روسيا في مرمى التاريخ: من نابليون إلى أوكرانيا
د. زياد منصور
عندما أقدمت روسيا، في 24 فباير- شباط 2022، على إعلان عمليتها العسكرية الخاصة، واندفعت قواتها داخل الأراضي الأوكرانية حتى وصلت إلى مشارف العاصمة كييف، وبدا في تلك اللحظة أن سقوط كييف صار احتمالاً وارداً، انطلقت في الأوساط الغربية والعالمية موجة انتقاد وتهديد غير مسبوقة. ولن أدخل هنا في تفاصيل أسباب الانسحاب الروسي من محيط كييف أو التراجع العسكري اللاحق، فهذه مسألة ما زالت تحتاج إلى وثائق عسكرية وسياسية كاملة لم يُكشف عنها بعد بصورة نهائية. ما يعنيني هنا هو أن تلك الموجة الإعلامية والسياسية الغربية حوّلت روسيا، منذ الأيام الأولى، إلى صورة نمطية جاهزة: دولة عدوان، دولة مارقة وفق المفهوم الأميركي ـ الغربي، ودولة تنتهك القانون الدولي.
وقد تبنى هذا المفهوم كثيرون في العالم العربي، ومن اللبنانيين على العموم، لا لأنهم درسوا المسألة الأوكرانية بعمق، ولا لأنهم راجعوا اتفاقيات ما بعد الحرب الباردة، بل لأن قسماً منهم ترعرع تاريخياً على كره كل ما هو روسي، سواء في صورته القيصرية القديمة، أو في صورته السوفييتية التي وُصفت عند خصومها العقائديين بأنها اتحاد سوفييتي “كافر”. ومن هذا المناخ نفسه خرجت، في أربعينيات القرن العشرين، جماعات عربية وإسلامية رأت في ألمانيا النازية حليفاً ضد بريطانيا، وضد الصهيونية، وضد الاتحاد السوفييتي، لا حباً بالحقيقة التاريخية، بل انطلاقاً من حسابات عداء مركّب. وهنا لا بد من التوقف عند جماعة المفتي أمين الحسيني، الذي أقام في برلين خلال الحرب العالمية الثانية، وتعاون سياسياً وإعلامياً مع ألمانيا النازية، وشارك في الدعاية الموجهة إلى العرب والمسلمين، كما ارتبط اسمه بمحاولات تجنيد متطوعين مسلمين في تشكيلات مرتبطة بالألمان، ولا سيما في البلقان. وهؤلاء رأوا في الاتحاد السوفييتي عدواً “كافراً” بحسب تصوراتهم العقائدية والسياسية آنذاك، فاختلط عندهم العداء للشيوعية بالعداء لليهود وبالعداء لبريطانيا التي كانت قد ساهمت في وعد بلفور وفي تمكين المشروع الصهيوني في فلسطين. هذه الخلفية لا يجوز تجاهلها عند قراءة بعض المواقف العربية القديمة والجديدة من روسيا.
ومن هنا، خرج مناصرو الغرب اليوم، وانقادوا غرائزياً وراء الدعاية الغربية التي زعمت أن روسيا ليست إلا دولة احتلال. والتحق بهم بعض خريجي الجامعات الأوكرانية في العهد السوفييتي، ممن عاشوا في فضاء ثقافي ولغوي روسي، وكان كثيرون منهم لا يفقهون حتى اللغة القومية الأوكرانية، لأن الروسية كانت لغة التعليم والحياة العامة في مدن وجامعات كثيرة. ومنهم أيضاً من تزوج من سيدات أوكرانيات، فاختلط عنده العاطفي بالسياسي، والشخصي بالتاريخي، حتى صار الموقف من الحرب موقفاً انفعالياً لا قراءة جيوسياسية.
لم يعرف هؤلاء، أو لم يريدوا الانتباه، إلى مذكرة بودابست لعام 1994، ولا إلى اتفاقيتي مينسك الأولى والثانية، ولا إلى الجدل الطويل حول الضمانات التي تقول موسكو إنها تلقتها بعدم توسع الناتو شرقاً باتجاه حدودها. فمذكرة بودابست ارتبطت بتخلي أوكرانيا عن السلاح النووي الموروث من الاتحاد السوفييتي مقابل ضمانات أمنية، أما اتفاقا مينسك 2014 و2015 فكانا محاولة لوقف الحرب في دونباس وترتيب وضع خاص لبعض مناطق دونيتسك ولوغانسك، لكنهما بقيا، عملياً، موضع نزاع في التطبيق والتفسير.
