“الانتفاضة المُغيّبة”.. حين تُرمّم السينما الوثائقية الذاكرة الفلسطينية
محمد عبد الإله المهمة
بقاعة مسرح عبد الصمد الكنفاوي، وفي إطار مهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي، كان للسينيفيليين وعموم جمهور هذا المهرجان، زوال يوم السبت 18 يوليوز 2026، موعد مع الشريط الوثائقي “الانتفاضة المغيبة” للمخرج الفلسطيني ورد جرايسي.
الشريط ثمرة اشتغال استغرق عدة سنوات، صُرِفت في البحث بين ركام الوثائق والتسجيلات المصورة والمكتوبة، وفي التقصي بغرض اللقاء بشخصيات عايشت عن قرب واقعة شهر ماي 1958، المعروفة بـ “الانتفاضة المغيبة” جراء الخوف من البوح ومن الكلام والتفكير بصوت مرتفع في وضعية ما بعد النكبة؛ تلك المرحلة التي هجّرت الفلسطينيين من مدنهم وقراهم وبلداتها.
نتيجة لحرب النكبة (1948)، فتح الفلسطيني عيونه على واقع باتت السيطرة فيه لنظام حكم عسكري لم يستطع إجلاء شعب كامل عن أرضه ودياره. وبحسب الشريط، فإن هناك من المهجرين من عادوا واستعادوا حياتهم من حيث أُقتُلِعوا بالقصف، وهدم المساكن، وإتلاف المحاصيل… ومن بين هؤلاء من شكلوا طليعة هذه الانتفاضة الساقطة من سجلات ومدونات تاريخ حرب النكبة؛ فمن مدينة الناصرة انطلقت الشرارة التي ألهبت مدينة أم الفحم، وامتد لهيبها إلى غيرها من البلدات والمدن المجاورة.
قوة الوثيقة وأصالة الذاكرة
ما يضفي على فيلم “الانتفاضة المغيبة” قوة الوثيقة التاريخية يكمن في الاشتغال السينمائي على ما أكدته الذاكرة البعيدة انتصارا منها للحق لا للنسيان، وإجلاء لما تراكم فوقه غبار الصمت وابتلاع اللسان طوال عقود من الزمن؛ حقائق عانت من إهمال أو لا مبالاة التاريخ المدون. وهي لحظة في الشريط تعيد إلى الأذهان الفكرة الجوهرية من رواية “عائد إلى حيفا” للشهيد غسان كنفاني.
شملت هذه الذاكرة استخراج مكنون صدور معمرين بلغ بعضهم زمن تصوير هذا الفيلم عقده الثامن والتاسع. وعلاوة على كونهم شهود حرب وعيان على مرحلة من حياة فلسطينيي الداخل المحتل المكرس بموجب القرار الأممي لسنة 1948، فإنهم بالتحديد الدينامو المحرك لانتفاضة مغمورة؛ لولا هذا الشريط السينمائي الذي نقلها من دائرة النسيان إلى عتبة التذكر والاعتبار.
فلسطينيو مدينة الشاعر الفلسطيني الكبير الراحل توفيق زياد جسدوا عبر سردية هذا الشريط الوثائقي صمودهم ومقاومتهم لسياسات الحكم العسكري رغم ما بثه بينهم من جزع ورعب. ففضلا عن قيمته التوثيقية والتاريخية، ينهض شريط “الانتفاضة المغيبة” على رؤية جمالية ذات مستوى عال من الإبداع.
كان لا بد من التوجه بالحوار إلى صناع هذا العمل: (كاتبة السيناريو السيدة نادرة أبو دبي سعدي، المخرج ورد جرايسي، والمنتج والمونتير بشارة مرجية)، هذا الثلاثي المنتج لشريط توثيقي يحمل – دون شك – إضافة قيمة للمنجز الفيلموغرافي السينمائي الفلسطيني، سيما وأن زمن عرضه يزامن ما أعقب تحولات السابع من أكتوبر 2023 في الفكر السياسي ووعي الرأي العام العالمي، وبخاصة داخل المجتمعات التي مضت عليها عقود وهي تستبطن عطفا وتضامنا للكيان الذي عُدَّ زيفا “واحة الديمقراطية“.
حوار مع الكاتبة والباحثة نادرة سعدي
رحلة التوثيق وكتابة السيناريو
سؤال: كيف ولدت فكرة سيناريو فيلم “الانتفاضة المُغيّبة”؟
نادرة سعدي: لم تكن فكرة الفيلم وليدة لحظة عابرة، بل جاءت نتيجة لقاء مهني وفكري جمعني بالمخرج ورد جرايسي خلال مشروع آخر كنت أعمل عليه. يومهاحدثني عن فكرة الفيلم، وعرض عليّ جزءا من المقابلات التي كان قد بدأ بتصويرها بالتعاون مع المصور والمونتير بشارة مرجية. منذ اللحظة الأولى، شعرت أن ما يُطرح أمامي ليس مجرد مادة تاريخية، وإنما مشروع يحمل مسؤولية أخلاقية وثقافية تجاه الذاكرة الفلسطينية.
