الاحتفالي والساعة الوجدانية
د. عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
حقيقةً هي هذه الاحتفالية، بل هي اليوم أم كل الحقائق في المجتمع الثقافي العربي، ولقد قيل عنها إنها سحابة صيف، وبأنها عابرة، وقيل أيضًا إنها خرافة جديدة. وكل الكلام الذي قيل في هذه الاحتفالية لم يكن مقصودًا به الاحتفالية، وكيف يمكن مخاصمة أفكارها وهي ما زالت في طور البناء وفي درجة التأسيس؟
وهل يصح الحكم على جدول الاختيارات الاحتفالية مع وجود الجهل بما يمكن أن تكون عليه في مستقبل الأيام والأعوام؟
وفي هذه الاحتفالية لا يقول الاحتفالي (أنا) ولكنه يقول (نحن)، وهذه الـ (نحن) كانت في البداية مجرد جماعة، وكان اسمها (جماعة المسرح الاحتفالي)، وكان هدف الاحتفالي أن تصبح هذه الجماعة المسرحية في درجة مجتمع إنساني ومدنية، كامل الإنسانية، وكامل المدنية.
وأعترف اليوم بأن هذه الاحتفالية لم تكن احتفاليتنا وحدنا، وأنها كانت أكبر منا، وأننا كنا أصغر منها، وأن كل حلمنا كان هو أن نعرفها نحن، وأن تعترف بنا هي. وأعترف اليوم، تمامًا كما اعترفت بالأمس، بأن هذه الاحتفالية قد كانت احتفالية الجميع، وأعترف أيضًا بأن الذين أسسوا هذه الحقيقة الاحتفالية لم يكونوا من المغرب فقط، بل كانوا ينتمون إلى كل الوطن العربي الكبير، ونحن فيها قلنا كلمتنا، وكتبناها في الكتب، وبيناها في البيانات، وسوف يأتي الوقت لنكتب عن كل الرواد الذين تفاعلوا مع الفكرة الاحتفالية، وتفاعلوا مع منطق التأسيس فيها، وتفاعلوا مع تأكيدها على دمج العلم والفكر مع الصناعات المسرحية المختلفة.
والمخرج المسرحي كمال العلاوي واحد من الذين رفعوا راية التجريب الاحتفالي عالياً، وهو مخرج مسرحي احتفالي من تونس، جمعتني به صحبة الفن والفكر، وكانت لنا رفقة مع امرئ القيس في مسرحية (امرؤ القيس في باريس) وكنت أنا المؤلف، وكان هو المخرج، وكانت باريس الاحتفالية هي نقطة التلاقي، ولقد التقينا وجدانيًا وروحيًا قبل أن نلتقي ماديًا وجسديًا، وكان ذلك سنة 1983 بمدينة تونس في الدورة الأولى لأيام قرطاج المسرحية، وكان امرؤ القيس هو من يمثل تونس في المهرجان.
واللقاء مع هذا الشاعر الجاهلي، في مسرحية (امرؤ القيس في باريس) وتحديدًا في الزمان المعاصر، وفي مدينة الأنوار والحرية باريس، لم يكن سهلاً أبدًا، وكان يحتاج إلى أسفار عابرة للأزمان وعابرة للقارات وعابرة للثقافات وعابرة لكل الساعات، ومن كان يجرؤ على مثل هذه المخاطرة الفكرية والجمالية غير مخرج يؤمن بالسفر في الذات، ويؤمن بالسفر في المكان والزمان، ويؤمن بالسفر خارج المكان وخارج الزمان؟ وكان هذا المخرج المسافر هو كمال العلاوي، والذي جمع في احتفاليته المسرحية بين الماضي والحاضر، وبين الكائن والممكن، وبين الواقعي والحلمي، وبين العلمي والسحري.
وهذا المسرح، مسرحنا ومسرح كل الناس، ماذا يمكن أن يكون سوى أنه السفر؟ وماذا يمكن أن يكون هذا السفر سوى أنه مخاطرة وجودية أو فكرية؟
وأصدق كل الأسفار في شرع الاحتفالي هي التي تأخذك للأبعد، وتأخذك إلى العوالم السحرية والشعرية الغريبة والعجيبة، وهذا السفر المسرحي قد يكون مجرد متاهة، متاهة تدخلها أنت بسبولة، لأنك تعرف باب الدخول إليها، ولكن لا يمكن أن تعرف باب الخروج منها، لأنه، ومن بين جميع أبوابها الكثيرة جدًا، لا يمكن أن تجد فيها بابًا واحدًا، يمكن أن يكون هو.. باب الخروج.
ومدينة المنستير التونسية، في ذلك الزمن السبعيني من القرن الماضي، كانت عاصمة من عواصم المسرح المغاربي، مثلها مثل الدار البيضاء مع الطيب الصديقي والمسرح البلدي، ومثلها مثل مدينة الجزائر مع مصطفى كاتب والمسرح الوطني الجزائري.
