ملاحقة نقدية حول قصص “ليموزين” صخر المهيف

ملاحقة نقدية حول قصص “ليموزين” صخر المهيف

 اسماعيل طاهري

1 – أتحفنا الكاتب المغربي صخر المهيف بمجموعة قصصية ثالثة (الليموزين*) استغرق في كتابتها 21 سنة (2004-2025) ليرصد من خلالها قصص تجارب إنسانية مأساوية بلمسة/ لغة إبداعية تستند الى تكسير كليشيهات البنية السردية التقليدية وتجاوز الحكي  الكرونواوجي للأحداث ورصد مواقف ولمحات من الحياة المعاصرة والسخرية من تفاصيلها الغريبة وتناقضاتها الصاخبة.

13 نصا قصصيا قصيرا يرصد تحولات المعذبين في الأرض من خلال ثمات ترصد تمزق الإنسان المعاصر وانفصاله عن الوعي بالواقع الموحش الذي يجعله مستلبا ومغتربا منسحقا الى حد فقدان حياته للمعنى بوصفه شرطا للوجود، ووصل الى درجة الى عدم تقدير لحظة وقوفه أمام وردة جميلة عندما تقدم هدية لامرأة من شريك عاشق، فتردها في وجهه وتتحول الى برسيم خروف ينقاذ مع صحبه نحو الهاوية المحتومة ليلة العيد الكبير(الفلنتاين). وما يعزز هذا الإنسحاق اليومي في اليومي هو فقدان علاقة حميمية للمعنى الجمالي المفترض فيها (قصة التهامي). أوفقدان الوعي ” التاريخي” والسقوط في التقليد الأعمى ( قصة كوادالوبي) أوالتسلق الطبقي الموغل في الرعب الى حد التنطع لإدخال الليموزين في أزقة الحي الشعبي/ الكاريان على وزن إدخال الفيل في خرم الإبرة (قصة الليموزين)

2- عودة الحكي وشحه:

عودة الحكي هو الانطباع الذي تولد لدي في القصتين الاخيرتين من المجموعة: (الجنازة (2025)- الجثة(2025)) وكذلك في قصتي “الغر والجميلة” و”الليموزين” اللتين تبدأبهما المجموعة القصصية..

أعتبر أن قوة القصة/ الحكاية هي التي تجعل القصص خالدة. صحيح ان اللغة لها أهميتها وسلطتها التي تخفى، وتتجسد أساسا في الأسلوب.والرؤية السردية، لكن صنعة الحكي وذربته لهما أهمية بالغة، مما يرشح القصة ناجحة. ولا يمكن نسيانها بسرعة لأنها تحمل طاقة إبداعية خلاقة. وقد تكون عنوان مرحلة جديدة في تاريخ السرد. مثل قصة معطف غوغل.

قوة الحكاية وهولها في قصة “الجثة” مثلا تمنحها هذه الطاقة الإبداعية التي تجعل فقرتها الأخيرة قصة قصيرة جدا داخل قصة قصيرة. ومما زاد من جمالها توازي ارتباك الشخصية وارتباك اللغة: عندما تسحب المرأة الملقاط بعد صغطها على أذن الجثة ويتطاير الدم مشفوعا بصرخة مدوية في الأعالي، فتتجمد المرأة وتسقط أرضا أمام هول مشهد: اندفاع الجثة عارية خارج التابوت بقوة خارج الغرفة مدرجة في دمائها” لا تلو على شيء”.

واذا توقفنا عند قصة “الإستمارة” نجدأنها ها قصة مليئة بالرموز والمعاني. تحمل نفسا مسرحيا يتمثل في حضور الحوار والمشاهد، في خضم اقتصاد/ شح في السرد. قصة نقترب من خلالها من واقع الإنسحاق اليومي للمعلم في البادية المنسية. ولكن القصة تحرضنا على الإنصات الى نبض المعاناة وحكيها بجمالية (يحرضنا من خلالها السارد) على إدانة تفاصيلها المملة.