استهوتني الفكرة لسببين متلازمين:
الأول: شغفي العميق بالأفلام الوثائقية بوصفها وسيطا قادرا على الجمع بين البحث الأكاديمي والسرد الإنساني.
الثاني: إيماني بأن المعرفة لا ينبغي أن تبقى حبيسة الكتب والأرشيفات، بل يجب أن تُقدَّم بلغة بصرية تجعلها متاحة لشريحة أوسع من الجمهور، وخاصة الأجيال الشابة. فالسينما الوثائقية، عندما تستند إلى بحث رصين، لا تكتفي بتوثيق الماضي، وإنما تعيد إنتاجه في الوعي الجمعي وتمنحه حياة جديدة.
انضممت إلى فريق الفيلم، وبدأت رحلة البحث حول أحداث ماي 1958، واطلعت على جميع المقابلات والمواد الأولية التي جُمعت، ثم شرعت في كتابة النص وبناء السردية السينمائية للفيلم. لم يكن الأمر مجرد كتابة سيناريو، بل كان محاولة لإعادة تركيب حدث تاريخي من خلال الوثائق والشهادات والذاكرة الشفوية، بما يحافظ على الأمانة التاريخية ويمنح المشاهد تجربة إنسانية عميقة. وعلى مدار عام كامل من البحث والكتابة والتصوير، عملنا بصورة جماعية على مراجعة المادة وتطويرها، حتى شعرنا أننا أصبحنا نملك مادة بحثية وبصرية ناضجة تسمح بالانتقال إلى مرحلة المونتاج التي تولّاها بشارة مرجية، ثم المراجعات النهائية وصولا إلى الفيلم بصورته الحالية.
آليات التغييب ومساءلة الذاكرة
سؤال: لماذا “الانتفاضة المُغيّبة”؟ ومن الذي غيّبها؟
نادرة سعدي: اختيار هذا العنوان لم يكن توصيفا دراميا بقدر ما كان سؤالا مفتوحا يدعو إلى التفكير. فهذه الانتفاضة لم تغب لأنها لم تقع، بل لأنها لم تنل المكانة التي تستحقها في الذاكرة الجماعية الفلسطينية وفي السرديات التاريخية المتداولة. لقد تضافرت عوامل عديدة أسهمت في تهميشها وإبعادها عن الوعي العام، ولم يكن ذلك نتيجة سبب واحد أو جهة واحدة.
من أبرز هذه العوامل أن الحدث وقع في ذروة فترة الحكم العسكري المفروض على الفلسطينيين في الداخل، وهي مرحلة اتسمت بسياسات القمع والمراقبة والتضييق، وكان الخوف آنذاك جزءا من الحياة اليومية. هذا المناخ جعل كثيرين يترددون في الحديث عمّا عاشوه أو توثيقه خوفا من الملاحقة أو من تبعات قد تطالهم أو تطال عائلاتهم. وهكذا بقيت العديد من الشهادات حبيسة الذاكرة الفردية، ولم تتحول إلى رواية جماعية متداولة.
كما أن كثيرا ممن عاشوا تلك الأحداث حملوها بوصفها تجربة شخصية مؤلمة أكثر من كونها محطة وطنية جامعة؛ فبقيت القصص تُروى داخل العائلات أو بين من عايشوا تلك المرحلة، دون أن تجد طريقها إلى الحيز العام أو إلى الإنتاج الثقافي والبحثي الذي يمنحها مكانة في الذاكرة الوطنية. ومع مرور الزمن وتعاقب أحداث فلسطينية مفصلية أخرى استحوذت على الاهتمام السياسي والإعلامي، تراجع حضور أحداث ماي 1958 أكثر فأكثر إلى الهامش.
إن الفيلم لا يسعى إلى توجيه الاتهام بقدر ما يحاول مساءلة آليات تشكّل الذاكرة والنسيان. كيف يمكن لحدث بهذا الحجم أن يغيب عن الوعي الجمعي؟ وكيف يتحول الخوف، وغياب التوثيق، وتراكم الأحداث التاريخية اللاحقة، إلى عوامل تُسهم في تغييب محطة كاملة من التاريخ الفلسطيني؟ هذه الأسئلة هي جوهر الفيلم، وهي التي تمنحه أهميته اليوم.
