الاحتفالية نصف قرن يتكلم

الاحتفالية نصف قرن يتكلم

د. عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام

        احتفاءً بالذكرى الخمسين لظهور البيان التأسيسي للحركة الاحتفالية، ينكب المبدع والمنظر والمؤرخ الاحتفالي، الأستاذ رضوان أحدادو، على مشروع فكري تحت عنوان: (الاحتفالية: نصف قرن يتكلم).

وبلسان مَن سيتكلم نصف قرن من التفكير الاحتفالي، ومن الإبداع الاحتفالي، ومن الاجتهاد الاحتفالي، ومن النضال الاحتفالي، ومن الاختلاف الاحتفالي، ومن التجريب الاحتفالي؟

بالتأكيد ستنطق الاحتفالية بلسان الاحتفاليين؛ لأن تاريخ الاحتفالية هو تاريخ الاحتفاليين، ليس في المدن المغربية فقط، بل في كل المدن والقرى العربية.

والأصل في هذه الاحتفالية هو أنها طريق فكري وجمالي وأخلاقي، وهذا الطريق الاحتفالي وجد يوم وجد الاحتفاليون، ويوم وجد التنظير الاحتفالي، والذي كان صرخة الإنسان في وجه الوحش، وكانت صرخة المواطن المدني في وجه الغاب وشريعة الغاب، وكانت صرخة الإبداع في وجه الاتباع، وكانت صرخة الحقيقة في وجه الواقع، وكانت صرخة الحب في وجه الحرب، وكانت صرخة الحياة في وجه الموت وتجار الموت. وفي رسالته، يقول الاحتفالي اليوم لكل من تهمه احتفالية الأرواح قبل احتفالية الأجساد، يقول له:

«لا تذهب إلى حيث يذهب بك الطريق، واذهب أنت بالطريق إلى حيث تريد أنت، وفكر بلغتك، واعلم بأن اللغة إذا لم تفكر بها فكرت بك، وقولتك ما لم ترد قوله. وكن نفسك ولا تكن غيرك، واعرف نفسك، وقل: “أنا احتفالي” بالصوت العالي ولا تبالي، وحدد لك أفقاً بعيداً وامشِ نحوه، وأسس مسرحك الذي يشبهك، وأعطِ لهذا المسرح اسماً من الأسماء، وامشِ إلى الأمام ولا تمشِ إلى الخلف، وكن في دفتر الأيام كلمة ولا تكن رقماً، وكن قائداً، وقد نفسك نحو نفسك، ولا تسمح لأي أحد أن يقودك إلى خارج نفسك، واستفتِ قلبك، وأنصت إلى الصوت الذي يأتيك من داخل نفسك، واختر طريقك الجديد، واعلم أن الطرق القديمة لا جديد فيها، وأن الأفكار المأتمية لا حياة فيها، ولا حيوية فيها، ولا احتفالية فيها».

وهذا الاحتفالي، في البحث عن كونه الاحتفالي وعن عالمه الاحتفالي، هو الذي قال عنه المسرحي السعودي عباس الحايك: «حين تلتقيه، تشعر بأنك تعرفه، بسيط ومتواضع، لا يميل للثرثرة واستعراض الذات. ولكنه على المنصة مسرحي يؤمن بأفكاره ويدافع عنها. كل المسرحيين أصدقاؤه حتى الذين للتو يخطون خطواتهم الأولى».

وفي ردي على واحد من رفاق الطريق الاحتفالي، والذي هو عبد السميع الاحتفالي- أي ذلك الطفل الذي يسمى بيننا جناح التامي، والذي لا يريد أن يكبر أو أن يشيخ، إيماناً منه بأنه لا وجود للشيخوخة في الزمن الاحتفالي- ولقد أكدت له في الرد عليه، على أننا ملزمون بأن نعرف بأن: «المشي في طريق الحياة هو الحياة، وبأن عشق الجمال فعل جميل، وبأن الرهان على الحقيقة هو نقطة البداية في مسار الحقيقة، وبأن أجمل كل الأيام، في مسار الأفراد والجماعات والمجتمعات، هو يوم العيد والاحتفال». ونحن في الاحتفالية حاربنا من أجل قيم إنسانية جميلة ونبيلة، وليس من أجل منفعة ولا مصلحة ولا من أجل منصب عابر، ونحن اليوم نعرف أن من حق المحارب الاحتفالي أن يستريح، ولكنه أبداً لن يستريح، وسنظل في هذه الأيام الجديدة نتأمل ونفكر ونكتب ونبدع ونشاغب إلى ما لا نهاية.