شح الحكي والسرد قد يغريني كقارئ بوصف هذه القصة بالقصة القصيدة. فهي لوحة شعرية من الجمل القصيرة في حوار مشهدي لا ينتهي بين مدرس وعشرات الاطفال/ المتعلمين وما يتضمنه من غرائب وعجائب السؤال والجواب في تفاعل تربوي لا ينتهي.

قصة الإستمارة تؤشر على جزالة اللغة وقوة الأسلوب وذربة الأخذ بناصية اللغة العربية التي يتملكها الكاتب بتميز جدير بالتسجيل والتنويه.

***

3 – الاحتراق النفسي للشخصيات:

أصر سارد الليمويزين على تعذيب الشخصيات وأول اشارة تبدو لنا تتعلق بهامشية مختلف الشخصيات وانتمائها الى العالم السفلي للمجتمع. القليل منها ينتمي فقط الى الطبقة الوسطى. أما الطبقة العليا فهي غائبة تماما ولا ترصد قصص الليموزين أي بعد اجتماعي لها. فنصوصها تقترب من المجتمع السفلي وتعكس مشاهد من” قاع الخابية”.

فالشخصيات متعبة ومطحونة بحكم الواقع الموحش التي تعيش فيه مما جعلها ضحية احتراق نفسي وانسحاق يومي يجعل هذه الشخصيات غير قادرة على تملك سبل تطوير ذاتها للخروج من عنق الزجاجة. وحتى إمكانية ارتقائها الإجتماعي تبقى صعبة المنال فأحلامها البسيطة صارت منكسرة.

تركز قصص المجموعة على بؤر حدثية قصيرة من حياة شخصيات مليئة بالفداحات.

إن تركيز السارد على تشظي النسق الإجتماعي وتجاوز سننه، يجعلني كقارئ “غير نموذجي أحاكم هذه الأقوال والأفعال التي تسقط فيها الشخصيات التي في الأصل تدفع ثمن واقع مفروض عليها من خلال نسق نظام عام غير منصف: سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

والسارد يصر على التركيز على بؤر حدثية قوية تجعل “اللغة الواصفة” بتوصيف رولان بارت عاجزة عن رصدها ببساطة، لذلك نجد هيمنة للجمل الفعلية الطويلة والمتداخلة الى درجة الإيهام بالركاكة وصعوبة وضع علامات الترقيم. وهذا يجعل القارئ يتذوق عذابات الشخصيات واحتراقها النفسي.، ويكاد يفقد أعصابه أو يغمى عليه حتى.، فالسارد كان قاسيا الى حد كبير في تعذيب الشخصيات.

أنا لا أتهم الكاتب بالتعذيب الفني للشخصيات لأن تجربته في الكتابة تبتعد على اعتماد “البطل الإيجابي” لأن رولان بارت قال بموته بمجرد انتهاء فعل الكتابة. ولو بقي الكاتب حيا لسألناه. ولكنه سيتحول بقدرة ياوس وإيزر في نظرية التلقي الى قارئ حقيقي أو مفترض أو نموذجي في أحسن الأحوال. وسيكون رأيه رقما في استمارة أفق الإنتظار التي تعدها مختبرات جماليات التلقي والتأويل اذا قدر لمجموعة “اليموزين” أن تدخلها يوما ما.

***

ملاحظة: أحرض القراء على قراءة المجموعة قصصية “الليموزين” الصادرة في طبعتها الأولى عن دار الوطن 2025 (الرباط). وهي معروضة للبيع في مكتبة الألفية بالرباط وعدة مكتبات بمدن أصيلة وطنجة وفاس.

*كلمتي خلال حفل توقيع مجموعة ” الليموزين” بدار الشباب مدينة أصيلة مساء السبت 23 ماي 2026 الى جانب القاص والناقد أبو الخير الناصري وذ. المصطفى البعليش وذة. رشيدة بوزفور بحضور الكاتب صخر المهيف.

_____________________________________________________

* (الليموزين صادرة عن دار الوطن الرباط .ط1 -2025)

شارك هذا الموضوع

اسماعيل طاهري

كاتب وباحث من المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!