خالي عثمان (1-2)

خالي عثمان (1-2)

   سعيد بوخليط

      كان أقرب أخوالي إلى قلبي صدقاً، خالي عثمان، بعد فترة تعارف قصيرة. غادر الرجل المنزل منذ أواخر الخمسينيات نتيجة شجار بسيط للغاية – مثلما يُحكى-  مع جدّي، بسبب عبارة ساخرة صدرت من فم الأخير، مضمونها حقيقة تحتمل معنيين حسب طبيعة مزاج سياق الحديث:

– “ما الذي تحتاج إليه أيّها العاري؟ خاتماً يا سيّدي”.

معنى مستفزّ نتيجة ملاحظة جدّي تزيين خالي لأصبعه بخاتم فِضّيّ لا غير، حسب رواية أمّي. خرج خالي غاضباً جرّاء العبارة السّاخرة ولم يعد سوى بعد مضي أربعة عقود، وتحديداً نهاية الثّمانينيات، وقد غمر الشّيب رأسه وصار شيخاً.

التقطتُ عنه أخباراً يسيرة طيلة فترة غيابه، أساساً من فم أمّي التي تحبّه وتضمر له مشاعر الامتنان؛ بحيث احتفظت بين تلابيب ذاكرتها برسوخ واقعة اصطحابها معه وهي طفلة صغيرة، مرتدية قفطاناً تقليديّاً، إلى سينما الحيّ لمشاهدة الفيلم الهندي الشهير “منغالا البدوية”. توطّد ذلك في ذهنها، واستعادت دائماً غيابه بشعور يغمره فرح ممزوج بالتحسر يشعّ من ملامحها؛ تستحضرها كي تقارن طبيعة خالي إبراهيم المتفتّحة والمتحضّرة مع أمزجة وشخصيات أخوالي الآخرين.

ترعرعتُ منذ صغري على سيرة هذا الخال الأسطوري، المختفي صدفة ودون أبسط مبرّر. بقي أفراد الأسرة ينسجون قصصاً وحكايات حول الغائب، ليس انطلاقاً من كونه الأخ الأكبر، بل أساساً لأنّ شخصيته طبعها التميّز والدينامكية؛ مما أضفى على ذكراه كاريزما تتضخّم وتضمحلّ حسب سياقات جلسات العائلة النّادرة والمشؤومة في نفس الوقت. لقاءاتٌ تنتهي غالباً بنزاع ينجم عنه جفاء طويل، نتيجة جملة أو كلمة وربّما نصفها، تلفّظ بها أحدهم تلقائياً وليست مقصودة في ذاتها؛ لأنّ ذكاءهم محدود ولا يعرف كيفيات توليف المجازات. هكذا، تجد التأويلات الخاطئة سريعاً طريقها نحو نزاعات تجمع بين الشّتائم وتفريغ المكبوتات والتّنفيس عن عُقَد سحيقة. تتفكّك أواصر عائلتنا من جديد، وتحدث قطيعة طويلة قبل عودة المياه إلى مجاريها، تحت تأثير دافع تافه لا يقلّ تفاهة عن سبب القطيعة.

خلال أحد أيام سنة 1987، عدتُ من المدرسة عشيّة إلى منزلنا، فصادفت مفاجأة مدوّية كالصّاعقة؛ فقد حلّ ضيف عندنا لم أعهده قط منذ وعيتُ بهوية معارفنا. كانت تجلس أمّي، التي بدأت أعراض المرض تكتسحها بكيفية ملحوظة، وبجوارها خالتي زهرة، ثم رجل غريب؛ أصلع، بوارب كثّ يخفي جانباً من شفته العليا المكتنزة، أبيض البشرة، وطويل القامة، غير أنّ تقوّس كتفيه الممتلئتين بطريقة مترهِّلة شكّلا عيباً ملحوظاً على انسياب طوله الفارع. يظهر شكله عموماً، ومن أوّل وهلة، بوضع اجتماعي مخملي.

– “مفاجأة غير متوقّعة! إنّه خالكَ إبراهيم الذي أخبرتكَ عنه باستمرار منذ صغركَ، حتماً تذكر مختلف أحاديثي بهذا الخصوص”، خاطبتني أمّي.

أحسستُ بثقل وهول المفاجأة فلم أعرف ماذا أقول. التفتتْ نحو الغريب:

– “إنّه ابني البكر، طبعاً غادرتنا قبل أن أتزوّج”.