ومدينة المنستير التونسية هي التي قدمتني للجمهور المغاربي في صيف 1974، وذلك من خلال المهرجان المسرحي المغاربي بمدينة المنستير، وكان المغرب مشاركًا في المهرجان بمسرحية (عنترة في المرايا المكسرة) والتي قدمتها فرقة المعمورة الوطنية، وكانت من إخراج عبد اللطيف الدشراوي، وكانت من تشخيص أحمد العلوي وأحمد العماري ومحمد الحبشي وفاطمة الركراكي وثريا جبران والكناني والعربي بلشهب ومصطفى منير، بالإضافة إلى أربعة أسماء من أجود ما أعطى مسرح الهواة في ذلك الزمان السبعيني، وهم العربي الزهراوي من فاس وعبد اللطيف المزوري من العرائش وعبد الرزاق بنعيسى من وجدة وأحمد اكريكيط من مدينة الخميسات.
وفي رسالة له عبر الواتساب، يقول لي المخرج كمال العلاوي: (أستاذنا وصديقنا عبد الكريم تحية أخوية من تونس التي أحبتك ولا تزال من خلال ما تعلموه منك وعرفوه عنك من البحوث المسرحية والكتابات القيمة، وقد أخذنا منها الكثير ومازلنا، فهي تنير طريقنا نحو مسرح عربي يجب أن نحرره من القيود والتبعية الغربية بشيء من التروي والموضوعية).
نعم، صديقي ورفيقي في المسيرة المسرحية، وهل جاءت هذه الاحتفالية، في المجتمع العربي، إلا من أجل تعريب المسرح العربي، ومن أجل أن يكون مسرحًا حيًا، ويكون مسرحًا حرًا، ويكون مسرحًا صادقًا، ويكون مسرحًا إنسانيًا، ويكون مسرحًا مدنيًا، ويكون مسرحًا احتفاليًا، فلسفته الفرح واقتسام الفرح، وغايته العيد والتعييد؟
الاحتفالي والعين الثالثة
ويقول الاحتفالي: بيني وبين نفسي عقد اتفاق، ألتزم فيه أن أرضي نفسي، وأن أرضى عن نفسي، وفي المقابل، تلتزم نفسي ألا تفعل إلا ما يرضيني، ويرضي الحق والحقيقة، ويرضي المسرح الحق، ويرضي الله، ويرضي عيال الله، وفي كل حياتي وحياة مسرحي لم أبحث إلا عن ساعة واحدة، ولقد قلت وكتبت في أكثر من بيان واحد وفي أكثر من كتاب واحد، بأن ساعة الاحتفالي لا يمكن أن يكون لها سوى معنى واحد، وهو أن المحتفل راضٍ عن نفسه، وراضٍ عن ساعته، وراضٍ عن حاله، وراضٍ عن ماله، وراضٍ عن اختياره.
وتعقيبًا على المقالة السابقة والتي كانت بعنوان (ما لا قبل له ولا بعد له لا وجود له) يقول الأستاذ عبد العزيز باحفيظ ما يلي: (الاحتفالية رؤية للعالم من منظور جمالي وفكري، تشتغل على آليات لخلق التعييد المتجدد، في فضاء إنساني، ديمقراطي… يتمتع من خلاله الإنسان بفكر حرٍّ، وحياة حرّة، وسلوك حرّ، وأحلام حرّة، وآمالٍ حرّة… الاحتفالية ككهف أفلاطون، من يراه من الخارج، فقد حكم على المظهر، والقشور، ومن خالط أهل كهفه، فقد رأى الحقيقة، واكتشف اليقين… يقين الرؤية، وبصيرة الرؤيا.. لم تعد الاحتفالية الـ “نحن” “الآن” “هنا” تستجدي الأقلام للكتابة عنها وعلى عشّاقها الحيويين، بل للاحتفالية أقلامها البناة، والمؤسّسون، والمنظّرون، والهُواة، والمبتلون…. لها من الزاد الفكري والجمالي الثقافي، ما يجعلها إرثاً للأحفاد…. لن تموت، ولن تتلاشى، فهي منغرسة فينا، كما أننا منغرسون فيها، فهي النحن، والنحن هي…).
مثل هذا الكلام لم يكن هناك في السبعينات من القرن الماضي من يجرؤ على قوله أو على كتابته، وكان الحصار مضروبًا على التفكير الحر وعلى التعبير الحر وعلى الإبداع الفكري والجمالي الحر.
