من ساعي البريد إلى الإيميل
سعيد بوخليط
لم يكن ساعي البريد مثلما عاينتُ زمنه مجرّد موظّف عمومي عادي يؤدّي وظيفة يومية روتينية، بل هو رمز ارتبط خلال عهوده الزّاهرة ارتباطا شبه عضوي بمختلف جماعات الأحياء السكّانية، ينقل إليهم الرّسائل و الطّرود بمختلف أنواعها والاشعارات، كما يحيط بالتّفاصيل الكبرى لهويّات المنازل وتواريخ أفرادها وقصص أهلها، يستضيفه أهل الحيّ، يلج البيوت بعفوية دون تكلّف، يدعونه خلال المناسبات، وتقاسم الوجبات، بحيث ارتقت العلاقة معه إلى المستوى الأسريّ والعائليّ.
يستحيل على أجيال ماقبل المنظومة الرّقمية، عدم استحضار ذاكرة ساعي البريد وحكايات شتّى تختلف وتتباين مفعمة غالبا بسلوى الحنين، لكن تلتقي خيوطها عموما عند واقعة مفصلية اختبرها الجميع بحلاوتها ومرارتها، أفراحها وأتراحها، أقصد تحديدا فترات نهاية الموسم الدّراسي حينما تبعث إدارات المؤسّسات التّربوية نتائج التّقويم إلى أولياء وآباء التّلاميذ عبر خدمات ساعي البريد وقد وضعها ضمن محتويات تلك المحفظة الجلدية الصّفراء المهترئة على سلّة مقود درّاجته الهوائية أو النّارية.
يترقّب تلاميذ الحيّ بلهفة هذه اللّحظة المصيرية الحاملة لبشرى النّجاح أو الإخفاق ولا ثالث معهما. يدقّ ساعي البريد الباب، يطلب تحديدا الآباء ثم بعد ذلك الأمّهات كي يسلّمهما ورقة حصيلة أبنائهم الدّراسية.
بهذا الصّدد كم من مرّة احتال أحدهم خلال على ساعي البريد مستغلاّ ألفة العلاقة وتوطّد المودّة كي يحتال من أجل وضع يده على الورقة المصيرية قبل وصولها إلى الأب ثمّ يغيّر النّتيجة بقدرة قادر على طريقته من راسب إلى ناجح، أو يحتفظ بها سرّا. وقد شكّل فعل من هذا القبيل نزاعا حادّا بين أب اكتشف خداع ابنه الذي أخبره كذبا بنجاحه وبأنّ المدرسة لاترسل دائما الوثيقة إلى البيت والاكتفاء بإخبار التلاميذ شفويا، وساعي البريد السّي إبراهيم الذي ارتبط اسمه بالحيّ طيلة سنوات، معلوما حضوره لدى السّاكنة، منخرطا في تفاصيل يومياتهم.
تعلّمت أوّليات التّعبير الانشائي في سنٍّ مبكّرة نتيجة القراءة، لكن أساسا بفضل الرّسائل التي التمست منّي جدّتي باستمرار تدبيجها صوب جبهة الحرب إلى خالي الذي كان سنوات الثّمانينيات في الجيش، يغيب لفترة ستّة أشهر تقريبا ثم يعود في عطلة لخمسة عشر يوما وربّما أقل. أمتثل لطلبات جدّتي على مضض حقيقة دون إظهار ذلك أمامها، بحيث تغدو عملية الكتابة شاقّة أحيانا. تعتصرني متواليات التّعبير المناسب حسب تقديرها في خضمّ إلحاحها السّمعي الفطري على طريقتها رغم أمّيتها، وقد رغبت في تأويل أقصى شحنة عاطفية ممكنة تعكس أحاسيس ومشاعر أمّ تفتقد إلى ولدها، ويلزمني بقدراتي البسيطة استنساخ ذلك كتابة.
أنهي الرسالة بعد قراءتها وصياغة التعديلات المقترحة من طرفها على مستوى الحذف أو الإضافة. أطويها في ظرف أصفر أو أبيض، تمدّني جدّتي بنصف درهم كي أشتري من البريد طابعا وألصقه بلعاب لساني عند الزّاوية العلوية اليمنى للظرف ثم أضغط عليه بقبضتين قصد تثبيته، ولاينبغي التّغافل بتاتا عن تأثيث أسفله بالعبارة المتداولة خلال تلك الحقبة : شكرا ساعي البريد. ألقي بالرّسالة في الصّندوق البريدي، وأكمل طريقي منتصرا مزهوّا بالإنجاز.
بمناسبة ورود سياق الطّوابع البريدية، فقد شكّلت هواية أصيلة بالنسبة للكثيرين على مستوى التّجميع والتّوثيق.
لم يكن ساعي البريد فقط شخصا يؤدّي خدمة عمومية عابرة، لكنه إحدى مرجعيات أفراد الحيّ الضّرورية، وأكثر من ذلك مصدر أمل يتحقّق في يوم من الأيام بحيث يحمل حضوره إبّان أيّ صبيحة رسالة تنطوي على خبر سعيد يغيّر مجرى حياة شخص معيّن رأسا على عقب !كم الصّور التي تحضرني في هذا المضمار عن زملاء باغتهم هذا الرّجل بأجوبة إيجابية لم تكن متوقّعة عن نتائج اجتياز مباريات، الظّفر بوظائف، رحلات إلى الخارج، وغيرها.حينها لايغادر قبل احتفاله معنا في الحال بأقداح مشروب غازي أو تقاسم كؤوس شاي وحلويات؛ ابتهاجا بما جدث.
أيضا إذا كان الخبر غير سعيد ، يكون حضوره لدى المعنيّ بالواقعة على إيقاع نفس زخم الحالة السّابقة، حتى يخفّف عنه سرديا بقصص مشابهة لم تهزم أصحابها أو مجرّد إحباطهم.
بداية الالفية الثالثة، بدت معالم الرّقمنة أفقا محتوما. اكتشفت لأوّل مرة عوالم الحاسوب والأنترنيت تقريبا سنة 2002 فيما أذكر جراء حتمية كتابة أطروحتي الجامعية على مايكروسوفوت وورد،ثم أنشأت لأوّل مرة عنوانا إليكترونيا على بوّابة تطبيق ”كراميل”.أرسلت رسالة، فجاءني الجواب أسرع من طرفة عين : يا سلام ماهذا السّحر المبين !هل انقلب ساعي البريد الى جنّ من أتباع سليمان؟
هكذا تحوّل المسار كليّا صوب معطيات الاختراع الجديد،تراجع دور ساعي البريد شيئا فشيئا غاية انسحابه عن المشهد واكتفائه بالاندراج ضمن زمن تراثي مضى ولن يعود قط، لكن ذاكرته أبدية.
