ما هي الخلفيات الحقيقية لتهديدات زيلينسكي لبيلاروسيا؟

ما هي الخلفيات الحقيقية لتهديدات زيلينسكي لبيلاروسيا؟

د. زياد منصور

       في مشهد متصاعد من التهديدات والمواقف المتوترة، برزت في الأسابيع الأخيرة تصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تجاه بيلاروسيا، محذّراً من استخدام أراضيها في العمليات العسكرية الروسية ومهدّداً باتخاذ إجراءات عسكرية إذا لم تُزَل المعدات العسكرية خلال أسبوع. غير أن هذه التهديدات، بحسب مراقبين، ليست مجرد رد فعل آني، بل تعكس خلفيات تاريخية وهوياتية وسياسية متشابكة، تمتد جذورها إلى أعماق الذاكرة السلافية الشرقية وصراعات الهوية في المنطقة.

الخلفية المباشرة: بيلاروسيا كساحة خلفية للحرب

منذ اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية في 24 شباط 2022، برزت بيلاروسيا كعامل مهم في الحسابات العسكرية والاستراتيجية للصراع، غير أن توصيف دورها يقتضي قدرًا من الدقة التاريخية. فالقوات التي تقدّمت نحو كييف عبر المحور الشمالي كانت قوات روسية بالدرجة الأولى، ولم يثبت انخراط الجيش البيلاروسي بصورة مباشرة وواسعة في العمليات القتالية داخل الأراضي الأوكرانية. إلا أن روسيا استفادت من الموقع الجغرافي لبيلاروسيا ومن بعض بنيتها التحتية العسكرية واللوجستية في إطار عملياتها، الأمر الذي دفع كييف إلى اعتبار الأراضي البيلاروسية جزءًا من البيئة العملياتية التي استُخدمت في الهجوم على العاصمة الأوكرانية. ومن هنا نشأ التوتر المستمر بين أوكرانيا وبيلاروسيا، إذ ترى كييف أن مينسك وفّرت دعماً استراتيجياً لروسيا ولو بصورة غير مباشرة، في حين تؤكد السلطات البيلاروسية أنها لم تشارك كطرف مقاتل في الحرب وأن دورها اقتصر على التزاماتها وتحالفاتها الأمنية مع موسكو دون الانخراط المباشر في العمليات العسكرية داخل أوكرانيا.

وفي تصريحاته الأخيرة، اتهم زيلينسكي بيلاروسيا باستضافة “معدات وتقنيات إشارة” تستخدمها روسيا في توجيه ضرباتها ضد أوكرانيا، ووضع مهلة أسبوع للرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو لإزالتها، مهدّداً: “إذا لم يفعل، سنفعل نحن”. كما هدد بنشر تشكيلات جديدة من الطائرات المسيّرة على الحدود الأوكرانية-البيلاروسية.

ويرى بعض المحللين أن هذه التهديدات تعكس، في بعدها العسكري، اعترافاً ضمنياً بصعوبة منع كل الضربات الروسية، ما يدفع كييف إلى محاولة رفع تكلفة هذا التهديد على الطرف الآخر، وإجبار مينسك على تحمّل مسؤولية مباشرة عن دورها في الحرب.

الجذور التاريخية: من كييف روس إلى الانقسام السلافي

لا يمكن فهم التوتر الحالي بين أوكرانيا وبيلاروسيا بمعزل عن الخلفية التاريخية المشتركة للشعوب السلافية الشرقية. فالروس والبيلاروس والأوكران يشتركون في إرث تاريخي واحد يعود إلى اتحاد كييف روس (القرون 9-13) الذي شكّل مهد الدولة للشعوب السلافية الشرقية. وعاشوا قروناً طويلة ضمن كيانات سياسية متداخلة، من الكومنولث البولندي-الليتواني إلى الإمبراطورية الروسية ثم الاتحاد السوفياتي، مع مصاهرات وهجرات، وتداخل لغوي، وثقافي، واسع.