ولقد اختار الاحتفالي المسرح، لأن هذا المسرح هو عيننا الثالثة، وتبقى هذه العين الثالثة أساسية في جسد الكاتب الفنان، لأن العين الواحدة لا يمكن أن ترى إلا نصف الكأس، ونصف الكأس هو نصف الحقيقة، ونصف الحقيقة لا يمكن أن تكون حقيقة، أو أن تكون لها أية علاقة بالحقيقة، كما أن العين الثانية لا يمكن أن ترى إلا النصف الثاني من هذه الكأس.
والاحتفالي الذي كتب كتابًا وأعطاه عنوان (أنا الذي رأيت) هو الذي أكد على أن عيننا الحسية يمكن أن ترى كل شيء إلا أن ترى نفسها، وهي لا يمكن أن تراها إلا في المرآة، ومراة الإنسان هي المسرح، وفي هذا المسرح ترى عين الإنسان نفسها بشكل كامل وحقيقي، وترى مجتمعها، وترى تاريخها، وترى الظاهر القريب، وترى الخفي البعيد.
وفي مخطوط كتاب (الرؤية الاحتفالية بين العيدية والمأتمية) يقول الاحتفالي ما يلي: (نعم، في البدء كان الفراغ، وحده لا شريك له، وأقول هو الفراغ وليس الخواء، لأنه من بعد الفراغ يحضر الامتلاء، وفيه ومعه حضرت كل الأشكال والأحجام والأوزان والألوان والأبعاد والمسافات والحالات، وبقدر كثافة الأجساد والأرواح، وبقدر ثقلها وقوتها يكون هذا الامتلاء دائمًا، وفي البدء أيضًا كان الظلام، وحده لا شريك له، وكانت العتمة التامة، ثم من بعد جاء النور، فكان ضروريًا أن نرى الأشياء، وأن نتبينها، وفي ذلك البدء المؤسس كان الغياب وحده، قبل أن يحضر الحضور، وقبل أن يحضر الحاضرون، وقبل أن يولد الحكي ويولد فعل التاريخ، ويحضر شخص المؤرخ).
وفي مفتتح كتاب (الصعود إلى فلسطين) يقول واحد من الاحتفاليين: (إن الأصل في هذا الكتاب أنه رحلة، وما الكتابة ـ في معناها الحقيقي ـ إلا سفر ورحلة، وإن كل رحلة هي بالأساس تمدد الذات، جسدًا وروحًا، وذلك بحثًا عن البياضات والفراغات الكائنة والموجودة والمستحيلة، أو تأسيسًا للفراغات الأخرى الغائبة والمغيبة؛ الممكنة والمحتملة الوجود، وهو محاولة للانفلات، من هذه الذات أولاً، ومن المحيط الضيق والمحدود ثانياً، ومن سكونية الأشياء ثالثاً، ومن جاذبية الأرض رابعاً، ومن إكراهات العادة خامساً، ومن كثافة الواقع سادساً، ومن سلطة غريزة القطيع سابعاً، وهي أيضاً، محاولة للخروج، ومحاولة للوصول عفاك، ومحاولة للتغير والتحول، ومحاولة للقبض على جمر المعرفة، وكيف يمكن للشمس، أن ترحل مساء كل يوم، وأن تعود صباح كل يوم، لتعطينا ظلالاً جديدة، وذلك من غير أن تغوي الإنسان بالرحيل وتغريه بأن يحضر الغياب وفي الغياب، وأن يبحث عن الظهور في الاختفاء، وأن يتجاوز الكائنات في الوجود، إلى القبض عن الممكنات فيه).
حوارية الغريب والساعة الغريبة
في كتاب (الرحلة البرشيدية) وفي الحوارية الأولى من الكتاب، والتي تحمل عنوان (حوارية الغريب والساعة)، نجد ذلك الغريب الذي رحل رحلته الافتراضية إلى عالمه الافتراضي، والتي أ وصلته إلى مدينة غريبة، مدينة فيها كل شيء إلا.. الساعة، ومتى كان للساعة وجود إلا في مدينة احتفالية بعيدة في قربها وقريبة في بعدها.. مدينة لا يمكن أن يصل إليها إلا الحالمون في الأحلام الشعرية.
يقول ذلك المسافر الحالم وهو يرى هذه المدينة لأول مرة: (يا الله.. إنه لا شيء يشغلني ويقلقني الآن إلا مولاتنا الساعة.. مع أنه لا وجود لشيء في هذه المدينة يسمى الساعة، ومع ذلك فإنني مأخوذ بسحر وجاذبية هذه الساعة الوهمية، والتي أحسها ولا أراها، والتي تراني ولا أراها.
في هذه المدينة الافتراضية لا وجود للزمن، ومع ذلك فإنني لا أقدر أن أتوقف عن التفكير في الساعة، ربما لأن دقات قلبي تذكرني بها، وتشعرني بأن هذه الدقات، قد تكون دقاتها، أو قد تكون صداها، كل شيء ممكن..
