“السرد والصورة”: رهانات التجريب والتحولات الجمالية في المشروع الإبداعي لمحمد اشويكة

“السرد والصورة”: رهانات التجريب والتحولات الجمالية في المشروع الإبداعي لمحمد اشويكة

متابعات:

           شهدت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، صباح الأربعاء 20 ماي 2026، تنظيم ندوة وطنية في موضوع: “السرد والصورة”، احتفاء بالتجربة الإبداعية والنقدية للقاص المغربي محمد اشويكة، وذلك بمبادرة من فريق البحث في القصة والصورة، التابع لمختبر السرديات والخطابات الثقافية، وبمشاركة ثلة من الأساتذة والباحثين، والنقاد، وطلبة الدراسات العليا المهتمين بالسرديات وتحولات الكتابة القصصية المغربية المعاصرة.

احتضنت قاعة المحاضرات عبد الواحد خيري هذا اللقاء العلمي، الذي انفتح على أسئلة العلاقة بين السرد والصورة، وعلى رهانات التجريب القصصي المغربي، في سياق أكاديمي سعى إلى مساءلة التحولات الجمالية والفكرية التي عرفتها القصة القصيرة المغربية، مع الوقوف عند منجز محمد اشويكة بوصفه تجربة سردية ونقدية وبصرية، راكمت اشتغالا متعددا على اللغة، والصورة، والتخييل، والعتبات، والكتابة الترابطية …

افتتحت الندوة بجلسة ترأسها الأستاذ إدريس قصوري، تلتها كلمات مؤسساتية أكدت أهمية الانفتاح على الأسئلة الجديدة في البحث السردي والثقافي. وفي هذا السياق، شددت عمادة الكلية على أهمية اللقاءات العلمية التي تفتح الجامعة على قضايا الأدب المغربي المعاصر، وتمنح للبحث الأكاديمي إمكان مساءلة التحولات الجمالية الراهنة داخل الأجناس الأدبية والفنية.

وقد أبرز في هذا السياق الأستاذ قاسم مرغاطا، في كلمة شعبة اللغة العربية وآدابها، ومختبر السرديات والخطابات الثقافية، وفريق البحث في القصة والصورة، أن موضوع “السرد والصورة” يندرج ضمن الأفق العلمي المتجدد الذي تسعى الشعبة إلى ترسيخه، عبر تشجيع البحث النوعي، والانفتاح على أسئلة الفن والثقافة واللغة، مؤكدا أن الاحتفاء بتجربة محمد اشويكة يندرج ضمن وعي أكاديمي يروم إعادة الاعتبار للقصة القصيرة المغربية، بوصفها فضاءً جماليا وفكريا يسهم في تجديد الرؤية إلى العالم واللغة والذات.

انطلقت أشغال الجلسة العلمية الأولى التي ترأسها الأستاذ عبد العالي السراج بمداخلة الأستاذ محمد محي الدين، الموسومة بـ “النص والهامش: التوثيق، الأسلبة، والقناع، في مجموعة الݣراطيط”، حيث توقف الباحث عند العتبات البصرية والرمزية للمجموعة القصصية، مركزا على دلالات الغلاف والألوان والرموز التعبيرية التي تؤسس لعالم غرائبي ساخر، كما أبرز البعد التوثيقي للنصوص من خلال تشخيصها لفئات اجتماعية متعددة، تتحول داخل المتن السردي إلى مادة أنثروبولوجية تكشف تناقضات المجتمع وتحولاته. ووقف المتدخل أيضا عند الأسلبة الخاصة التي يشتغل وفقها النص، من خلال التكثيف اللغوي، والجمل القصيرة، والسخرية السوداء التي تجعل الكتابة أداة لتفكيك الواقع والكشف عن مفارقاته.

أما الأستاذ أحمد بلاطي، ففي مداخلته المعنونة بـ “العنوان بوصفه جهاز قراءة: مدخل لقراءة مشروع اشويكة النقدي”، فقد تناول العنوان باعتباره عتبة دلالية تؤسس أفق التلقي، وتوجه فعل القراءة منذ اللحظة الأولى. وبيّن أن المشروع النقدي لمحمد اشويكة يكشف عن تحول نظري، يتدرج من مساءلة البنية إلى مساءلة الصيرورة، ثم إلى مساءلة شروط القراءة ذاتها، معتبرا أن العناوين الفرعية في ثلاثيته النقدية تؤدي وظيفة تنظيرية دقيقة، لأنها تضبط زاوية النظر، وتكشف تطور الجهاز المفاهيمي الذي يحكم اشتغال الكاتب على السرد والنقد.

 وفي مداخلة بعنوان “تشكل القصة المغربية الحديثة: محمد اشويكة نموذجا”، توقف الباحث عزيز العرباوي، عند موقع القصة القصيرة في التجربة المغربية الحديثة، مبرزا أن ”محمد اشويكة” يكتب القصة بوصفها أداة نقد اجتماعي وثقافي، تستثمر التخييل من أجل مساءلة السلوكيات والقيم والاختلالات المجتمعية. وأوضح أن تجربة المحتفى به تنخرط في تحديث الفن القصصي عبر تجاوز الأشكال التقليدية، والبحث عن صيغ سردية جديدة تتقاطع فيها الرؤية الفكرية بالاشتغال الجمالي.