وهنا يكمن جوهر الصراع الأعمق. فمن منظور روسي–بيلاروسي، تُشكِّل الشعوب الروسية والبيلاروسية والأوكرانية فضاءً حضارياً واحداً يستند إلى الإرث المشترك لدولة كييف روس وإلى التقاليد الأرثوذكسية السلافية الشرقية التي تبلورت عبر قرون طويلة من التاريخ المشترك. غير أنّ الأراضي الأوكرانية الواقعة في الغرب عرفت منذ العصور الوسطى تأثيرات سياسية ودينية مختلفة عن تلك التي سادت في الشمال الشرقي الروسي. ففي القرن الثالث عشر تُوّج الأمير دانيال الغاليتسي سنة 1253 ملكاً على روس بتاج أرسله البابا إينوسنت الرابع، في إطار مساعي الكرسي الرسولي إلى توسيع نفوذه السياسي والديني في هذه المنطقة تحت حجة مواجهة الخطر المغولي.

وعلى الرغم من أنّ هذا التتويج لم يؤدِّ إلى انتقال البلاد إلى الكاثوليكية، فإنه مثّل إحدى المحطات المبكرة التي كشفت عن وجود تنافس بين التأثيرين الشرقي الأرثوذكسي والغربي اللاتيني على هذه الأراضي. ثم تعزز هذا المسار خلال القرون اللاحقة مع خضوع أجزاء واسعة من أوكرانيا وبيلاروسيا لنفوذ الكومنولث البولندي الليتواني، حيث جرت محاولات لربط قسم من السكان الأرثوذكس بكنيسة روما، وتوّجت بـ اتحاد بريست الذي اعترف بموجبه عدد من الأساقفة الأرثوذكس بسلطة البابا مع احتفاظهم بالطقس البيزنطي الشرقي، فنشأت الكنيسة الأونياطية (اليونانية الكاثوليكية). وقد قوبلت هذه العملية بمعارضة واسعة من قطاعات كبيرة من الأرثوذكس الذين رأوا فيها محاولة لكثلكة السلاف الشرقيين وفصلهم عن جذورهم الدينية والتاريخية.

وفي المقابل، جاء تحالف بوغدان خميلنيتسكي مع روسيا سنة 1654 ليعكس اتجاهاً معاكساً يقوم على إعادة تأكيد الانتماء إلى الفضاء الأرثوذكسي السلافي الشرقي. ومن هذا المنظور، لا يُنظر إلى الخلاف الراهن بين روسيا وأوكرانيا باعتباره نزاعاً سياسياً أو عسكرياً فحسب، بل بوصفه امتداداً لصراع تاريخي طويل بين رؤيتين لهوية هذه المنطقة: إحداهما تؤكد وحدة الإرث الحضاري للسلاف الشرقيين، والأخرى تشدد على خصوصية الهوية الأوكرانية وارتباطها المتزايد بالفضاء الأوروبي الغربي.

وهنا يكمن جوهر الصراع الأعمق: فمن منظور روسي-بيلاروسي، تشكل هذه الشعوب “فضاءً حضارياً واحداً” يستند إلى التراث المشترك. لكن أوكرانيا ما بعد 2014، وخصوصاً بعد حرب 2022، تسعى إلى بناء هوية وطنية منفصلة بالكامل عن هذا الإطار. وهذه القطيعة المتزايدة مع مفهوم الوحدة التاريخية للسلاف الشرقيين تشكّل بعداً جوهرياً في تفسير العداء الحالي.

“العقلية البانديرية” وإعادة كتابة الذاكرة

أحد أكثر الأسئلة إثارة للجدل هو مدى تأثير إرث القومية الأوكرانية، المرتبط بشخصيات مثل ستيبان بانديرا وأندريه ميلنيك، في سياسات زيلينسكي. فمنظمة القوميين الأوكرانيين (OUN)، التي انشقت عام 1940 إلى جناح ميلنيك وجناح بانديرا، سعت إلى استغلال الحرب الألمانية-السوفياتية لتحقيق استقلال أوكرانيا، وتورطت قطاعات منها في التعاون مع ألمانيا النازية، وفي العنف ضد اليهود والبولنديين. كما ارتبط الجناح العسكري للمنظمة (UPA) بمجازر فولينيا ضد البولنديين بين 1943 و1945، والتي راح ضحيتها نحو 100 ألف بولندي.