تأمّلني الرّجل الأسطوري بنظرة عميقة انطوت على ابتسامة تحمل مختلف المعاني، ومدّ يده مصافحاً. حقيقة، بدا خجلاً أو ليس على ما يرام تماماً في بداية اللّقاء؛ بحيث استمرّ منزوياً إلى الصّمت، عكس ما يقتضيه زخم اللحظة، بينما واصلت أمّي وخالتي اجترار تلك الأحاديث المعتادة خلال مناسبة كلّ لقاء. إذن، لم يكن اللّقاء بالحرارة المفترضة من خال لم يرني سوى وقد بلغت سنّ السّابعة عشر.

بعد فترة صمت مريبة، بادرني بالسؤال الكلاسيكي:

– “ما مستواك الدّراسي الحالي؟”.

– “آخر طور التّعليم الثّانوي، يعني سأجتاز هذه السنة امتحان الباكلوريا”.

– “جيّد، وماذا تنوي القيام به مستقبلاً بعد النجاح إن شاء الله؟”.

– “أفكّر في الفلسفة، إنّها اللقاء الوحيد الذي أعطى معنى لمروري من هذا العالم”.

– “الفلسفة؟ يعني: سقراط، ابن رشد، ماركس، الشَّعر الكثيف، اللّحية، الجنون!” (يقهقه طويلاً).

أدركتُ على الفور بأنّ الأمور مستعصية عليه بعض الشّيء ولن نلتقي. استشرافٌ تأكّد بوضوح حينما أردف قائلاً:

– “ولِمَ لا تدرس العلوم السياسية، فهي أفضل بكثير”.

انتهت أول جلسة عند هذه الدّردشة اليتيمة. أخيراً رجع خالي بعد غياب طويل، ولقي بداية ترحيباً يليق حقيقة بمقام ذكراه العميقة والمترسّخة؛ فهو الأخ الأكبر الوقور، وقد غطى الشَّيب كل رأسه وشاربه، فأدرك حضوره من الوقار نصيباً وافراً.

ساد أرجاء الحيّ خبر عودته كالنار في الهشيم، لاسيما بين أفراد جيله وأصدقاء طفولته وشبابه قبل مغادرته، فأضحى منزل جدّتي لفترة معيّنة ملتقى الزّائرين والمهنِّئين من مشارب مختلفة قصد تقديم التّهنئة بمناسبة هذه العودة المباغتة، المنبعثة من غياهب العدم. فالشّخص الذي اعتقده الجميع —لاسيما معارفه القدامى— ميّتاً بدون قبر معلوم، قد انبعث ثانية من رماد مجهول كطائر العنقاء.

مكث خالي عثمان طيلة شهر تقريباً نكرة بدون هوية مكشوفة، لم يرغب بتاتاً في تطرّق أحد لسؤال غيابه ومكان اغترابه، بقدر ما يثير الاعتزاز والإعجاب عند مراهق مثلي؛ بحيث عثرتُ أخيراً على خالٍ يجسِّد عيّنة بشرية أحبّها كثيراً، ويمكنني الجلوس والتحدُّث معه دون الإحساس بالقرف. بدأت الأخبار تتناسل لدى الأصدقاء القدامى، وكلٌّ يجتهد وفق ما قدّره الله عليه.

انقضت بسرعة كرنفالات الاستقبال، ثم انطلقت مباشرة حرب الإشاعات والدّسائس التي تزعّمها خالي الثّاني “محمد”، الذي ظَلّ متسيّداً “رمزياً” على عرش الأسرة رغم عطالته الدّائمة. التجأ محمد للتحصين عبر اكتساء صورة الرّجل المهيب الجانب كسلاح دفاعي، قصد المحافظة على مساحة كبيرة من وقار الهيبة لإخفاء خوائه الباطني وشحّه النّفسي وعجزه الشخصي؛ فلا يتكلّم إلا نادراً، ولا يضحك سوى لماماً، ولا يتقاسم أبداً أحاديث طويلة، فما بالك بأسراره الشّخصية مع باقي الأسرة. غالباً ما يتناول وجبات طعامه وحيداً بوجه عبوس، ثم يصعد بسرعة إلى غرفته الصغيرة المتواجدة في الطّابق العلوي من المنزل الصغير الموروث عن الوالد، وقد اصطحب معه كأس قهوته السوداء —وفق عادته منذ وعيتُ حضوره— كي يرتشف جرعاته بهدوء تامٍّ، على إيقاع صوت يثير لدى مستمعه التقزّز، ويحشو صدره متأمِّلاً جدران وسقف غرفته على امتداد اليوم بمزيد من أبخرة التّبغ الأسود الرّخيص…

شارك هذا الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!