المرزوقي.. كرة “طائشة” في مرمى ذاكرة تازمامارت!

المرزوقي.. كرة “طائشة” في مرمى ذاكرة تازمامارت!

عبد الرحيم التوراني

          في أزقة مدينة سلا التي تفوح برائحة التاريخ، حيث يمتزج صخب الحياة اليومية بهدوء الواجهة الأطلسية، كان أحمد المرزوقي يخطو خطواته الهادئة بالحي الشهير “بطانة”، وهو الرجل الذي اعتاد جسده على قسوة الجدران الباردة في زنازين تزمامارت لثمانية عشر عاما. لم يكن يعلم أن رصيف المدينة سيتحول في لحظة خاطفة إلى مسرح لواقعة غامضة تعيد إلى الأذهان ذكريات التربص والقلق.

بينما كان المرزوقي يمر بمحاذاة مجموعة من الأولاد يلعبون الكرة، لم تكن تلك الكرة مجرد أداة لهو عابرة، فقد انطلقت بقوة مريبة لتستقر مباشرة على رأسه. لم تكن ضربة طفل طائشة، بل كانت مثل قذيفة أفقدت الرجل توازنه، ليرتمي أرضا وسط صدمة المارة. النتيجة لم تكن خدشا بسيطا، بل كسر فظيع في الحوض استدعى نقله فورا إلى الفحص الطبي، تاركا خلفه تساؤلات تتدحرج على الرصيف كما تدحرجت تلك الكرة. 

ما زاد من قتامة المشهد وسورياليته، هو ما نقله القدر لزوجة المرزوقي في اليوم ذاته، حيث تناهى إلى علمها خبر إصابة رجل آخر بنظارة تحطمت على وجهه إثر ضربة كرة في حادثة مشابهة.

وقوع حادثين بنفس الأداة.. في نفس اليوم وفي نفس المدينة، جعل علامات الاستفهام ترتسم بوضوح.. هل نحن أمام مصادفة نادرة، أم أن هناك من يتقن اللعب بالكرات والظلال؟

لا يمكن قراءة حادثة مدينة سلا بمعزل عن تاريخ أحمد المرزوقي ومكانته.. فهو ليس مجرد عابر سبيل، بل هو أحد أبرز الناجين من جحيم تزمامارت، مناضل حقوقي كرس حياته لترميم الذاكرة الجماعية، وأديب ومترجم يملك قلما لا يهدأ في الدفاع عن كرامة الإنسان. 

هذا المشهد يعيدنا بالذاكرة إلى نوفمبر 2016، حين تعرض المرزوقي لاعتداء وُصف بـ “الهمجي” في قلب بروكسيل. حينها سارعت الدولة المغربية عبر وكالتها الرسمية للتنديد بالحادث، بل وذهبت بعيدا في الدفاع عنه، مؤكدة أن المرزوقي “لم يتعرض قط للاعتداء في بلده”، وداعية السلطات البلجيكية لكشف الجناة.

اليوم والاعتداء يقع على تراب الوطن الذي قيل يوما إنه ملاذه الآمن، تتداخل المشاعر بين الألم والقلق…

هل سقط المرزوقي ضحية لعب صبيان، أم ضحية رسالة مشفرة؟

بينما يصارع أحمد المرزوقي آلام الكسر في سرير الشفاء، يظل صوته البشوش وابتسامته المتسامحة هما الرد الأقوى على كل من يحاول كسر إرادة رجل قهر النسيان يوما ما.

نتمنى الشفاء العاجل لأحمد المرزوقي.. الإنسان.. المناضل والشاهد على العصر.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!