لن أعود هنا إلى كل التاريخ، ولا إلى دور القوميين الأوكران المتطرفين، ولا إلى البانديريين، ولا إلى الجرائم التي ارتُكبت ضد أوكرانيين وسوفييت وروس وغيرهم في الحرب العالمية الثانية. لكن ما لم تره العين العربية “الذكية” بين مزدوجين، أن الحرب ليست مجرد نزاع حدودي، بل هي، في جوهرها، حرب تقويض لروسيا كدولة وتاريخ وموقع حضاري. هي، في تقديري، حلقة من حلقات انتقام تاريخي قديم: من روسيا التي وقفت في وجه نابليون، ومن روسيا التي خرجت من حرائق الغزو الأوروبي أكثر صلابة، ومن روسيا التي قدّمت كوتوزوف ورمز الصمود، ومن روسيا التي هزمت ألمانيا النازية بثمن بشري هائل. وهي أيضاً امتداد لذاكرة أوروبية لم تغفر لروسيا حضورها في قلب توازنات القارة منذ القرن التاسع عشر، ولا دورها في هزيمة المشاريع الإمبراطورية الكبرى.
وفي هذا السياق نفسه يمكن فهم حرب القرم، والحرب الروسية ـ اليابانية عام 1904–1905، والهزيمة الروسية يومها، ثم الحرب العالمية الأولى، ثم الحرب العالمية الثانية، ثم الحرب الباردة. لا أقول إن التاريخ يفسر كل شيء وحده، ولكن أقول إن من يقرأ أوكرانيا خارج هذا المسار الطويل لا يرى إلا نصف اللوحة. فالعداء لروسيا تبدّل عنوانه مراراً: مرة كان عرقياً وحضارياً، ومرة كان دينياً، ومرة صار شيوعياً، ثم أصبح اليوم بوتينياً، وغداً ستبتدع الدعاية الغربية عنواناً جديداً. المهم عندها ليس الاسم، بل إبقاء روسيا في موقع الخطر الدائم الذي يجب تطويقه وإضعافه.
واليوم بدأ يتضح، في رأيي، أن العدوان الحقيقي ليس فقط على القوات الروسية في أوكرانيا، بل على روسيا كدولة وكشعب وكتاريخ. وجزء كبير من الشعب الأوكراني، في تقديري، دُفع إلى القتال تحت حكم تغلغلت في عقول بعض حاكميه فكرة الانتقام التاريخي من روسيا، مع أن الغرب كان يجد دائماً في أوكرانيا حلفاء شديدي العداء لموسكو. ولا أعرف لماذا نسف أعداء روسيا تاريخ الأخوة السلافية، والتعاقد الأخوي، والروابط الأرثوذكسية الجامعة، وحوّلوا الكنائس إلى ساحات انقسام، والهوية المشتركة إلى أدوات قتال.
أعداء روسيا يضربونها اليوم بصواريخ “ستورم شادو” البريطانية، وبمشاريع تسليح بعيدة المدى، وبأسلحة تحمل أسماء جديدة مثل “فلامينغو”، ويرهنون أوكرانيا وشعبها كما يرهن الإنسان بيته وعائلته لمئات السنين من أجل حرب هدفها المعلن إبعاد “الخطر الروسي”. وهذا الخطر، كما قلت، كان تارة عرقياً، وطوراً شيوعياً، وثالثة بوتينياً، ولن تتوقف الدعاية الغربية غداً عن ابتداع أضاليل أخرى.
لقد اتضح أن روسيا، التي كانت لها مخاوف أمنية مشروعة، لم تكن تتجنى عندما تحدثت عن توسع الناتو وعن تحويل أوكرانيا إلى منصة ضغط عسكري وسياسي عليها. والوثائق الأميركية نفسها تُظهر أن موضوع توسع الناتو شرقاً كان موضع حساسيات وتحذيرات منذ نهاية الحرب الباردة، وأن الروس فهموا الوعود الغربية الشفهية بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة التي تنكرها العواصم الغربية لاحقاً.
وها هي ماكينات الغرب تمهد اليوم لخطابات أكثر خطورة، من الحديث عن ضربات استراتيجية، إلى التلويح بالتصعيد النووي، إلى الدفع باتجاه زعزعة بيلاروسيا، وتوجيه أدواته السياسية والإعلامية نحو مينسك، في محاولة لتقويض دولة آمنة ومستقرة، أراها من أنظف الدول وأكثرها حضارة، وشوارعها ومدنها هي من أجمل شوارع أوروبا انتظاماً ونظافة وهدوءاً.
أظن أن بوتين لم يخطئ عندما قرأ الخطر مبكراً. هو، في رأيي، لا يخوض حروب استنزاف لأنه يعشق الحروب، ولا لأن روسيا تحتاج إلى مغامرة عسكرية جديدة، بل لأنه رأى أن ما ارتكبته عصابات بيع الدولة وتزييفها ونهب ثرواتها وتحويلها إلى أداة غربية يجب أن يتوقف. وعندما يكشف بعض الغربيين أنفسهم عن طموحاتهم الحقيقية تجاه روسيا، فإنهم يؤكدون، من حيث لا يريدون، صدقية الهاجس الروسي: من المختبرات المثيرة للجدل في أوكرانيا، إلى الاختبارات، إلى شبكات بيع الأسلحة، إلى تحويل أوكرانيا إلى ساحة مفتوحة للمخابرات، والسلاح، والمال، والدعاية.
