غاستون باشلار: إدغار بو ومغامرات آرثر غوردون بيم (2-2)

غاستون باشلار: إدغار بو ومغامرات آرثر غوردون بيم (2-2)

  ترجمة: سعيد بوخليط

       بعد أحلام مسهبة ومتعدِّدة للمُحَاصَرِ، يعود الكاتب إلى العقلانية: ارتبطت الإقامة الطّويلة بتمرّد خلال الرّحلة، ضمن متاهة حمولة وسط مَرْكَبٍ. تمرّد رواه المرافق الذي استطاع انتشال غوردون بيم من مخبئه. شكّلت الصّفحات الخمسون لهذا السّرد (من الفصل الرّابع حتّى التّاسع) حكاية منفصلة مؤثّرة للغاية. تحديدا استثمرت هذه الحكاية فقط مأساة اجتماعية، بالتّالي لا تكشف عن مبادئ القراءة الثّنائية التّي أقترحها بخصوص المأساة الطّبيعية: يبدو بالنّسبة لرؤية إدغار آلان بو، أنّ الإنسان داخل المجتمع أقلّ فوضوية من إنسان الطّبيعة. يكمن مبدأ العمق في العزلة. بينما التّواصل عميقا أكثر فأكثر مع الطّبيعة، فيمثّل أساس تعميق وجودنا.  

هكذا، إبّان مشاهد التمرّد على متن القارب، فالأفعال مراوغة أحيانا، والتّمويهات متعدّدة، مقابل وضوح لاغبار عليه لدى فاعلي المعركة. لم يبلغوا حياة بهيمية متخيّلة صمّاء بل يعيشون صراعا إنسانيا مع ”أدوات”. أخيرا، مختلف أفعالهم استعاضة عن الحياة اليقِظة لا مكان معها للمعلّق النّفساني.

مع ذلك خلال نهاية المعركة تجد صفحة مكانا سيتأمّلها بعناية المستأنسون بكتابات إدغار بو، فقد دخل حيّز التّنفيذ سلاح جديد: الشّبح. يندرج خوف جديد: يصير الخوف من الموت، خوفا من ميّت يظهر ثانية كي يستعيد الصّراع ضدّ الأحياء. تجلّت سريعا عزلة إنسان وحيد ضمن إطار رعبه، شخص يعود إلى كوابيس ليله الحميمي، وكذا ليله المنزوي، ضمن سياق زمن يعيش خلاله أيضا مواقف النّهار. هكذا تتواتر داخل النّفس الإنسانية بين النّهار واللّيل، بين الواقع والحلم، التباسات تراجيدية، تباينات زمان أكثر عنفا يكسّر سواء لحمة الأحلام وكذا سلسلة الأفكار، ثمّ تمزيق كل النّسيج الإنساني: ”يلزم ربط هذا الخوف المروع نحو تجلّيات بفزع متوقّع، خوف من عدم واقعية التجلّي وليس الاعتقاد الجازم بحقيقته”.

سندرك حين تأمّل هاته الأطروحة، العناية التي أولاها إدغار آلان بو عبر نصوص حكاياته إلى الرّسوم الأولى للأشباح. يأخذ كليّا فزع إدغار بو زخمه عند إشارات مقدّماته. يضفي التّشكيك في حقيقة الموضوع المرعِبِ نبرة على الذّعر. يكتسي الرّعب جرّاء الارتياب ارتعاشات تهزّ الرّوح الأكثر شجاعة. أمام حقيقة مرعبة، بوسع الفكر المناضِل والمقاوِم منح الشّجاعة من جديد إلى كائن يجابه الخطر. لكن تحديدا أمام الشّبح، لاينتج الرَّائي الذي يحتفظ على صفاء الارتياب بخصوص حقيقة الشّبح، أيّ صيغة للخطر. يختبر حالة هلوسة واعية بالذّات، هلوسة ذكيّة. لن نفهم فعلا التّحليل النّفسي للخوف المطروح إذا لم نرسّخ قط إيقاع شكٍّ ذهني وكذا خوف غير مبرّر. تفتقد الهلوسات التي وصفها الطبّ النّفسي إلى هذا التموّج القاسي حيث الكائن يقوِّض هذا الخوف ويجدّده في الوقت نفسه. مفهوم الرّعب الغامض في خضمّ شكّ بخصوص حقيقة موضوع الخوف يأخذ في نهاية المطاف طبيعة أنطولوجية أكثر حدّة من الوعي ببديهية خطر فعلي وواقعي. تقدّم صفحات رواية مغامرة بيم مفتاحا للعديد من سرديات إدغار بو الاستثنائية.