وفي هذا السياق، أثارت إعادة الدولة الأوكرانية لتكريم شخصيات مثل أندريه ميلنيك – وهو ما فعله زيلينسكي في مراسم رسمية – غضباً في إسرائيل وبولندا. فإسرائيل انتقدت تكريم ميلنيك بسبب تعاونه مع النازيين، فيما اعتبرت بولندا تمجيد UPA استفزازاً مباشراً، خصوصاً في ضوء مجازر فولينيا. وقد دفع هذا التوتر بولندا إلى سحب وسام النسر الأبيض من زيلينسكي، بل وتهديدها بعرقلة انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي ما لم تُحل قضية فولينيا.

ورغم تأكيد زيلينسكي مراراً أنه لا ينتمي تاريخياً إلى التيارات القومية الأوكرانية الراديكالية، وأنه ينحدر من بيئة ناطقة بالروسية في جنوب شرق أوكرانيا، فإن عدداً من الباحثين والمراقبين يشككون في كفاية تفسير التحول الحالي بمجرد ظروف الحرب. فهؤلاء يرون أن تبني السلطة الأوكرانية المتزايد لرموز وشعارات وشخصيات كانت تُعد سابقاً حكراً على الأوساط القومية المتشددة لا يمكن تفسيره فقط باعتباره استجابة ظرفية للغزو الروسي، بل يعكس أيضاً عملية أعمق لإعادة بناء الهوية الوطنية الأوكرانية على أساس التمايز الحاد عن روسيا. وفي هذا السياق برزت خلال السنوات الأخيرة نزعات ثقافية وإعلامية ولغوية أكثر عدائية تجاه كل ما يُنظر إليه بوصفه روسياً، سواء على مستوى اللغة أو الرموز التاريخية أو الذاكرة المشتركة، الأمر الذي أدى إلى تعميق الانقسام بين الشعبين.

كما أن التوترات المعاصرة أعادت إلى الواجهة مفردات تاريخية تحمل دلالات متبادلة من السخرية والازدراء بين الروس والأوكران. ومن أشهرها لفظة «موسكال» أو «موسكوفي» (Москаль)، التي ظهرت منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر في الأراضي الأوكرانية والبيلاروسية للإشارة إلى الجنود أو الموظفين القادمين من موسكو، ثم تحولت تدريجياً في بعض الأوساط القومية إلى تسمية ذات حمولة سلبية للروس عموماً. وفي المقابل شاع في روسيا مصطلح «خوخول» (Хохол)، المشتق من الخصلة الشعرية الطويلة (Осе́ледець) التي كان يتركها قوزاق الزابوروجيا على رؤوسهم، فأصبح مع مرور الزمن لقباً شعبياً للأوكرانيين، واكتسب في كثير من السياقات طابعاً تهكمياً أو استعلائياً.

وتكتسب هذه المصطلحات أهمية خاصة لأنها تعكس أن التوتر بين الهويتين الروسية والأوكرانية لم يبدأ مع الأزمة الحالية، بل له جذور أعمق تعود إلى القرون التي شهدت تنافساً بين مراكز النفوذ في موسكو والكومنولث البولندي الليتواني على الأراضي السلافية الغربية. ومن اللافت أن الحرب الراهنة أعادت إحياء هذه المصطلحات في الخطاب الإعلامي والسياسي وشبكات التواصل الاجتماعي، بعد أن كانت قد تراجعت نسبياً خلال الحقبة السوفياتية التي سعت إلى ترسيخ مفهوم «الشعوب السوفياتية الشقيقة». ولذلك يرى بعض الباحثين أن الصراع الحالي لا يدور فقط حول الحدود أو المصالح الجيوسياسية، بل حول الذاكرة التاريخية والهوية الجماعية وتفسير الماضي المشترك لكل من الروس والأوكرانيين والبيلاروس.

