عمودية التأمّلات الشّاردة

عمودية التأمّلات الشّاردة

 سعيد بوخليط  

          التأمّلات الشّاردة المتّجهة صوب الأعلى، المشرئبّة نحو الارتفاع والقمّة، وتشير إلى قوام مختلف الأشياء المستقيمة، وتنحو بنا وجهة العمودية، من خلال الحلم بعيدا في عالم آخر، هي أحلام قد تخلّصت من الأسفل وألغته كي يستدرج بالحالم نحو قمّة تجسّد ملكوت القمم. يدرك، أخيرا، كنه القوى المتعالية ودوافع التّعالي التي ظلّت مكبوتة نتيجة ضرورات الحياة المشتركة والعامة ذات المنحى الأفقي.

جلوس منعزل بجوار لهيب شمعة أو قنديل، يمكِّنه من إدراك حيثيات العمودية المتخيّلة عير التأمّلات الشّاردة، مادامت الشّعلة خطّا عموديا وكائنا حيّا. يستلهم هذا الحالم دروسه وعِبَره من اندفاع الشّعلة نحو الأعلى ثم حتمية النّهوض من جديد: ”إنّها لحظة عظيمة، وكم هي جميلة الشّعلة عندما تحترق جيدا! كم تبدو الحياة ناعمة مع شعلة تتمدّد، وتنسلّ! هكذا تتداخل قيم الحياة والحلم”(1). تكشف الشّعلة عن مختلف مظاهر ودوافع التّعالي.

توخّى غاستون باشلار ضمن سياق هذا المقاربة لظواهر الشّعلة استبعاد الانشغالات المعرفية والتّجارب العلمية وكذا شبه العلمية، ويفضّل في المقابل البقاء ضمن نطاق وازع الخيال والتأمّلات الشّاردة الموصولة بإشراقات حالم منعزل. تحضر بقوّة شذرات نوفاليس حول عمودية شعلة تحيل على كل ماهو مستقيم وعموديّ في الكون، كما أنّ مختلف مايصعد يمتلك ديناميكية الشّعلة. تصوّر ينتقل بنا من مجال سيادة فيزيائية الوقائع إلى سيادة فيزيائية القيمة: ”النّور من يخلق النّار”، عكس دلالات الحسّ المشترك ومرتكزات الحياة اليومية عندما يوقد الشخص النّار كي يخلق النّور، هكذا تنزع صدارة الضّوء عن النّار قوّتها المعرفية المطلقة :”بالتّالي لاتأخذ النّار كينونتها الحقّة سوى عند منتهى مسار تصبح خلاله ضوءا، وقد تخلّصت من كل مادّيتها في خضمّ عذابات الشّعلة “(2).

تغيّر الشّعلة مجرى السَّببية، يتحقّق التطهّر في القمّة. تحرّض على التّعالي من خلال محرّك الضوء عبر اختبار معطيات الآفاق العمودية وتجاوز مرجعيات الواقع. إنّها خلاّقة، جوهر شعريّ حيّ، يتيح تأمّلها حدوسا شعرية تمكّننا من تقاسم حياة العالم المشتعلة. تحتاج هذه الشّعلة إلى حالم عميق ثمّ قارئ يقظ غير متسرِّع كي يتقاسم الحدس الملتهب للفيلسوف الشّاعر، حينها يدرك حقيقة أنّ الشّعلة منطلق الكائن الحيّ والحياة نار. يكتشف ماهية هذا الاحتراق عندما يتّحد مع الشّاعر. تتجاوز ذاتها كي تواصل الاحتراق، تحلّق فتأخذ اندفاعا جديدا يتجاوز دافعها الأول ويبتعد عنه:”بالنّسبة لحالم على طريقة نوفاليس بالشّعل التي أخذت طابعا حيوانيا، تصبح الشّعلة طائرا بما أنّها تحلّق”(3).

يستعيد غاستون باشلار مشهد طيور النّار،عندما تحقّق الشّعلة وجودها العُلْوي أو ما فوق  وجودها: ”تدعونني جدّتي وأنا طفل كي أعاين مشهد طيور النّار. لذلك، وأنا أحلم يوميا أبعد من أقوال الجدّة، اعتقدت بأنّ طيور النّار تلك تسكن عشّا في جوف الحطب، متوارية تماما تحت لحاء وخلف الحطب اللّيّن. لقد هيّأت الشجرة،حاملة الأعشاش، على امتداد نموّها عشّا حميما حيث تعشعش طيور النّار الجميلة”(4).   

أثناء لعب باشلار أمام موقد النّار، شاهد بين طيّات رؤى أحلامه طائر الفنقس وقد انبثق ثانية من رماده ودخانه.   

هوامش:

Gaston Bachelard,La flamme d’une chandelle ,(1961).Page :85.  (1)

(2) ibid. p :90.                                                                                               

 (3) ibid p : 99                                                                                                  

(4) ibid p :100                                                                                                     

شارك هذا الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!