نزاهة البحث العلمي بالمغرب: جامعة ابن طفيل بالقنيطرة في الخانة الحمراء
الرباط- خاص:
تشكل النزاهة الأكاديمية الركيزة الأساسية لمصداقية المؤسسات الجامعية وجدوى إنتاجها العلمي. ومع يتزايد الاعتماد على المؤشرات الببليومترية (Bibliometrics) لتقييم الجامعات وتصنيفها دوليا، أضحت ظاهرة سحب المقالات والأبحاث العلمية (Research Retractions) معيارا حاسما لكشف الثغرات الأخلاقية والأخطاء المنهجية التي تشوب البحث العلمي.
في هذا السياق كشف مؤشر مخاطر النزاهة في البحث العلمي (RI²) لعام 2025 عن وضعية مقلقة لـ 10 جامعات مغربية اندرجت ضمن المؤسسات التي تواجه مشكلات وتحديات ملموسة تمس بنزاهة المنشورات الصادرة عن باحثيها، وذلك نتيجة لسحب أبحاث بسبب أخطاء علمية جوهرية أو مخالفات صريحة لقواعد الأمانة الأكاديمية (مثل السرقة العلمية، التلاعب بالبيانات، وتزوير مراجعات الأقران).
ووفقا لقاعدة بيانات المؤشر، تم تقسيم الجامعات المغربية الـ 10 المعنية إلى ثلاث فئات تحذيرية:
أ. الخانة الحمراء (مخاطر مرتفعة جدا – Very High Risk)
جامعة ابن طفيل بالقنيطرة: أ. الخانة الحمراء (مخاطر مرتفعة جداً – Very High Risk)
تصدرت اللائحة بوقوعها في الخانة الحمراء، حيث سجلت خرقا حرجا تمثل في سحب 165 مقالاً علمياً (من أصل 2,154 مقالاً منشورا). ويعود هذا السحب المرتفع إلى أخطاء منهجية، أو غياب الشفافية، أو الانتحال العلمي (Plagiarism). وعلى الرغم من أن الجامعة تطعن أحيانا في هذه المؤشرات مستشهدة بتصنيفات دولية أخرى تركز على الأداء المادي العام، إلا أن هذا التراجع أضر بمصداقية ونزاهة منشوراتها المحصاة دوليا.
ب. الخانة البرتقالية (مخاطر مرتفعة – High Risk)
تضمنت هذه الخانة أربع جامعات مغربية كبرى تعاني من ضغوط ومخاطر عالية مسجلة في نزاهة الأبحاث:
جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء
جامعة محمد الخامس بالرباط
جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس
جامعة ابن زهر بأكادير
ج. الخانة الصفراء (تحت المراقبة – Under Monitoring)
تضم هذه الفئة جامعات مهددة بالسقوط في الخانتين البرتقالية والحمراء في حال عدم اتخاذ إجراءات تصحيحية:
جامعة عبد المالك السعدي (تطوان/طنجة)
جامعة السلطان مولاي سليمان (بني ملال)
جامعة مولاي إسماعيل (مكناس)
جامعة القاضي عياض (مراكش)
جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P – بنجرير)
الاختلالات الأخلاقية وقضايا الفساد الأكاديمي
لا تقتصر أزمة النزاهة الأكاديمية على الأخطاء البحثية المنهجية، بل تمتد في بعض جوانبها إلى ممارسات زجرية تضرب مبدأ الاستحقاق وتسيء إلى سمة التعليم العالي. ويبرز في هذا الصدد ما شهدته جامعة ابن زهر بأكادير من متابعات قضائية واعتقالات مست أطرافاً أكاديمية (من بينها القضية الشهيرة المرتبطة بالأستاذ المعتقل “قليش”)، إثر تورطه في تحويل الشهادات والماستر إلى “سلعة” للبيع والشراء.
تعكس هذه الحوادث تفاعلا خطيرا بين الفساد الإداري والتراجع الأخلاقي، حيث يؤدي ضعف الحكامة والمراقبة الذاتية داخل بعض المسالك الجامعية إلى ضرب التنافسية الشريفة وتشويه قيمة الشهادات والبحوث الصادرة عن الجامعة المغربية.
ملخص المصادر والمواقع المرجعية للمؤشر
أ. الموقع الرسمي للمؤشر (Research Integrity Risk Index – RI²)
الرابط: sites.aub.edu.lb/lmeho/ri2
الملخص والتعريف: مؤشر (RI²) هو أداة تقييمية دولية طوّرها الباحث لقمان مهو (Lokman I. Meho)، وتستهدف رصد وتحديد المؤسسات الأكاديمية والجامعية حول العالم التي تواجه مخاطر عالية تتعلق بنزاهة أبحاثها المنشورة. يعتمد المؤشر على رصد قواعد بيانات السحوبات الأكاديمية عالمياً لقياس مدى التزام المؤسسات بالمعايير الأخلاقية.