لكن هل يمكن القول إن زيلينسكي يريد أن يكون “بانديرا الجديد”؟ الإجابة الأكثر دقة هي أن الدولة الأوكرانية في عهده سمحت بإعادة تأهيل رموز ذات ماضٍ شديد الإشكالية، وأعادت تقديمها بوصفها رموز “مقاومة ضد موسكو” لا بوصفها رموزاً متعاونة مع النازية. وهذا يعني أن زيلينسكي تبنّى عملياً سياسة ذاكرة قومية أوكرانية متشددة، في تناقض واضح مع خلفيته اليهودية.

البعد الجيوسياسي: الصراع على مستقبل بيلاروسيا

ثمة قراءة أعمق للصراع الحالي، ترى أن ما يجري ليس مجرد خلاف ثنائي، بل صراع حول مستقبل بيلاروسيا نفسها: هل تبقى دولة عازلة بين روسيا وأوروبا الشرقية، أم تتحول تدريجياً إلى امتداد استراتيجي كامل للمنظومة العسكرية الروسية؟

فمنذ 2022، أصبحت بيلاروسيا بالنسبة لكييف تمثل ما كانت تمثله ألمانيا الشرقية لحلف الناتو خلال الحرب الباردة: دولة مستقلة شكلياً، لكنها جزء من المجال العسكري للقوة الأكبر المجاورة. ولهذا تنظر كييف إلى أي وجود عسكري روسي في بيلاروسيا باعتباره تهديداً مباشراً للجبهة الشمالية لأوكرانيا.

وفي المقابل، ترى موسكو ومينسك أن أوكرانيا لا تسعى فقط إلى الدفاع عن أراضيها، بل تعمل بصورة متزايدة على توسيع نطاق المواجهة وإشراك أطراف جديدة فيها، بما يؤدي إلى رفع مستوى التوتر في عموم أوروبا الشرقية.

ومن هذا المنطلق يتهم المسؤولون الروس والبيلاروس زيلينسكي بمحاولة استدراج مزيد من الانخراط العسكري والسياسي الغربي في الحرب، وتحويلها من نزاع روسي–أوكراني إلى مواجهة أوسع بين روسيا والغرب. كما يذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن السياسات التي اتبعتها كييف منذ عام 2014، ولا سيما في مجال الذاكرة التاريخية والهوية الوطنية، لم تقتصر على بناء سردية أوكرانية مستقلة، بل اتخذت أحياناً طابعاً صدامياً تجاه الرموز والشخصيات والأحداث التي تشكل جزءاً من الذاكرة التاريخية الروسية والسوفياتية المشتركة. وفي هذا السياق يُشار إلى الجدل حول مكانة الجيش الأحمر، وإرث الانتصار على ألمانيا النازية، وإزالة بعض النصب التذكارية السوفياتية، وإعادة تقييم شخصيات تاريخية مثيرة للانقسام في الوعي الروسي.

وترى موسكو ومينسك أن هذه السياسات لا تستهدف روسيا المعاصرة فحسب، بل تمس أيضاً عناصر تعتبرها شعوب الاتحاد السوفياتي السابق جزءاً من تاريخها الجماعي ومن تضحياتها المشتركة خلال الحرب الوطنية العظمى. ومن هنا ينبع جانب من الحدة التي تطبع الخطاب الروسي والبيلاروسي تجاه القيادة الأوكرانية، إذ يُنظر إلى الصراع بوصفه مواجهة على الذاكرة والهوية بقدر ما هو صراع على الأرض والحدود والنفوذ الجيوسياسي.