حينما يخمد التمرّد، ويمكث النّاجون الأربعة فوق حطام القارب دون سارية ولادِفَّة القيادة، تبدأ المشاهد الكلاسيكية عن الغرق. مشاهد عولجت بثراء للوقائع وكذا تسلسل على مستوى المحن التي تخلق نموذجا من هذا النّوع. الفصول الأكثر قسوة كما الشّأن مع الفصل المعنون بالقشّة الضّئيلة، قدّمت دليلا عن مهارة متمرّسة: ألا ينبغي تحديد الهلع دون إثارة الاشمئزاز؟ أيضا، يمكن تمييز سمة عبقرية إدغار بو الخاصّة في اختياره بعض التِّيمات الغريبة. تضمّن الفصل المعنون بـ ”مَرْكَب شراعيّ غريب” ضمن مغامرات غوردون بيم مشهدا صادفناه ثانية في حكاية ”مخطوطة داخل قارورة”. المَرْكَب الشّراعيّ الغريب، مركب للأموات. يحمل وجهة المحيطات طاقمه الذي تعرّض إلى موت بنكهة. الربّان في مكانه دائما. لا زالت جثّته المتآكلة نتيجة فعل ”نورس ضخم” ترسم ابتسامة من خلال أسنانه البيضاء… ازداد زخم اللاّواقعي، في الفصل المعنون بمخطوطة داخل قارورة؛ ويواصل الأموات حياة صمّاء وعمياء، تغذّيها روائح خانقة جرّاء العاصفة الملتهبة. حياة المَرْكَب في خشبه، وحديده؛ ينتفخ ويقتات على ماء المحيطات. يبدو بأنّ الكون قد تنامى بالرّؤيا. من المفيد بعد قراءة مخطوطة داخل قارورة، أن نقرأ عبر صفحات مغامرات غوردون دو بيم سردا أقل خرافية بالتّأكيد، وفق صيغة مخفّفة، انطوت بكل بداهة على لبنات كوابيس تحظى بالأفضلية عند حالم كبير. ألا نفتقد بالفعل إلى وثائق تعيد ربط التّجربة الحُلُمية والنّشاط الأدبي؟ الأدب، المنشطر بين العجائبي والحقيقي، بين الخلق المجّاني وكذا التّوصيف الخانع، غير مهتمّ غالبا جدا بأشكال وسيطة ومتداخلة تعتبر مع ذلك بمثابة صيغ للخيال الحيّ. تساعدنا مغامرات غوردون بيم، القريبة من حكايات غريبة على إعادة ربط الواقعي والمتخيّل بخصوص عدّة موضوعات.

الجزء الأخير من مغامرات غوردون بيم أكثر تميّزا. لقد طرح موضوعات نفسية تكشف بمزيد من التوضيح عبقرية إدغار بو الاستثنائية. ينبغي قراءة الفصول الأخيرة بألفة حميمة أكثر عمقا، قصد استيعاب مختلف حثيات ذلك.

بين فقرات الفصل الرّابع عشر، ينخرط الغرقى الذين جمعهم جان-غي في سفر جديد عبر بحار الجنوب، والبلدان الباردة. هل من السّهل جدا تخيّل البرودة؟ هل تكفي بعض الاحالات على ميزان الحرارة، وعورة منحدرات بعض مكعّبات الثلج؟ هل يكفي الانتماء الى عالم البياض؟ لايمكن لعبقرية إدغار بو الاكتفاء بالعناصر الوصفية بل ترغب في مشاركة عميقة جدا. لكن هنا تندرج مفارقة نفسية: يكبح إدغار بو صور البرودة، وكذا صور الموت البارد؛ يكبح البياض.لايمكننا الاندهاش إذا أخذت صور هذه التأمّلات الشّاردة القُطْبية مناحي عجائبية بكيفية خالصة. بعد سرد جغرافي راكم معلومات حول الحياة الحيوانية في البحار وكذا الشواطئ، يبدأ بيم غوردون سفرا عبر قارّة جديدة، تقطنها أجناس جديدة. يمكننا تحديد هذا المكان من خلال رمز حيوان غريب بفَرْوٍ أبيض، ومخالب مرجانية، تركيب غريب الأطوار بين الخيانة والوفاء: ”يذكِّرُ الرّأس برأس قطّة،
باستثناء أذنين منخفضتين ومتدلّيتين مثل أذني كلب. أسنان بنفس اللّون الأحمر الفاقع للمخالب”. بياض مجمل فروه فنّدته سلفا القواطع الحمراء. في إطار سيادة الخيال، سرعان ماتطمس الصّورة الاستثنائية تلك الصّورة العامّة. لقد بدأ فعلا التأمّل الشّارد مقاومته للبياض من خلال ملاحظة الأسنان وكذا المخالب المرجانية. يتوخّى الحالم أبعد من البياض، بلوغ قطب اللّون الخمريّ والأحمر.

