بورخيس: الأعمى البصير في متاهات الشرق (2-2)
المعطي قبال
(…) انجلى بشكل واضح مفهوم الشرق بفضل الحداثة التي كسبها مفهوم الاستشراق. «مع ترجمة الليالي دخل الغرب في الحداثة» يقول بورخيس.
حكاية الحكيم المقنع
يورد بورخيس أربعة مصادر « اعتمدها » لكتابة حكاية النبي المقنع:
1– التجميع الذي أنجزه البلاذري لتاريخ الخلفاء* *
كتاب فتوح البلدان: يتناول الفتوحات الإسلامية وتاريخ الدول الإسلامية.
كتاب أنساب الأشراف: يهتم بأنساب العرب والقبائل الإسلامية.
2– كتاب الدقة والمراجعة للمؤرخ الرسمي للعباسيين، ابن أبي الطير طرفور. هذا المرجع منتحل ولربما ابتكره بورخيس للتمويه.
3 -* المرجع الثالث هو مخطوط «إبادة الوردة»
* إبادة الوردة وبه تنفيذ للهرطقات الفظيعة التي يتضمنها كتاب «الوردة الغامضة»، أو “الوردة المخفية” الذي كان الكتاب المقدس للنبي. (هذا المرجع منتحل ومن محظ خيال بورخيس).
4– قطع نقدية من دون صورة عرضها المهندس أندروسوف خلال أشغال تسوية للأرض من أجل السكك الحديدية لترانسكاسبيان . تم إيداع هذه القطع بمكتب النقود بطهران. تتضمن هذه القطع مقاطع فارسية تلخص أو تصحح بعض المقاطع من إفناء الوردة. فيما اختفى النص الأصلي. أما المخطوط الذي عثر عليه عام 1899 وتم نشره من دون أية عناية فقد اعتبره كل من هورن وسير بيرسي سيكس منتحلا. يرجع الفضل في شهرة النبي بالغرب إلى قصيدة شعرية ألفها مور، ثرية بالتنهدات والحنين من طرف متآمر إرلندي. المعلومات الواردة هنا أغلبها منتحل.
لذا فإن التاريخ بحسب بورخيس ملغوم بالانتحال و بـ “الكذب الحقيقي» على حد تعبير أراغون. التاريخ حكي، تخيلات، أو بتعبير أكاديمي، «تاريخ بديل» أو افتراضي. Uchronie، وهو “جنس يقوم على مبدأ إعادة كتابة التاريخ بدءا من تغيير الماضي“.
ديانة الحكيم
ديانة الحكيم تدور حول إله شبحي بلا أصول، بلا اسم وبلا وجه. تلقي هذه الديانة بظلالها التسع على العالم. يؤمن أتباع الحكيم بحياة كلها ورع ويعتقدون في موت جائر كعلامة على إيمانهم. تتضمن الممارسات الدينية تحت سيادة الحكيم مظاهر متناقضة مثل العفة والفجور في آن واحد وكلها سبل تفضي إلى الفضيلة الرئيسية ألا وهي الرعب.
في نهاية المطاف خانه أتباعه بعد أن نزعوا منه القناع الذي كان يحجب وجهه المجذوم.
زرع بورخيس في أرجاء الحكاية وفي ثناياها الكذب والتمويه. وبما أن النبوة لا تتوافق والكذب فإن مآل المموه هو الموت. بعد أن اكتشف أنصار الحكيم أنه كذاب ومتحايل، ما كان منهم سوى نزع قناعه وقتله. لم يساير الأتباع الحكيم في لعبة الكذب والحقيقة وفي جدليتها المميتة. وسنجد بعد قرون من الزمن “أتباعا” للحكيم يؤمنون بهذه اللعبة ومن بينهم فرديريك نيتشه القائل « يتضمن الكذب الكثير من الحقيقة أكثر مما تتضمنه الحقيقة ذاتها. فالحقيقة كذب والكذب حقيقة ».