“الدمية الغربية” وصراع الإمبراطوريات

وتبدو لدى كثير من المراقبين في روسيا وبيلاروسيا وبعض الأوساط الفكرية المحافظة في أوروبا الشرقية أن الفرضية القائلة إن أوكرانيا تحولت إلى أداة متقدمة في الاستراتيجية الغربية ضد روسيا ليست مجرد دعاية سياسية عابرة، بل قراءة تستند إلى جملة من الوقائع الجيوسياسية المتراكمة منذ نهاية الحرب الباردة. فوفق هذا المنظور، لا يُنظر إلى الصراع الحالي بوصفه نزاعاً حدودياً بين دولتين متجاورتين فحسب، بل باعتباره حلقة في مواجهة تاريخية أطول بين القوى البحرية الأطلسية والقوة البرية الأوراسية التي تمثلها روسيا. ويرى أنصار هذه القراءة أن الولايات المتحدة وبريطانيا وجدتا في الأزمة الأوكرانية فرصة لإضعاف روسيا استراتيجياً واقتصادياً وعسكرياً دون الانخراط المباشر في الحرب، عبر استنزافها على حدودها الغربية وإضعاف الروابط التاريخية والثقافية التي جمعت الروس والأوكرانيين والبيلاروس على مدى قرون.

ووفق هذا التصور، فإن أخطر ما في الحرب لا يتمثل في الخسائر العسكرية وحدها، بل في تفكيك المجال الحضاري السلافي الشرقي الذي نشأ تاريخياً من إرث كييف روس، وتطور لاحقاً ضمن الإمبراطورية الروسية ثم الاتحاد السوفياتي. فمن وجهة النظر هذه، لم يكن الهدف محصوراً في احتواء روسيا كدولة، بل في تقويض فكرة الفضاء التاريخي والثقافي المشترك الذي ظل قائماً بدرجات متفاوتة بين شعوب المنطقة. ولذلك يُنظر إلى القطيعة اللغوية والثقافية والدينية المتسارعة بين الروس والأوكرانيين بوصفها نتيجة استراتيجية لا تقل أهمية عن أي مكسب عسكري على الأرض.

كما يربط أنصار هذا الاتجاه بين الصراع الراهن وسلسلة طويلة من المواجهات التاريخية التي خاضتها روسيا ضد قوى أوروبية كبرى، بدءاً من حملة نابليون بونابرت سنة 1812، مروراً بالحربين العالميتين، وصولاً إلى الحرب الباردة. ومن هذا المنطلق يُنظر إلى التوسع الأطلسي شرقاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي على أنه استمرار لسياسة تهدف إلى الحد من النفوذ الروسي ومنع ظهور قوة أوراسية كبرى قادرة على موازنة الهيمنة الغربية. ولذلك يرى أصحاب هذه القراءة أن الحرب الأوكرانية ليست مجرد نزاع إقليمي، بل إحدى ساحات الصراع على شكل النظام الدولي ومستقبل التوازن بين الغرب الأوروأطلسي والفضاء الأوراسي. وعلى هذا ألأساس يتهم زيلينسكي بأنه دمية جرى استيلادها لتنفيذ هذه المهمة.

وفي هذا السياق تحديداً يفسر هؤلاء تشدد القيادة الأوكرانية تجاه الرموز التاريخية واللغوية والثقافية المرتبطة بروسيا، ليس فقط بوصفه تعبيراً عن قومية أوكرانية صاعدة، بل باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة رسم الخريطة الذهنية والحضارية لأوروبا الشرقية، وفصل أوكرانيا بصورة نهائية عن المجال التاريخي الذي تشاركته مع روسيا وبيلاروسيا لقرون طويلة. غير أن هذه القراءة تبقى موضع نقاش بين المؤرخين وعلماء السياسة، إذ يرى باحثون آخرون أن ما يحدث هو بالدرجة الأولى تعبير عن تطور هوية وطنية أوكرانية مستقلة، وليس مجرد نتاج لتخطيط أو توجيه خارجي.

يهودية زيلينسكي

من بين التفسيرات المطروحة، هناك من يربط عداء زيلينسكي لبيلاروسيا بخلفيته اليهودية، خصوصاً في ضوء تصريحات لوكاشينكو التي شبّه فيها الحرب الإسرائيلية على غزة بـ”الهولوكوست”، وما أثارته من غضب إسرائيلي واستدعاء للسفير البيلاروسي. غير أن هذا البعد، وإن كان حاضراً في بعض القراءات السياسية، لا يفسر وحده طبيعة التوتر بين كييف ومينسك؛ غير أن هذا العامل، وإن كان حاضراً في بعض القراءات السياسية، لا يكفي وحده لتفسير طبيعة التوتر بين كييف ومينسك. فثمة من يرى أن زيلينسكي يسعى إلى ترسيخ مكانته في التاريخ الأوكراني بوصفه أحد أبرز صانعي الهوية الوطنية الحديثة، على غرار شخصيات تاريخية ارتبطت بمحاولات تأكيد استقلال الكيان السياسي الأوكراني عن مراكز القوة المحيطة به، من دانيال الغاليتسي إلى قادة الحركة القومية في القرن العشرين.