الاحتفالية: إصرار سيزيفي

ونحن في هذه الاحتفالية نفكر، وبالصوت العالي في الكلام دائماً نفكر، ونعبر عن أفكارنا بالكلمات وبالعبارات. ونحن في فعل الكتابة والقراءة نؤكد على الحقيقة البسيطة التالية؛ وهي أن كل الكلمات، في معجمنا الاحتفالي، تظل بريئة ومحايدة وشفافة، ونحن لا نحمّل هذه الكلمات ما لا يمكن أن تحتمل من الأحكام الأخلاقية. كما نؤكد على أن فعل الاحتفال الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بالاختلاف داخل الائتلاف، كما نؤكد على الحضور الذي يلغي الغياب، من غير أن يلغي الغائبين أو المغيبين، كما نؤكد على وجود النور الذي يبدد الظلام. وبذلك فقد اقتنعنا بأن كل الأحكام التي لحقت الاحتفالية والاحتفاليين هي أحكام باطلة وبلا معنى، وقد تفضح نفسية من أطلق تلك الأحكام، وقد تعكس درجة المعرفة ودرجة الأخلاق في سلوكياته أيضاً، ولكنها أبداً لا يمكن أن تكشف شيئاً في المنظومة الفكرية والجمالية والأخلاقية للاحتفالية.

لقد ميزت الاحتفالية بين الواقع والحقيقة، وأكدت على أنه إذا تعارض الواقع مع الحقيقة، فمن الضروري أن نسعى من أجل تغيير الوقائع في الواقع، وهذا هو ما سعى إليه الاحتفاليون في فكرهم وفنهم، وقد كان ذلك اقتناعاً منهم بأن الحقيقة مطلقة، وبأنها أبدية، وبأنه لا يمكن تغييرها.

ولقد رفضت الاحتفالية المذهبية في الفن، وقالت بأن الفن حرية، وبأن الفكر حرية، وبأن الحياة حرية، وبأنه لا إكراه في الوجود، ولا إكراه في الحياة، ولا إكراه في الفكر، ولا إكراه في الفنون.

وفي هذه الاحتفالية اختيارات أساسية وحيوية لا يمكن أن تكون موضوع خلاف أو موضوع اختلاف؛ لأنها تدخل في باب القيم الإنسانية العامة والكونية، وفي باب البديهيات والمسلمات، والتي تتجدد في كل الأزمان وفي كل الأمكنة بصيغ مختلفة، وذلك من مثل: التأكيد على إنسانية الإنسان، وعلى حيوية الحياة، وعلى مدنية المدينة؛ ومثل التأكيد على الحق في التعبير الحر للإنسان الحر في المجتمع الحر؛ ومثل التأكيد على “النحن” وعلى “الآن” وعلى “الهنا”؛ ومثل التأكيد على جماليات الفنون الجميلة؛ ومثل التأكيد على الفرح، وعلى الحق في الفرح؛ ومثل التأكيد على أن المسرح حفل واحتفال، وعلى أنه أساساً حوار ديمقراطي في المجتمع المدني الحر والديمقراطي.

وهذه الاحتفالية ما وُجدت لتزعج أحداً، أو لتغضب جهة من الجهات، ولقد وُجدت من أجل الاحتفال والتعييد، ومن أجل الفرح الجماعي. هي دعوة صادقة للتصالح مع الذات، وللتصالح مع الواقع، وللتصالح مع المكان، وللتصالح مع الزمان، ولإعادة قراءة الواقع وقراءة الوقائع اليومية قراءة احتفالية جديدة. ولا مكان للكلمات العدوانية في المعجم الاحتفالي، ولا مكان للكلمات التي تحمل اتهاماً معيناً.

الاحتفالية: هزة من هزات العصر

واعتقد أن الصدمة التي أحدثتها هذه الاحتفالية كانت صدمة قوية جداً، وهذا ما يفسر عنف ردة الفعل في الندوات والملتقيات وفي الكتابات النقدية المسرحية. وأفترض أن تلك العاصفة التي واكبت ظهور البيانات الاحتفالية الأولى لم تعد اليوم بنفس العنف، ولا بنفس القوة، ولا بنفس سوء الفهم التي كانت عليه في السبعينات من القرن الماضي.

وبالنسبة للذين راهنوا على فشل هذه الاحتفالية عند ظهورها، نقول لهم اليوم ما غاب عنهم بالأمس؛ وهو أنهم لم يعرفوا بأن هذه الاحتفالية هي عشق صوفي، وهي إصرار سيزيفي، وهي جهاد ومجاهدة، وهي كشف ومكاشفة، وهي إيمان بالكائن والممكن فقط، وأنه لا وجود لكلمة مستحيل في معجمها، وهي بهذا لا تؤمن بوجود فعل يمكن أن يسمى الفشل؛ وكل خطأ في فعل التجريب الاحتفالي هو مجرد تنبيه فقط من داخل ذات المفكر المبدع، وهو يقول له، بغير كلام طبعاً: «هذا الفعل خطأ، فجرب غيره، وأعد المحاولة مرة أخرى، وابدأ من الصفر». والفاشلون هم الذين لا يحاولون مرة ثانية ومرة ثالثة ومرة سابعة ومرة عاشرة.