الماضي في خدمة الحاضر
سؤال: ما الدافع إلى إعادة التفكير في هذه المرحلة التاريخية البعيدة؟
نادرة سعدي: أؤمن بأن التاريخ لا يصبح بعيدا لمجرد مرور الزمن، بل يصبح بعيداً عندما نتوقف عن طرح الأسئلة حوله. بالنسبة لي، العودة إلى أحداث ماي 1958 لم تكن استعادة للماضي بدافع الحنين، وإنما محاولة لفهم الحاضر من خلال جذوره.
المجتمعات التي لا تراجع تاريخها تفقد القدرة على فهم حاضرها وبناء مستقبلها. ومن هنا جاءت الرغبة في إعادة فتح هذا الملف، ليس بهدف تقديم رواية نهائية، وإنما لإتاحة مساحة للنقاش وإعادة الاعتبار لأصوات وتجارب لم تحظَ بما تستحقه من الإصغاء. فكل شهادة، وكل وثيقة، وكل ذاكرة شخصية، تضيف طبقة جديدة لفهمنا الجماعي لتاريخ الفلسطينيين في الداخل، ولطبيعة نضالهم وتحولاته السياسية والاجتماعية.
كما أنني أؤمن بأن السينما الوثائقية تمتلك قدرة استثنائية على إعادة وصل الأجيال بتاريخها؛ فهي لا تقدم الوقائع فحسب، بل تمنحها وجوها وأصواتا ومشاعر، وتحول التاريخ من مادة جامدة إلى تجربة إنسانية حيّة، قادرة على إثارة الأسئلة وإعادة التفكير في ما نظنه معروفا أو محسوما.
إن إعادة فتح هذا الملف اليوم لا تعني فقط إنصاف حدث تاريخي غُيِّب، بل تعني أيضاً مساءلة علاقتنا بذاكرتنا الوطنية، والبحث في الأسباب التي تجعل بعض المحطات حاضرة بقوة، بينما تتوارى محطات أخرى رغم ما تحمله من دلالات سياسية واجتماعية ووطنية عميقة.
توقعات الأثر ومقاومة النسيان
سؤال: ما توقعك لأثر هذا الفيلم عند عرضه على الجمهور الفلسطيني أولا، وجمهور السينما عموما؟
نادرة سعدي: أتمنى، أولا، أن ينجح الفيلم في إعادة هذا الحدث إلى مكانه الطبيعي داخل الذاكرة الفلسطينية، وأن يدفع المشاهد إلى التساؤل والبحث، لا إلى الاكتفاء بما يقدمه الفيلم. فإذا خرج الجمهور وهو يشعر بالحاجة إلى قراءة المزيد، أو إلى سؤال من عاشوا تلك المرحلة، أو إلى إعادة التفكير في تاريخ الفلسطينيين في الداخل، فإن الفيلم يكون قد حقق أحد أهم أهدافه.
كما آمل أن يشعر الجيل الشاب بأن هذا التاريخ ليس منفصلا عنه، بل هو جزء من تشكيل هويته ووعيه السياسي والاجتماعي. فالذاكرة الوطنية لا تُبنى فقط من خلال الأحداث الكبرى التي يعرفها الجميع، وإنما أيضا من خلال استعادة المحطات التي بقيت على الهامش، رغم أهميتها في فهم مسار المجتمع الفلسطيني وتطوره.
أما بالنسبة إلى جمهور السينما عموما، فأطمح إلى أن يُنظر إلى الفيلم بوصفه عملا وثائقيا يعتمد البحث الجاد والسرد السينمائي المتوازن، ويقدم تجربة إنسانية تتجاوز خصوصية المكان والزمان. فأسئلة الذاكرة، والنسيان، ومن يكتب التاريخ، ليست أسئلة فلسطينية فحسب، بل هي أسئلة إنسانية عالمية تتردد في تجارب شعوب كثيرة.
وأتمنى أيضا أن يُسهم الفيلم في تحفيز المزيد من المشاريع الوثائقية التي تعيد قراءة التاريخ الفلسطيني في الداخل، وتُنقّب في المحطات التي لم تأخذ حقها من البحث والتوثيق؛ لأن حفظ الذاكرة ليس ترفاً ثقافياً، بل هو فعل مقاومة معرفية، وشرط أساسي لفهم الحاضر وصياغة المستقبل.
في نهاية المطاف أرجو أن يساهم “الانتفاضة المُغيّبة” في فتح نقاش أوسع حول التاريخ والذاكرة، وأن يؤكد أن السينما الوثائقية ليست مجرد وسيلة لحفظ الماضي، بل أداة لإعادة قراءته ومساءلته، وإعادة الاعتبار للأصوات التي غُيِّبت طويلاً حتى تصبح جزءاً من الوعي الجمعي والذاكرة الوطنية.