هكذا تنطلق تآلفات حُلُمية أكثر إدهاشا. يمكننا القول بأنّها تدرج المغامرة بين طيّات العناصر. لقد أضحى مأساويا الكون المادّي، الأرض النّباتية، البحر الملوّن. بعد ذلك يخوض المسافر مواجهة ضدّ خيانة الأشياء وكذا المواد المخادِعة. تشغل هذه الخيانة الماديّة مكانة أولى؛ ويجدر بالقارئ كي يعيشها مثلما اختبرها إدغار بو أن يقلب منظور المجازات. جوهر المواد بالنّسبة إلى إدغار بو هذا المخرج الكبير للتّعاسة، إنّها مواد خيانة؛ تضع الدّناءة ضمن كنه الوجود.  

اعتقدت بأنّي تمكّنت في كتاب حديث (2) من تحديد الخيال المادي لإدغار بو مثل خيال ماء ثقيل. سنرى بخصوص ذلك دليلا جليّا في رواية غوردون بيم، وقد بدا انسياب ماء الجدول ك”انحلال كثيف للصّمغ العربي”، مع أورِدَةٍ ملوّنة ومتماسكة يمكننا فرزها بسكّين: ”الصخور نفسها حديثة كتلتها، لونها وكذا تنضيد طبقاتها ”. الأرض رغوة وسوداء، متوافقة مع الماء ا للّزج، صخر الغرانيت نفسه مضطرب، بحيث أضحى حبيبات مادّة معدنية.  

يكمن داخل هذه الطّبيعة المضلّلة،والمشهد المرتبك ديناميكيا كَمِين السكّان المحلِّيين.سيأخذ أشكالا ووسائل فاجعة كونية.يبدي السكّان المحلّيون عن ازدرائهم بالاعتماد على أسلحتهم،لذلك التجأوا إلى القتل بواسطة العناصر،وكذا انهيارات تراكمات الأراضي الصّخرية.يجمع إدغار بو من خلال تأمله الشّارد بين  لؤم البشر وكذا قسوة الكون.ارتقى بطريقة أو أخرى إلى مستوى كوني في مشهد المغامرات،هاجس أن تُدفن حيّا والذي اقتفت أثره ماري بونابارت على امتداد صفحات عمل إدغار بو: إبّان موكِبٍ صغير دُفِنَت كلّ عناصر القافلة البيض جراء انهيار صخري كان من وراء حدوثه أكثر الأعداء وضاعة.  

أليس العثور على الحياة بعد كارثة من هذا القبيل، بمثابة إعادة تمثُّل نفس مصير بعض الأبطال الأسطوريين؟ مرّة أخرى، الحالم، المستكشف، الكائن الذي يمشي ليلا، يجد نفسه وسط المتاهة، في مواجهة مصير ذي منفذ واحد. تمكّنت تحديدا صفحات العمل الأخيرة من تمييز حلم المتاهة، والوقوف على أعماقه النفسية. ألا يلزمنا الاندهاش بأنّ خيال إدغار بو، في إطار صفحات نصٍّ توخّى الموضوعية واستساغ القواعد البسيطة والواضحة لرواية المغامرة، مع ذلك استمرّ وفيّا جدا لقيمه الحُلُمية العميقة؟ يمكننا من جهة أخرى امتلاك دلائل فضولية جدا بأنّنا نقف هنا عند المراكز النّفسية العميقة لعمل الكاتب. هكذا تقترن بحلم المتاهة اعتبارات هيروغليفية مدهشة. أعاد شكل فجوات متاهات قارب بعضها ثلاثمائة ميترا، إنتاج سمات كلمة ذات أصل إيثيوبي: الكائن المظلم. نقرأ على جدران المتاهة، هيروغليفيات جديدة: الكلمة العربية الأصل: الكائن الأبيض. تعكس طيات المغارات رموزا، وكذا العلامات المنحوتة على حجر الغرانيت. الكائن الذكيّ الذي يفكِّك هاته الرّموز يجترّ ألغازا حميمة. يفضي اهتمام إدغار بو بتوليفات نحو ألغاز نفسية متوارية. لذلك قد تظهر رواية مغامرات غوردون بيم حين قراءتها دون تأمّل، مثل عمل غير مكتمل، ينتهي بتركيب بين حلم الأعماق النّفسية وكذا بناءات كتابة التّشفير. يساهم العالم الخارجي الذي يوصف من خلال تنوّعه، مثل مناسبة أسفار باستمرار مدهشة، في هذا التّركيب بين الحلم والفكر. يشتغل الحالم والكون معا على بلورة نفس العمل.  