من جهته، قدم الأستاذ ”نور الدين الخديري” قراءة فلسفية في كتابي: “تيه في الألوان” و”الواو”، تحت عنوان “فلسفة التذوق بالعين في جماليات الصورة”. وانطلقت المداخلة من مساءلة مفهوم التذوق البصري بوصفه ممارسة فكرية وجمالية، تتجاوز الرؤية المباشرة نحو بناء تأويل للصورة. وأبرز الباحث أن الصورة عند ”محمد اشويكة” تتحول إلى نواة تخييلية تنتج السرد، بحيث تصير العين فاعلا تأويليا يكتب المرئي والغياب والزمن والمعنى في آن واحد.

أما الجلسة الثانية، التي سيرتها الأستاذة مريم السعيدي، فقد واصلت مساءلة التجربة السردية لمحمد اشويكة من زوايا متعددة. وتوقفت الأستاذة فاطمة الزهراء زكي عند “خطاب العتبات في مجموعة خرافات تكاد تكون معاصرة”، محللة الوظائف التأويلية التي تؤديها العناوين والهوامش والعناصر البصرية في توجيه القراءة وبناء أفق التلقي.

وفي مداخلة “الحجاج في القصة القصيرة المغربية: دراسة في مجموعة القردانية”، أبرز الباحث محمد ماسكي أن القصة القصيرة تؤدي وظيفة جمالية وحجاجية في الآن نفسه، إذ يوظف الكاتب مختلف الآليات البلاغية والسردية من أجل بناء خطاب إقناعي يستدرج القارئ إلى تبني رؤية النص ومواقفه الفكرية. كما أشار إلى أن تحقق الحجاج داخل النص التخيلي، يتم عبر تضافر الشخصيات، والفضاء، والحوار، والبناء الزمني.

سبر ت مداخلة الباحث محمد الدهبي، المعنونة بـ “آليات الكتابة الرمزية والواقعية في همس الآلهة ودرجات من واقعية غير سحرية” التحولات الجمالية في تجربة ”محمد اشويكة” السردية. وبيّن أن مجموعة “همس الآلهة” تفكك المقدس عبر تحويل الآلهة إلى رموز لقوى معاصرة ترتبط بالتكنولوجيا والاستهلاك، ضمن رؤية فلسفية نقدية تستثمر اللغة الرمزية المكثفة، وتعدد الأصوات، والصراع القيمي. وفي المقابل، أوضح أن “درجات من واقعية غير سحرية” تقدم شكلا جديدا من الواقعية ينطلق من اليومي والهامشي، ويكشف القلق الوجودي وتفكك الذات المعاصرة، معتمدا على تداخل الأزمنة وتعدد وجهات النظر السردية. كما أكد الباحث أن التكنولوجيا أصبحت عنصرا مؤثرا في تطوير الكتابة القصصية، وأن تجربة محمد اشويكة تمثل انتقالا من الرمزية الميثولوجية إلى الواقعية التأويلية داخل السرد المغربي المعاصر.

اختتمت المداخلات العلمية بورقة للأستاذ عبد الحكيم جابري بعنوان: “محمد اشويكة ورهان القصة الترابطية: نحو شكل جديد للسرد المغربي”، حيث تناول مفهوم “القصة الترابطية” بوصفها أفقا جديدا في الكتابة السردية، يقوم على تداخل النصوص والوسائط والروابط التأويلية. وقسم مداخلته إلى ثلاثة محاور تناولت السياق الأدبي والنقدي لنشوء القصة الترابطية، والمفهوم النظري والجمالي لهذا الشكل السردي، ثم أثر مشروع محمد شويكة في تطوير المشهد القصصي المغربي المعاصر. وأكد الباحث أن هذا المشروع يفتح القصة المغربية على إمكانات سردية جديدة، تتقاطع فيها التكنولوجيا بالكتابة والتلقي.

عرفت الندوة نقاشا علميا موسعا بين الباحثين والحضور، تمحور حول تحولات القصة القصيرة المغربية، وأسئلة الصورة والتخييل، ووظائف السخرية والرمزية، وعلاقة الأدب بالتكنولوجيا، إضافة إلى رهانات الكتابة الترابطية وآفاقها داخل السرد العربي المعاصر.

وفي ختام اللقاء، ألقى القاص محمد شويكة كلمة عبر فيها عن امتنانه للجهات المنظمة وللباحثين المشاركين، معتبرا أن هذا الاحتفاء يمثل لحظة ثقافية وإنسانية تعيد الاعتبار لفعل القراءة والحوار النقدي، وتؤكد أهمية الجامعة المغربية في مواكبة التحولات الإبداعية والفكرية المعاصرة.

كما تخلل الندوة حفل توقيع لإصدارات المحتفى به، شكل مناسبة للتواصل المباشر بين الكاتب والقراء والباحثين، ولتعميق النقاش حول منجزه السردي والنقدي والبصري، في أفق ترسيخ ثقافة البحث في القصة المغربية الحديثة وأسئلتها الجمالية المتجددة.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!