ب. منهجية المؤشر وتصنيف النتائج (RI² Methodology)
الرابط: sites.aub.edu.lb/lmeho/ri2/methodology
ملخص المنهجية:
جمع البيانات: يعتمد المؤشر على تجميع البيانات الشاملة للمقالات المسحوبة من قواعد عالمية مثل Retraction Watch، وScopus، وWeb of Science.
طريقة الحساب: لا يكتفي المؤشر بعدد المقالات المسحوبة بشكل مجرد، بل يقيس نسبة المقالات المسحوبة مقارنة بالحجم الإجمالي للإنتاج العلمي للمؤسسة خلال فترة زمنية محددة.
تصنيف أسباب السحب: يحلل المؤشر طبيعة المخالفات، مفرقاً بين الأخطاء غير المقصودة (مثل أخطاء الحسابات أو البرمجيات) وبين الانتهاكات الصريحة للنزاهة، مثل:
السرقة العلمية والانتحال (Plagiarism).
تزوير البيانات والصور (Data/Image Fabrication & Manipulation).
مصانع الأوراق العلمية (Paper Mills) والاعتماد على مجلات تجارية/مفترسة.
التلاعب بمراجعة الأقران (Peer-Review Manipulation).
مستويات الخطر: يُصنف المؤسسات بناءً على الانحراف عن المعايير المقبولة إلى أربع فئات (حمراء، برتقالية، صفراء، وخضراء).
ج. الدراسة العلمية في مجلة Scientometrics
المرجع: Meho, L. I. (2025). Scientometrics Journal.
الرابط: Springer – Scientometrics
ملخص الدراسة:
تُقدم الدراسة التأصيل العلمي والمنهجي لبناء مؤشر (RI²)، موضحة كيف أصبحت ظاهرة سحب الأبحاث العلمية تحدياً يتعاظم بسرعة في المشهد الأكاديمي الدولي.
تؤكد الدراسة أن تزايد معدلات السحب لم يعد مجرد حالات فردية للباحثين، بل أصل لمشكلة مؤسسية تنجم عن بيئات تشجع على “الكم على حساب الكيف“.
استعرض الباحث عبر أدوات الببليومترية المتقدمة كيفية التنبؤ بالمؤسسات الأكثر عرضة للمخاطر وتزويد صُنّاع القرار السياسي والأكاديمي ببيانات دقيقة لتفعيل الرقابة وحماية الاستثمار في البحث العلمي.
الأسباب الرئسية لارتفاع مخاطر النزاهة الأكاديمية
ثقافة “انشر أو مت” (Publish or Perish): اشتراط عدد معين من المقالات المنشورة للحصول على الترقيات العلمية أو مناقشة الأطروحات دون تقييم دقيق لجودتها.
الانجرار نحو المجلات المفترسة وتجارية النشر: لجوء بعض الباحثين إلى دور نشر غير رصينة تتيح النشر السريع مقابل مقابل مادي دون تحكيم علمي حقيقي.
ضعف آليات المراقبة الداخلية: غياب برمجيات متطورة لكشف الانتحال (Plagiarism Detection Tools) وتدقيق البيانات قبل إرسال المقالات للنشر.
غياب الثقافة الأخلاقية التأطيرية: نقص التكوينات الموجهة لطلبة الدكتوراة والباحثين الشباب حول أخلاقيات البحث العلمي والأمانة الأكاديمية.
توصيات ومقترحات الإصلاح
تفعيل لجان الأخلاقيات (Ethics Committees): إنشاء لجان مستقلة ومفعلة على مستوى كل جامعة لمراقبة جودة البحوث والتدقيق في الأطروحات والمقالات.
إعادة النظر في معايير التقييم والترقية: الاعتماد على معايير الجودة والأثر العلمي (Impact Factor الرصين) بدلاً من الاعتماد المباشر على الأعداد المجردة للمقالات.
اعتماد الحكامة والشفافية القانونية: الحزم في مواجهة كافة مظاهر الفساد الأكاديمي والاتجار بالشهادات وتفعيل أقصى العقوبات التأديبية والقانونية بحق المخالفين.
التأسيس للنزاهة الرقمية: تزويد الجامعات ببرامج حديثة لكشف التزوير وتفقد جودة الصور والبيانات والاحصائيات الشبيهة بتلك المستعملة في كبريات الدوريات العالمية.
إن إدراج 10 جامعات مغربية في مؤشر مخاطر النزاهة الأكاديمية (RI²) لسنة 2025 يشكل جرس إنذار حقيقي يستدعي إعادة هيكلة شاملة لمنظومة البحث العلمي بالمغرب، والانتقال من منطق الكم وتجميع أعداد المقالات إلى منطق الحكامة والجودة والأمانة العلمية.