والذين راهنوا على موت الاحتفالية لم يعرفوا طبيعتها ولا حقيقتها، وهي في شرعها لا تؤمن بالموت، وهي بهذا وجود بلا عدم، وهي في فكرها وفنها وتطلعها تثق في الإنسان، وتثق في عبقرية الإنسان، وتثق في حيوية الحياة، وتثق في التاريخ الذي ينصف المجدين والمجتهدين.

ونحن في هذه الاحتفالية لم ندخل المسرح ليكون مهنتنا، ونحن في هذا المسرح لا نبحث فيه عن مصدر من مصادر الرزق، ولكن لأنه فقط حياتنا الأخرى؛ حياتنا الأكثر صدقاً ومصداقية، والأكثر جمالاً وجلالاً، والأكثر إقناعاً وإمتاعاً، والأكثر صفاءً وشفافية.

ولقد صاحب ظهور هذه الاحتفالية ضجيج كبير، ولم يكن هذا قصد الاحتفاليين، والذين كان همهم، في المقام الأول، هو أن يكون لهذه الاحتفالية عقل يفكر، وأن يكون لها صوت يُسمع، وأن يكون فيها صمت ينطق، وأن يكون لها في الحياة اليومية صدى، وأن يكون لها جسد حي يتحرك، وأن تكون لهذا الجسد ظلال فكرية وجمالية حية ومتحركة.

ولقد جاءت هذه الاحتفالية في زمن الصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب، وجاءت في زمن الهزات الفكرية والعلمية والفنية التي تشكلت في تيارات أبرزها: التيار الوجودي، والتيار العبثي، والتيار السوريالي، والتيار المستقبلي، وتيار الواقعية الاشتراكية. ولقد قرأت هذه الاحتفالية كل الأفكار الثورية التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية، وصاغتها في كتاب أعطته عنوان: (الاحتفالية وهزات العصر)؛ والهزات التي تهم الاحتفاليين هي الهزات العلمية والفكرية والاجتماعية والسياسية التي غيرت الإنسان المعاصر، وغيرت علاقته بذاته، وبغيره، وبالفن، وبالفكر.

ويبقى أن الرهان الأكبر في الاحتفالية هو الرهان على الإنسان- أي الإنسان الجميل والنبيل تحديداً، والإنسان الفاعل والعامل، والإنسان العاقل والحكيم- والرهان أيضاً على أن يحيا هذا الإنسان الجميل في الفضاء المدني الجميل، وأن يرتبط بعلاقات إنسانية جميلة، وأن يتم كل ذلك في المؤسسات الاجتماعية والفكرية والعلمية والسياسية والتربوية الجميلة؛ وهذا ما يفسر أن يذهب الاحتفالي في (الرحلة البرشيدية) للبحث عن المجتمع الاحتفالي، وعن المدينة الاحتفالية، وعن المواطن الاحتفالي في الكون الاحتفالي.

وجاء الاحتفالي في موعده

ونصف القرن هذا ابتدأ بيوم ربيعي من سنة 1976، وكانت البداية مجرد فكرة واحدة، وكانت هذه الفكرة الواحدة هي أم كل الأفكار التي سوف تأتي بعد ذلك؛ وهي فكرة عنوانها الاحتفال، وفلسفتها التعييد، وموضوعها الإنسان، وبيتها المسرح.

وفي هذا المعنى، يقول الاحتفالي في حواره مع عباس الحايك: «ككل البدايات، تبدأ الأشياء غامضة، ملتبسة. بعدها تتضح الصورة، ويمكن أن أقول إنني بالأساس أحمل وعياً احتفالياً بالوجود، وأرى الحياة عبارة عن مسرح، هكذا هو تصوري. وكما يقول شكسبير: “العالم مسرح كبير”».

وهذا الاحتفالي لم يكن في بداية الطريق الفكري والجمالي يملك شيئاً من غير رؤيته الاحتفالية، وغير حسه الجمالي، وغير ثقته في نفسه، ولذلك فقد قال:

«أحببت كل الفنون المؤسسة للمسرح؛ أحببت الشعر وأغرمت باللغة العربية، أحببت التشكيل ورسمت، وكنت شغوفاً بالحكي الشعبي وبالحكواتيين، وأغرمت بالسيرك وألعابه، والسينما. ومع الأيام وجدت أن كل هذه الفنون يجمعها فن واحد هو المسرح، واكتشفت أن أساسه النصوص المسرحية المكتوبة التي كتبها كتاب مسرحيون كبار، فتولد عندي عشق للقراءة. قرأت بنهم شديد المسرح اليوناني، والإنجليزي، والكوميديا دي لارتي، وصولاً إلى المسرح الحديث والمسرح العربي، ووجدت نفسي بعدها أمارس المسرح وأدرسه من خلال الورش والتدريبات».