لأخذ فكرة وافية عن انعراجات مسار الحكيم المقنع وتركيب بورخيس لفضائه الهلامي، ترجمنا هنا فقرة مطولة من قصة « الصباغ المقنع حكيم ميرف »: في العام 120 هجرية الموافق في التقويم الصليبي لعام 736، ولد الحكيم ، الذي لقبه فيما بعد رجال زمانه بالمقنع، ولد بتركستان. لكن بلده الأصلي كانت مدينة ميرف القديمة التي تطل حدائقها وحقول عنبها، تطل بحزن على الصحراء. نشأ الحكيم في هذه المدينة الخاملة. نعرف أن عمه علمه فن الصباغة: وهي حرفة الكفار، حرفة المزيفين والحيارى والتي علمته اولى المصائب في حياته المهنية الثرية: وقد صرح: « وجهي من ذهب ، لكنني دهنته باللون الأحمر وفي الليلة الثانية غطست الصوف غير المندوف وخلال الليلة الثالثة بللت الصوف الذي تم إعداده، ولا زال اباطرة الجزر يتخاصمون هذه الثياب الملطخة بالدم. هكذا اقترفت الخطايا إبان فترة شبابي. وقمت بتغيير الألوان الحقيقية لبني البشر. أخبرني الملاك بأن الخرفان ليست بنفس لون النمور. أما الشيطان فقال لي بأن الخالق تعالى رغب في ذلك ويستعمل حيلي ولوني الأحمر. أعرف الآن أنه لا الشيطان ولا الملاك يدنسان الحقيقة وأن كل الألوان مستهجنة ».
في سنة 146 اختفى الحكيم من بلاده. عثر على أفران وصهاريج الغطس مخربة إضافة لمقبرة شيراز و مرآة برونزية.
الثور
في عام 158 عند أواخر نهاية ليلة شعبان، كان جو الصحراء لطيفا وكان الرجال يراقبون غروب الشمس ويترقبون هلال رمضان. كان الرجال يتألفون من العبيد، من المتسولين، وتجار الأحصنة، وسراق الجمال ومن الجزارين…ينتظرون من عمق الصحراء المذهل، رأوا اقتراب ثلاثة هيئات بشرية بدت لهم ضخمة. كانوا ثلاثة رجال، لكن الكائن الذي في الوسط كان له رأس ثور. لما اقتربوا أكثر لاحظوا أن هذا الأخير كان يرتدي قناعا وأن الإثنين الآخرين كانا أعميان. ولما تساءل بعضهم عن هذه الخارقة كما هو الشأن في رواية ألف ليلة وليلة أجابه الرجل المقنع «هم عميان لأنهم رأوا وجهي».
النمر
حسب مؤرخ العباسيين فـ “رجل الصحراء” (الذي كان صوته عذبا للغاية أو خيل لهم ذلك مقارنة مع قسوة القناع الذي كان يرتديه) أخبرهم بأنهم ينتظرون علامة شهر من التقوى والورع، غير أنه يدعو هو إلى علامة أكثر تميزا : ورع على طول الحياة وموتة مهينة. وأخبرهم أنه حكيم ابن عثمان وأنه عام 146 هجرية، تسلل رجل إلى بيته وبعد أن تطهر وصلى ، قطع رأسه بواسطة سيف معقوف وأخذه معه إلى أعالي السموات. على يد الرجل الممدودة (ولم يكن الرجل سوى الملاك جبريل)، وضع الرأس المقطوع أمام الخالق الذي منحه رسالة النبوة. علمه كلام قديم يحرق الأفواه ، نفخ في عينه شعاعا رائعا لا يطيقه الأحياء من البشر. هذا هو تفسير القناع . لما ينشر جميع البشر القانون الجديد قد يرون الوجه. ويمكنهم التعبد له من دون تحفظ مثلما يعبده الملائكة. بعد أن أعلن الحكيم عن خصائصه، حثهم على الجهاد المقدس وعلى الاستشهاد المناسب. رفض العبيد، المتسولون، التجار وسراق الجمال واللحامين قبول ديانته: صاح صوت ساحر، فيما نعته آخر بالدجال. سبق أن جاء أحدهم بنمر، لربما هو نسخة من ذلك العرق الرشيق والمتلهف للدم والذي رباه صيادون من الفرس. على أي حطم النمر أغلاله. باستثناء النبي المقنع واثنين من أتباعه، هرب البقية وهم في زحمة كبرى. لما عادوا وجدوا النمر أعمى. أمام عينيه اللامعتين بلا حياة ، خشع الرجال للحكيم وأقروا بفضيلته السامية.