يجري الحديث إذن عن التّأثير الحُلُمي لمضمون رواية بدت من الوهلة الأولى، أنّها تستدعي فقط عناصر موضوعية. بهذا الصّدد، أدرك ليون لومونيي المدى البعيد (3)، معتبرا مغامرات غوردون بيم : “رواية بحرية لاتشبه رواية أخرى. ولا تمضي نحو مناخ محتمل، مفاده عودة مطمئنّة للبطل إلى بيته؛ بل تنتهي بغتة وجهة أكثر الرّؤى شعرية وجنونا؛ بعيدا عن انتهاء هذا النصّ بإرضاء الفكر، فإنّه يمدّ الخيال باندفاع مذهل”. إرضاء الفكر، معناه عادة تضييقا على الخيال. غالبا مايجابه النّقد الحُلُمي إهمالا من طرف النّقد الأدبي المقيّد بعقلانية تقف عند حدود بديهيات ساذجة! ليون لومونيي، مرهف الحسّ حيال نقيض الاستمرارية الحُلُمية للأعمال، رأى في الصّفحات الأخيرة من مغامرات غوردون بيم مثل توطئة لقصيدة آرثر رامبو ”القارب المخمور”.يترجم اتّساع رؤى المسافر الأمريكي، حسب تعبيره:”دوخة وانتشاء القارب”،منعطفا معيّنا يتيح لنا إمكانية الانفتاح على كائن آخر غير كائننا، وكذا أبعد من عالمنا، مثلما يظهره هذا المقطع الشّعري لرامبو:

وأرى أحيانا مايظنّ الانسان رؤيته.

يقترب هذا المقطع، حسب ليون لومونيي من صفحة لإدغار بو تقول:

”يكتشف الذين يحلمون يقظين آلاف الأشياء تغيب عن الذين يحلمون نائمين. يلتقطون عبر رؤاهم الضّبابية، استطرادات الأبدية والارتعاش حين صحوتها ويدركون بأنّهم عاينوا خلال لحظة معيّنة ضفّة السّرّ الكبير”.

يظهر حينما ننهي قراءة مغامرات غوردون بيم، كما لو سافرنا بعيدا جدا، وذهبنا كي نقطن عالما حيث ترتقي ظلال مجهولة للغاية، ثمّ نحافظ في أعماق تأمّله الشارد، وانطباعا قوامه أنّنا لم نعد بعد، وبأنّ أشباحا لازالت تعيش بين طيّات ضوء باهت.  

تبقى الصّفحات الأخيرة لغزا، فقد انطوت على سرٍّ. هكذا تسكننا ثانية رغبة إعادة القراءة، واستعراض المضمون مرّة أخرى، إنّها خاصّية الأحلام بسعيها دائما إلى البدء من جديد. نعتقد حين قراءة هذه المغامرات، بأنّنا نتسلّى ونلاحظ كيف ينقل الشاعر بذرة الأحلام بكيفية لانهائية. أيضا يساورنا الاعتقاد بكوننا سافرنا من أجل رؤية فضاء، لكن الأمر يتعلّق بفؤاد الانسان، الفؤاد القاتم بأوجاعه، الذي يشغل مركز كلّ شيء. بهذا الخصوص تعتبر مغامرات غوردون بيم واحدة من أكبر كتب الفؤاد الانساني.        

  هامش:

مصدر المقالة:

Gaston Bachelard : Le Droit de rêver (1970). pp :143-158.

(1)أوجينيو دورس: إلى الكبير سان كريستوف، ترجمة، ص 160

(2)الماء والاحلام: جوزي كورتي، الفصل الثاني  

(3)ليون لومونيي: إدغار بو والشّعراء الفرنسيين، ص 86

شارك هذا الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!