«كانت رسالتي الجامعية بعنوان (نحو تأصيل المسرح العربي) 1970م، ومنذ ذلك اليوم وأنا مسكون بفكرة إعطاء الهوية للمسرح العربي. كانت المسرحية التي شكلت بداية تاريخي المسرحي هي (عنترة في المرايا المكسرة)، وكتبتها بعد النكسة وحملت هموم الإنسان العربي، وكانت استجابة للحزن الذي شمل كل الأمة، لذا كانت تملؤها السوداوية. بعدها كونت فرقة في مدينة الخميسات بداية السبعينات، ومعها أخرجت أعمالاً مسرحية عربية وأجنبية، وقدم لي المسرح الوطني المغربي (فرقة المعمورة) نصي الأول (عنترة في المرايا المكسرة) وشاركت في المنستير بتونس، بعدها تسنى لي السفر إلى عدة عواصم عربية: دمشق، بغداد، طرابلس بمسرحيات أخرى، بعد ذلك وجدت نفسي متورطاً في هذا الحلم الاحتفالي الجميل».

آخر الكلام

ونحن اليوم إذ نحتفي- وبشكل رمزي- بهذا المنجز الفكري والجمالي في تاريخ المسرح المغربي والعربي، فإننا نحتفي بلا طبول، وبلا مزامير، وبلا رسميات، وبلا ضجيج إعلامي، وبلا خطب إنشائية لا تقول شيئاً. وبهذا يكون الاحتفال الفكري والوجداني والروحي أبلغ وأصدق من الاحتفال بالأضواء، وبالظلال، وبالأصباغ، وبالأزياء، وبالغناء. وهذه هي الاحتفالية الحقيقية بكل تأكيد، والتي تنطق فيها الحياة لغة الحياة، وتنكتب فيها فلسفتها العيدية كتابة حيوية، والتي تتكلم فيها العقول لغتها الفردوسية. [أشرف المرادي]

لقد قلنا كلمتنا في مسرحنا، وأسسنا مسرحنا الذي قال كلمتنا، وسجلنا موقفنا الفكري والسياسي في حياتنا وفي حياة مسرحنا، وقلنا وكتبنا كل ذلك الذي كان ينبغي أن يُقال وأن يُكتب، ولقد قلنا لكل من يهمه الأمر بأن كل ما أعطيناه، لحد هذا اليوم، من فن ومن فكر ومن إبداع جمالي، لا نرتجي من ورائه اليوم جزاءً ولا شكوراً.

إن الاحتفالية ضد المذهبية، وضد النخبوية، وضد الشعبوية أيضاً، وهي صوت الحياة وصوت الحيوية، وهي صوت الإنسان وصوت الإنسانية، وهي صوت الحق وصوت الحقيقة، وهي صوت الجمال وصوت الجلال.

ويبقى السؤال: هذه الاحتفالية من أين أتينا بها؟

نحن أتينا بها منا، وهي عنوان وجودنا، وهي عنوان حياتنا، وهي عنوان ثقافتنا، وهي عنوان عبقريتنا ونبوغنا. ولقد سبقنا السابقون إليها، ولقد أخذناها عن رواد الحركة المسرحية في المغرب؛ عن الطيب الصديقي، وعن أحمد الطيب العلج، وعن محمد حسن الجندي، وعن عبد الله شقرون، وعن رواد الحكي الشعبي، وعن الاحتفالية الشعبية في الأسواق الأسبوعية وفي المواسم السنوية.

والاحتفالي لا يقفز على البدايات المؤسسة في الفكر والعلم والفن، وهو يبدأ بحثه دائماً من قاعدة الهرم وليس من قمته، وهذا هو ما يبرر أو يفسر أن يوجد الحكواتي الشعبي في المسرح الاحتفالي؛ عند الطيب الصديقي في (ديوان سيدي عبد الرحمن المجذوب)، وعند العلج في (قاضي الحلقة)، وفي مسرح عبد الكريم برشيد في (عنترة في المرايا المكسرة) 1970، وفي مسرحية (الحكواتي الأخير) مع شخصية (حربة الفاسي)، وصولاً إلى (الملك حالوق المراكشي).

ويبقى لهذا الحديث بقية.

شارك هذا الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!