ومن هذا المنظور، يُقرأ سلوك زيلينسكي في إطار سياسة الذاكرة القومية الأوكرانية التي تعززت بصورة غير مسبوقة منذ عام 2014 ثم بعد اندلاع الحرب سنة 2022، حيث جرى إحياء عدد من الرموز والشخصيات المرتبطة بالحركات القومية الأوكرانية، بما فيها بعض التشكيلات المنبثقة عن OUN وUPA، رغم الجدل التاريخي القائم حول علاقاتها بألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية. ويرى منتقدو هذه السياسة أنها لا تستهدف فقط بناء هوية أوكرانية مستقلة، بل تسعى أيضاً إلى إعادة صياغة الوعي التاريخي للأجيال الجديدة على أساس القطيعة مع روسيا ومع الإرث السوفياتي المشترك.

وفي السياق نفسه، يذهب بعض المحللين إلى أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا تنظر إلى الأزمة الأوكرانية باعتبارها فرصة لإعادة تثبيت نفوذها في أوروبا الشرقية وتعزيز حضورها الأمني والسياسي في المجال الذي تشكل بعد الحرب الباردة. ويستشهد أصحاب هذا الرأي بالدعم العسكري والمالي والسياسي الواسع المقدم لكييف، وبالنقاشات المتكررة حول إرسال قوات أوروبية أو قوات حفظ سلام أو بعثات مراقبة إلى الأراضي الأوكرانية في مراحل مختلفة من النزاع. ومن وجهة نظرهم، فإن هذه السياسات تعكس سعياً غربياً لإعادة تشكيل التوازنات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية ثم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بما يؤدي إلى تقليص النفوذ الروسي في أوروبا الشرقية وإعادة دمج هذه المنطقة ضمن المنظومة الأوروبية الأطلسية.

وبناءً على هذه القراءة، فإن الصراع الدائر لا يُختزل في مواجهة بين روسيا وأوكرانيا فحسب، بل يُنظر إليه بوصفه جزءاً من صراع أوسع على الهوية والذاكرة والنفوذ الجيوسياسي في أوروبا الشرقية، وعلى مستقبل الفضاء التاريخي الذي جمع الروس والأوكرانيين والبيلاروس ضمن أطر حضارية وسياسية مشتركة على امتداد قرون طويلة.

صراع على الذاكرة أكثر منه صراع على الأرض

في التحليل النهائي، يمكن القول إن تهديدات زيلينسكي لبيلاروسيا ليست مجرد رد فعل عسكري على دور مينسك في الحرب، بل هي جزء من صراع أعمق على الهوية والذاكرة التاريخية للسلاف الشرقيين. فما نشهده هو مواجهة بين مشروعين تاريخيين متناقضين:

مشروع يرى الروس والبيلاروس والأوكرانيين جزءاً من فضاء حضاري واحد، يستند إلى إرث كييف روس المشترك وقرون من التداخل. في مقابل مشروع يرى أن بناء الأمة الأوكرانية يقتضي الانفصال الكامل عن ذلك الفضاء، حتى لو اقتضى الأمر إعادة كتابة التاريخ وتقديم رموز مثيرة للجدل كأبطال قوميين.

في هذا السياق، يصبح الصراع بين كييف ومينسك انعكاساً لصراع وجودي حول هوية المنطقة ومستقبلها، يتجاوز حسابات الميدان العسكري المباشر إلى أعماق الذاكرة والتاريخ. وهذا هو البعد الأطول عمراً والأكثر تعقيداً من أي تصريح سياسي آني.

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!