أشار مؤرخ الدولة العباسية ومن دون حماسة إلى فتوحات النبي المقنع بخراسان، هذا الإقليم الذي طالته الاضطرابات ومذابح حاكمه الشهير. اعتنق بحماسة اليائس مذهب الحكيم الملقب بالوجه المشرق وأدى فدية الدم والذهب. لكن سبق للحكيم أن غير من قبل صورته العنيفة بخمار رباعي من حرير مرصع بأحجار كريمة. لون بنو العباس هو اللون الأسود. اختار الحكيم اللون الأبيض، اللون الأكثر تناقضا- كخيار واقي. بدأت الحملة بشكل جيد. صحيح أنه في كتاب التدقيق، فإن رايات الخليفة تعبر عن الانتصار في كل مكان. بما أن النتيجة المتداولة لهذه الانتصارات هي إقالة الجنرالات والتخلي عن القصور المنيعة، فإن القاريء النبهان يعرف ما ينتظره.
في نهاية رجب من عام 161 هجرية، فتحت أبواب نيشابور الحديدية في وجه المقنع. في بداية 162 سقطت لاستراباد* بدورها. الإنجازات العسكرية للحكيم كانت تقتصر على التضرع بصوت رخيم لكنها كانت موجهة لآلهة المعارك. كان يبدو أنه يبحث عن المخاطر: في إحدى الليالي التي كان فيها مرضى بالجذام يطوفون من حول قصره، طالب بحضورهم، قبلهم وسلمهم الذهب والنقود. كان يفوض مشاغل الحكومة لستة او سبعة من أتباعه. كان خبيرا في التأمل والسلام وكان حريمه المكون من 114 امرأة عمياء يسعى إلى إشباع رغبات جسده الرباني.
في بداية كوسموغونية الحكيم، كان هناك إله شبحي. هذه الديانة عديمة الأصل، لا إسم لها ولا وجه. هو إله لا يتغير، لكن صورته تعكس تسع ظلال، بسبب غطرستها في التحرك، ابتكرت وحكمت السماء الأولى. أنجبت هذه السماء سماء ثانية بملائكتها، وقوتها، وعروشها وأنشأ هؤلاء سماء أخرى، أكثر انحدارا، وهي نسخة موازية للسماء الأولى. نحن نقع تحت حكم السماء الأولى الأكثر انخفاضا. وهي ظلال متولدة عن ظلال أخرى. أما نسبة النبوة بها فتقارب الصفر.
الأرض التي نسكنها خطأ، باروديا ، وهي نتيجة للعجز. المرايا والأبوة شيء فظيع بما أنها تضاعفها وتؤكدها. ويبقى الاشمئزاز الفضيلة الرئيسية. ثمة تخصصين (يترك النبي الخيار بينهما) يمكنهما من إيصالنا لها: التحرز والاختلال، إعمال الجسد أو الزهد…
في عام 163 هجرية، الموافق للسنة الخامسة من الوجه البهي، تم تطويق الحكيم بمنطقة سانام، من طرف عسكر الخليفة . لم يفتقد الحكيم لا للذخيرة ولا للشهداء وكان في انتظار نزول سرب من الملائكة النورانيين. كنا على هذا الحال، لما داعت إشاعة رهيبة بالقلعة تحكي أن امرأة فاسقة من الحريم، في الوقت الذي كاد أن يغتصبها مخصيون، صرخت بأن اليد اليسرى للنبي تفتقد لأصبع وبأن أصابعه الأخرى لم تكن بها أظافر. انتشرت الإشاعة في أوساط الأتباع. في عز الشمس، من فوق الشرفة، طالب الحكيم الآلهة المألوفة بالنصر او بعلامة ما. برؤوس واطئة، خاضعة كما لو كانت تصد الريح، انتزع منه قائدان قناعه المرصع بالأحجار الكريمة.
