نيران صديقة: حين يأتي الأذى من الجهة التي نثق بها

نيران صديقة: حين يأتي الأذى من الجهة التي نثق بها

عائشة بوزرار  

            ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح، ولا كل الطعنات تأتي من الخصوم. أحيانا يكون الضرر أكثر قسوة حين يصدر من أشخاص يفترض أنهم في صفّنا، من صديق، أو حليف، أو مؤسسة، أو حتى فكرة كنا نؤمن بها. لهذا تحوّل تعبير “النيران الصديقة” من مصطلح عسكري إلى وصفٍ لحالات إنسانية واجتماعية وسياسية معقدة، يكون فيها مصدر الأذى قريبا لا بعيدا، مألوفا لا غريبا.

في المعنى العسكري، تشير “النيران الصديقة” إلى إصابة الجنود بنيران قواتهم عن طريق الخطأ، لكن قوة المصطلح لا تكمن في دقته التقنية فقط، بل في رمزيته النفسية أيضا، إذ إن الإنسان يستطيع غالبا أن يتوقع العداء من خصمه، لكنه ينهار حين يأتيه الضرر من جهة منحها الثقة أو الأمان، فالألم هنا لا يرتبط بالخسارة وحدها، بل بالشعور بالخيانة والارتباك أيضا.

في الحياة اليومية، تتخذ النيران الصديقة أشكالا متعددة، قد تظهر داخل الأسرة حين يتحول الحرص إلى قمع، أو حين تُقال كلمات جارحة تحت شعار “المصلحة”، وقد تحدث داخل علاقات الصداقة، عندما يصبح القرب مبررا للتقليل من الآخر أو السخرية من أحلامه، بل إن بعض المؤسسات تمارس هذا النوع من الأذى بطريقة غير مباشرة فتدّعي حماية الأفراد بينما تساهم في إضعافهم أو تهميشهم. أما في المجال السياسي، فالنيران الصديقة تُعد من أخطر ما يهدد الجماعات والأحزاب والحركات الفكرية، إذ أن كثيرا من المشاريع لا تسقط بسبب قوة خصومها، وإنما  بسبب الصراعات الداخلية وتضارب المصالح والرغبة في الهيمنة. والتاريخ مليء بأمثلة لحركات انهارت من الداخل قبل أن يهزمها الخارج، فالعدو الواضح يمكن مواجهته، أما الانقسام الداخلي فيُضعف الثقة ويزرع الشك بين الأفراد، ويحوّل الجماعة إلى كيان متآكل من الداخل.

وقد خلقت وسائل التواصل الاجتماعي بدورها شكلا جديدا من النيران الصديقة، فكم من شخص تلقى حملات سخرية أو تشويه من متابعين كانوا بالأمس داعمين له؟ وكم من شخصية تعرضت للهجوم من جمهورها نفسه بمجرد اختلاف عابر؟ لقد أصبح الفضاء الرقمي سريع التقلب، حيث تتحول الجماهير من التصفيق إلى الإدانة في لحظة واحدة، وكأن الولاء فيه مؤقت وهشّ. والمثير في “النيران الصديقة” أنها لا تكون دائمًا مقصودة، أحيانا يؤذي الناس بعضهم بدافع الجهل أو الحماس الزائد، أو سوء التقدير، فهناك من يعتقد أنه ينصح، بينما هو يجرح. وهناك من يظن أنه يدافع، بينما هو يدمّر المساحات التي يحاول حمايتها، لذلك فالمشكلة ليست فقط في النية، بل في الوعي أيضا لأن النوايا الحسنة لا تمنع النتائج السيئة دائما. وربما أخطر أنواع النيران الصديقة تلك التي يوجهها الإنسان إلى نفسه.، حين يهزم ذاته بالتشكيك المستمر أو جلد النفس أو الخوف من الفشل، فكم من شخص أسقط أحلامه بيديه قبل أن يسقطها الآخرون؟ وكم من موهبة اختفت بسبب صوت داخلي يردد باستمرار أنها لا تستحق النجاح؟ هنا يصبح الإنسان خصما لنفسه دون أن يشعر.

يكشف مفهوم “النيران الصديقة” هشاشة العلاقات البشرية وتعقيدها، فالقرب لا يعني دائما الأمان، والانتماء لا يضمن الحماية.. ولهذا يحتاج الإنسان إلى وعي أكبر بطريقة تعامله مع الآخرين وإلى إدراك أن الكلمات والمواقف قد تتحول أحيانا إلى رصاص معنوي يصعب محو أثره. وقد  يكون العداء الخارجي واضحا ومباشرا، لكن الأذى القادم من الداخل أكثر التباسا وقسوة، لأنه يضرب الثقة قبل أن يضرب الإنسان نفسه، وربما لهذا السبب تبقى “النيران الصديقة” واحدة من أكثر الصور تعبيرا عن التناقض الإنساني حينما يتحول من يفترض أنه مصدر حماية إلى سبب في الجرح.

شارك هذا الموضوع

عائشة بوزرار

كاتبة وباحثة مغربية في مجال الإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!