فصل الكلام مابين القول والفعل عند بعض الأنام (5-5)
المختار عنقا الادريسي
حين ينفلت الفعل من عهد القول وعِقاله … تأمل في صدق المعنى وأقنعة السلوك .
عتبة مدخلية، نحو محطة أخيرة
إذا كان التكيف قد أخفى التناقض، وكان التصدّع قد كشف كلفته الداخلية. فان الوقوف عند حدود هذا الانكشاف لا يكفي. فادراك الشرخ على أهميته، يظل خطوة أولى لا تكتمل الا بالانتقال إلى أفق اخر، أفق البحث عن امكانية الترميم. وهنا بالضبط نغادر منطق التشخيص، لنلج منطق الامكان. فلم يعد السؤال: كيف وقع الانفصال بين القول والفعل؟ بل توجه الى البحث عن الكيفية التي تمكن من رأب الصدع، واستعادة شيء من وحدة المعنى؟
فبين الوعي بالأزمة، والقدرة على تجاوزها، مسافة دقيقة لا تختصر في النوايا، بل تُبنى على مسار من الصراحة والمجاهدة واعادة ترتيب العلاقة مع الذات. ومن هذه العتبة أجدني ألج دروب النافذة / البوابة الأخيرة، وهي لا تدّعي تقديم خلاصة نهائية، بل تقترح أن يعود القول صدى للفعل… وأن يستعيد الفعل وفاءه للقول.
النافذة الخامسة: نحو استعادة وحدة المعن … حين يلتقي القول بالفعل
بعد أن تنكشف كلمة الانفصال بين القول والفعل، لا يبقى أمام الانسان سوى أن يختار: امّا أن يستمر في التكيّف مع هذا الانفصال، بكل ما يحمله من تاكل صامت، أو أن يشرع – بهدوء وصدق – في اعادة بناء ذاته على أساس من الانسجام. غير أن هذا الاختيار ليس لحظة حاسمة تُتخد دفعة واحدة، بل هو مسار دقيق يبدأ من الاعتراف بالفجوة، لا من انكار لها. فالانسان لا يستعيد وحدته لأنه يريد ذلك فقط، بل لأنه يجرؤ على أن يرى نفسه كما هي، خارج كل تبرير أو تجميل. وفي هذا الأفق أستحضر البعد القيمي والأخلاقي العميق الذي يؤكد عليه طه عبد الرحمان عندما يجعل من العمل أساس كل قيمة، معتبرا أن الكلمة لا تكتسب معناها الا بقدر ما تتحقق في الفعل.【 القول الحق هو الذي يُصدّقه العمل. والا ظلّ دعوى بلا روح. وبالتالي فان استعادة وحدة المعنى لا تعني بلوغ الكمال، بل تعني تقليص المسافة بين مانقوله وما نعيشه. أن نصير أكثر انتباها لكلماتنا ، لا لنحسن صياغتها فقط ، بل لنضمن أن لها جذورا في واقعنا … مواقفنا … سلوكاتنا . ومن زاوية أخرى ، يلتقي هذا المسار مع ماكان قد أشار اليه محمد عزيز الحبابي في تصوره للشخص بكونه كائنا في طور التحقق، لا يكتمل الا عبر أفعاله . فالشخص في عمقه ، ليس مايقوله عن نفسه ، بل ما يجسده في حياته .【 أن تكون هو أن تحقِّق ما تقول 】وهنا، لا يكون الاصلاح موجّها الى الخارج، بل الى الداخل أولا. اذ يبدأ الترميم من تلك اللحظة الصامتة التي يواجه فيها الانسان نفسه دون أقنعة، ودون حاجة الى أي تبرير. لحظة قد تكون بسيطة ، لكنها حاسمة ، لأنها تُعيد ترتيب الأولويات : من ارضاء الصورة … الى استعادة المعنى . ولعل مايمنح هذا المسار عمقه الانساني ، هو أنه لا يخلو من التعثر . فالتطابق بين القول والفعل ليس حالة ثابتة ، بل هو جهد مستمر يفترض يقظة دائمة ومراجعة متواصلة . غير أن قيمة هذا الجهد لا تكمن في نتائجه النهائية ، بل في صدقه الدائم . وهنا يمكن أن نستحضر البعد التأملي عند ” عبد الكريم الخطيبي “عندما يرى أن الهوية ليست معطى جاهزا ، بل بناء مفتوح يتشكّل عبر الاختيارات ، وعبر القدرة على مساءلة الذات【 أن تكون نفسك، هو أن تختارها في كل مرة 】وهكذا تصبح استعادة وحدة القول والفعل، فعلَ اختيارٍ متجدّد، لا قرارا نهائيا . اختيار أن نكون أكثر صدقا، لا مع الاخرين فقط، بل مع أنفسنا قبل كل شيء. وبذلك يكون المعنى في نهاية المطاف، لا يولد من الكلمات وحدها، بل من قدرتها على أن تتحول الى حياة. فحين يلتقي القول بالفعل، لا يعود الانسان في حاجة الى تبرير ذاته لأنه ببساطة، يكون قد أصبح مايقوله.
خاتمة للتأمل حين يستعيد المعنى وحدته
بين القول والفعل، لاتقوم المسافة على اختلاف بسيط بل على سؤال عميق يمسّ جوهر الانسان: هل نحن ما نقول، أم ما نفعل؟ وفي هذه المسافة، يتشكل كل شيء: القناع حين نخفي، والتبرير حين نُجمّل، والتكيف حين نعتاد، والتصدّع حين ندفع الثمن بصمت. غير أن هذا المسار على قسوته، لا يُغلق الأفق، بل يفتحه . لأن الوعي بالفجوة ليس نهاية الطريق، بل بدايته. فالانسان لا يقاس بكماله، بل بقدرته على العودة الى ذاته، وعلى ترميم ما تصدّع فيه ولو ببطء. فالكلمة التي لا تجد صداها في الفعل، تفقد روحها، والفعل الذي لايستند الى معنى، يفقد وجهته. وحين يلتقي القول بالفعل، لا يحدث ذلك دفعة واحدة، بل عبر اختيارات صغيرة… صادقة… متكررة… اختيارات تعيد للمعنى بساطته الأولى، التي تجعلنا نقول ما نستطيع أن نكونه، وأن نكون ما نجرؤ على قوله. وفي النهاية، لا يحتاج الانسان الى أن يبدو منسجما، بقدر مايحتاج الى أن يكون كذلك… ففي هذا الانسجام وحده، تستعيد الحياة معناها ويستعيد الانسان نفسه.
طنجة في 9 ماي 2026