وتشن الدعاية اليوم حملة جديدة تحت حجة أن هناك عشرات العرب يقاتلون في الجيش الروسي. ومرة أخرى يتناسى هؤلاء أن هناك عرباً سوريين وفلسطينيين وليبيين وغيرهم يقاتلون أيضاً في صفوف الجيش الأوكراني، وبعضهم مؤدلج ومشحون بتاريخ من الحقد الدفين على روسيا. هؤلاء لا يُذكرون إلا نادراً، لأن ذكرهم يربك الرواية الغربية الجاهزة. أما العربي الذي يقاتل مع روسيا فيُقدَّم فوراً بوصفه مرتزقاً أو تابعاً أو ضحية دعاية، بينما العربي الذي يقاتل مع أوكرانيا يُغلف بالصمت أو يُقدَّم بوصفه نصيراً للحرية.
إنها الازدواجية نفسها التي حكمت الذاكرة العربية منذ زمن المفتي الحسيني وجماعته: حين قاتل بعضهم مع ألمانيا ضد الاتحاد السوفييتي “الكافر” في نظرهم، وحين اعتقدوا أنهم بذلك يخدمون فلسطين أو الإسلام أو العروبة، بينما كانوا في الواقع يدخلون لعبة أمم أكبر منهم، رسمتها أجهزة ودول وإمبراطوريات لا تحب العرب ولا فلسطين. ثم تكرر المشهد بأشكال جديدة: من نشوء بعض التيارات في كنف المخابرات البريطانية، إلى بيع فلسطين، إلى قيام دولة إسرائيل، إلى استخدام العداء لليهود ذريعة للوقوف مع هتلر، ثم استخدام العداء للشيوعية ذريعة للعداء لكل ما هو روسي.
وهنا يستحضرني أيضاً ذلك الإرث الثقافي القديم من الرحالة والكتّاب الذين نظروا إلى الروس والسلاف بعين الاستعلاء أو الجهل أو الكراهية. ومنهم من كتب عن بلاد لم يفهمها، أو عن شعوب لم يعاشرها بما يكفي، ثم تحولت نصوصه إلى مادة يتكئ عليها بعض الحاقدين. إن أنصار هذا الإرث، وأنصار ابن فضلان كما أصفهم رمزياً، لا يعرفون أي مدن روسية رأى، ولا ماذا فهم، ولا ماذا لم يفهم، لكنهم يستحضرون كل ما يمكن أن يخدم صورة نمطية عن روسيا والروس. هؤلاء يتهاوون اليوم بسرعة، كما تتهاوى أساطيرهم.
ليست المسألة إذاً دفاعاً أعمى عن حرب، ولا إنكاراً لآلام الأوكرانيين، ولا احتقاراً لشعب أوكرانيا. المسألة أن أوكرانيا حُوّلت إلى أداة في حرب أكبر منها، وأن روسيا لم تعد تواجه كييف وحدها، بل تواجه حلفاً سياسياً وعسكرياً وإعلامياً واقتصادياً يريد تقويضها وإخراجها من التاريخ. ومن لا يرى ذلك، أو لا يريد رؤيته، سيبقى يردد عبارات الدعاية الغربية عن “الدولة المعتدية” و“الدولة المارقة” و“خرق القانون الدولي”، من دون أن يسأل: من خرق توازنات الأمن؟ من وسّع الأحلاف؟ من تجاهل دونباس؟ من أفشل مينسك؟ ومن جعل من أوكرانيا منصة صراع لا دولة سلام؟
لهذا أقول إن بوتين لم يكن يتحرك من فراغ. قد يختلف الناس حول الوسيلة، وحول التوقيت، وحول الكلفة، لكن أصل الهواجس الروسية لم يكن وهماً. وكلما طال أمد الحرب، وكلما ارتفعت شهية الغرب للتصعيد، وكلما زاد تورط السلاح والاستخبارات والمال والدعاية، اتضح أن موسكو لم تكن تقرأ الخطر وحدها، بل كانت تقرأ ما أخفاه الآخرون خلف الكلام الجميل عن الديمقراطية والسيادة وحقوق الشعوب.
هذه ليست حرب أوكرانيا وحدها. إنها حرب على روسيا، وعلى موقعها، وعلى ذاكرتها، وعلى حقها في أن تكون دولة كبرى لا مجرد تابع في نظام دولي أميركي ـ غربي. ومن هنا، فإن من واجب العربي الذي يريد أن يفهم، لا أن يردد، أن يخرج من أسر الدعاية، وأن يقرأ التاريخ كاملاً: من نابليون إلى هتلر، ومن المفتي الحسيني إلى الحرب الباردة، ومن بودابست إلى مينسك، ومن توسع الناتو إلى صواريخ اليوم. عندها فقط يمكنه أن يرى أن ما يجري ليس خبراً عابراً، بل فصل جديد من صراع طويل على روسيا، وعلى العالم الذي سيولد بعد هذه الحرب.
