام بناء ومتواضع في إحياء النقاش الفكري/ الثقافي، وأن نؤسس فضاء حواريا تتلاقى فيه اجتهادتنا وتوجهاتنا المختلفة بعيدا عن كل الحسابات الضيقة أو نزاعات الوصاية الفوقية أو نزعات الهيمنة الفردانية، فكان الحلم جميلا وكانت “جمعية الأمل” ثمرة جهد مشترك، تقاسمنا فيه جميعا الكثير من الأعباء والمسؤوليات بروح من الثقة والاحترام المتبادل. معتبرين أن الموائد المستديرة والمناظرات المنظمة واللقاءات المستمرة، هي رسائل نضالية وأفعال ثقافية وازنة، انفلت من رقبة تسلط العمل الثقافي الحزبي آنذاك. إلى أن حلّت ثمانينيات القرن الماضي، فشكلت سنواتها الأولى زمنا ثقيلا على الحركة الجمعوية الجادة بصفة عامة، فهبّت علينا رياح التسلط المخزني وضاقت الفضاءات التي كانت بالأمس القريب تعجّ بالحوار والمبادرة وروح الفعل المدني المتراوح ما بين “المتابعات الثقافية” و”قضايا المرأة” و”الشؤون الفلسطينية”. وشيئا فشيئا وجدنا أنفسنا أمام واقع جديد: الأبواب التي اعتدنا طرقها أغلقت،  والمنابر التي كنا نحلم بأن تكون مجالا للتعبير الحر أحيطت بأسوار من الحذر والرقابة. غير أنا لم نستسلم، لأن الفكرة التي تسكن الروح لا تُقمع بسهولة، والقلق الثقافي الذي كان يجمعنا لم يكن من النوع الذي يستكين الى الصمت الطويل. لذلك لم يكن انتقالناالى مجال آخر نوعا من التراجع بقدر ماكان محاولة ذكية للبحث عن منفذ جديد للفكر والكلمة. وهكذا أخدت البوصلة تميل نحو أفق العمل المجلاتي، حيث يمكن للكلمة المكتوبة أن تستعيد بعض ماضاق به الفضاء العام، وحيث يمكن للتاريخ والثقافة وقضايا المجتمع أن تجد طريقها الى النقاش العميق والهادئ. فكان ذاك التحول في جوهره استمرارا لروح الجماعة التي تعززت بانضمام عناصر أخرى تُقَاسِمنا نفس الهم، منهم من قضى نحبه ومنهم من لازال ينتظر. ومنذ صدور أول اعداد “مجلة أمل ” في سنة 1992، نكون قد انتقلنا من الفعل الجمعوي المباشر إلى الفعل الثقافي الهادئ، ومن حرارة المبادرة الميدانية إلى تأمل وصياغة الكلمة المكتوبة. وكأننا أدركنا في تلك اللحظة بالذات، أن الأفكار مثل المياه، إذا سُدَّ أمامها مجرى، بحثت عن مجرى آخر لمواصلة سيرها .

 وها أنا أكتب لك اليوم، ليس بلغة اللوم  بل بلغة التأمل، أكتب لأذكرك بما كان من محبة… صداقة… ثقة… تقاسم، ووعد بأن تكون الثقافة والتاريخ والمجتمع أعلى من أي سلطة فردية أو رغبة في التفرد، أكتب قائلا بأن تلك التجربة علمتني أن قيمة العمل الجاد لا تقاس بعدد المشاركين، بل بصدقهم والتزامهم بروح المشروع وبقدرتهم على احترام الآخر. وأن ما حصل  رغم مرارته – التي كُنْتَ أنت مصدرها – سيظل درسا حيا عن التضامن… عن الثقة… المسؤولية… عن الثمن الذي ندفعه حين ننسى الآخرين، أمام ذاتيتنا المفرطة. وأن أي مشروع ثقافي أو مدني هو في جوهره تجربة انسانية لا تستقيم الا بالجماعة والمحافظة عليها، قبل أن يكون اختيارا مغرقا في الفردانية .

وتبقى رسالتي – ستتبعها رسائل أخرى – صدى لتلك الأيام… التجربة… المرارة، وشهادة على ما جمعنا، ودعوة لكل من يريد أن يستمع اليها أو يتوقف عندها، أن يفكر  

[هل الأنا تتحكم بما هو أعمق من مجرد مشاريع؟ أم نستبعد الروح الجماعية التي جعلتنا يوما نصنع شيئا أكبر من أنفسنا؟]  

        طنجة في 13 مارس 2026

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!