وإنني لا أملك الآن إلا أسئلتي التي أتيت بها من العالم الآخر، من عالمي وعالمكم، والذي نظن أنه وحده العالم الحقيقي، وهل هو حقًا كذلك؟ لست أدري..
ويحضرني اللحظة سرب من الأسئلة الطائرة والمجنحة.. وإنني أسألكم: نقطة البدء في هذه الساعة الافتراضية ـ في الكون الافتراضي، وفي هذا الوطن الافتراضي، وفي هذا الزمن الافتراضي ـ هل تعرفونها؟ (صمت) لا تجيبون.. وهل لها موقع معلوم، أو مجهول، سواء في خرائط الوجود، أو في خرائط الزمان، أو في خرائط المكان؟ أو في خرائط اللامكان؟ (صمت) مرة أخرى لا جواب.. وإن كان لها موقع ما، معلوم أو مجهول، فأين يكون؟ هنا أو هناك؟ وما معنى هنا وما معنى هناك؟ أخبروني.. أين توجد؟ في الوجود أو خارج الوجود؟ وهل هناك شيء يمكن أن يكون له وجود خارج الوجود؟ (صمت) هل هي حاضرة في اليقظة أم في المنام، أم فيما بينهما؟ وما معنى اليقظة وما معنى المنام؟ (صمت) مرة أخرى لا تجيبون، ولا أحد في كل هذه المدينة الافتراضية يمكن أن يجيب، أما أنا فلي أجوبتي الخاصة، والتي أتيت بها من عالمي الآخر.
قد تقولون إنها ساعة الصفر، وأقول أنا إنها ساعة العيد والاحتفال.. وعن هذه اللحظة أبحث دائمًا، ومن أجلها سافرت ورحلت وتغربت في الأوطان الحقيقية والوهمية.. نعم، هي لحظتنا الحية والمتدفقة بالحالات والخيالات وبالصور المتحركة والملونة، والتي هي سلطانة كل اللحظات.. هي المنطلق دائمًا، وهي المبتدأ والمركز، وهي الامتلاء بعد الفراغ، وهي الحضور بعد الغياب، وهي النظام بعد الفوضى، وهي اللقاء بعد الفراق، وهي الحقيقة بعد الوهم، وهي البعث المتجدد بعد.. الموت، أو ما يمكن أن يشبه الموت..
أما النقطة الأخرى، نقطة الختام، أو ما يشبه الختام، فلا تسألوني عنها، لأنه لا ختام في هذه الدائرة المغلقة، وكل شيء نتوهم أنه ختام، فما هو إلا بدء آخر، وما هو إلا ولادة أخرى جديدة، وإنني أدعوكم لمولد اللحظات الأخرى، اللحظات الأكثر حقيقة، والأكثر شفافية، والأكثر صدقًا، والأكثر جمالاً وشاعرية، والأكثر امتدادًا في النفس والروح، فهل تقبلون دعوتي؟ (صمت) وأفهم من هذا الصمت أنكم قبلتم دعوتي.. وأتأمل المكان حولي وأقول: أين نحن الآن؟ نعم، من حقكم أنتم أيضًا أن تسألوني نفس السؤال: أين نحن الآن؟ وأقول لكم: نحن الآن هنا، في وسط الأرض، نقف في رحم الساعة الوهمية والحلمية.. نعم، نحن في صرتها نتنفس، وفي عينها نعيش، ونقطة النبع المتدفق بالحالات تمر من هنا، ونحن، من نكون؟ نحن العيد يا أصحابي، ونحن أهله وصحبه، وما هذه اللحظات المتطايرة، فينا ومن حولنا، إلا لحظات للتعييد.. انظروا.. أو تخيلوا.. لقد أوقدت الشموع والقناديل حتى تروني، ومعي كل ظلالي الملونة، وحتى أراكم أحسن.. إنني أدعوكم إلى مائدتي، وهذا العشاء هو العشاء الأول، وأعدكم بأنه لن يكون الأخير، وكلمة الأخير لا وجود لها في مملكة هذه الساعة التي لا تشبهها أية ساعة، أنتم أصحابي.. كلكم أصحابي، وليس بينكم أي يهوذا، أليس كذلك؟ ومن كان منكم خائنًا، أو كان في نفسه شيء من الغدر، فإنه لا يمكن أن يكون منا، أو أن يشاركنا الخبز والملح والماء وهذا الهواء.. إن مائدتي هي مائدة الفرح، ولقد أخبروني بأن الاشتراك في كل شيء ينقصه، إلا في السرور، فهو يزيده، تعالوا إلي إذن، اقتربوا أكثر، فشجرة الفرح ليست محرمة، وليست ممنوعة إلا على الظالمين والمجرمين وعلى المزيفين والمحتالين، وعلى الجلادين والدجالين والمشعوذين.. (صمت).