في البداية حدث ارتجاف. الوجه الموعود للرسول، الوجه الذي صعد إلى السماء، كان أبيضا لكن ببياض خاص يشبه بثور الجدري. كانت هذه البثور منتفخة بشكل مقلق. بدت وكأنها قناع. اختفت الحواجب، تدلى الجفن السفلي للعين اليمنى على الحنك المترهل. عناقيد من القرنات التهمت شفتاه، الأنف محروق ويشبه أنف ليث.
حاول صوت الحكيم حيلة أخيرة مخاطبا القوم: «خطيئتكم البشعة تحظر عليكم رؤية بهائي…». لم ينصتوا له بل أبقروه بساهمهم.
تشبع بورخيس بالمتن الصوفي في مناحيه وتجلياته المطلقة التي عرف بها بعضا من أعلامه الذين قاربوا بين الألوهية والفناء. ونجد تيمة الخفاء والتجلي وهي لازمة صوفية لدى الحلاج، ابن عربي، النفري وابن سبعين، في بعض نصوص بورخيس كما هو الحال في نص «النبي المقنع» أو «مسعى ابن رشد» وهي حكاية يتضمنها كتاب «الألف».
في هذه الحكاية حاول بورخيس أن يطبق نفس مبدأ الخفاء، بل الاختفاء على صاحب “تهافت التهافت”. نقف هنا عند اللحظة التي غاب بل اختفى فيها ابن رشد « نادى المؤذنون لصلاة الفجر. لما التحق ابن رشد بمكتبته، كانت بالحريم أمات سمراء يعذبن امرأة ذات شعر أحمر، لكنه لم يعلم بذلك إلا عند الظهيرة. شييء ما كشف له عن معنى الكلمتين المبهمتين (تراجيديا وكوميديا) (التي جاءت في بويتيقا أرسطو ولم يدرك في البداية دلالتها. بخط ثابت وأنيق، أضاف هذه الجملة إلى مخطوطه: «يعرف ارسطو التراجيديا بأنها مديح فيما الكوميديا سخرية وقذف. يحفل القرآن ومعلقات المعبد بتراجيديات وكوميديات رائعة“.
شعر ابن رشد بالنوم والبرد. فك عمامته ونظر إلى وجهه في مرآة معدنية. لا أدري ما رأته عيناه، إذ لم يوصف المؤرخ وجهه. أعرف أنه اختفى فجأة كما لو صعقته نار من دون نور واختفى معه البيت ورشاش الماء، والكتب والحمام والعدد الهائل من الأمات السمراء والأمة المرتعشة ذات الشعر الأحمر وفرش وأبو القاسم وشجيرات الورد ولربما الواد الكبير… ». يوضح بورخيس في خاتمة الحكاية بأن ابن رشد الذي تحدث عنه لم يكن سوى هو أو نسخة منه. إنها دوامة للمرايا ما بين الأنا والأنا“.
** اقترح روجيه كايوا على غاليمار نشر نصوص قصصية لبورخيس. وتمت برمجة بعض حكايات «متخيلات» بمجلة «الآداب الفرنسية» (العدد 14). وكان بحق اكتشافا بالنسبة للقاريء الفرنسي بل الأوروبي. هكذا صرح بورخيس على إثر هذا الاعتراف من طرف القاريء الفرنسي بأن روجيه كايوا هو من ابتكره».
