«أمي فامة».. حين تصبح الأمومة وطنًا والنضال أسلوب حياة

«أمي فامة».. حين تصبح الأمومة وطنًا والنضال أسلوب حياة

المختار عنقا الادريسي

       إنها المرأة التي لم تتقاعد من حب الوطن، ولذلك فهي تستحق أكثر من بورتريه، كما يفترض أن تُخصَّص لها سيرة تأملية تُقرأ بوصفها نموذجًا للمرأة المغربية التي عبرت ثلاث مراحل كبرى من تاريخ المغرب: مرحلة مقاومة الاستعمار، ومرحلة بناء الدولة الوطنية، ومرحلة النضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان.

قراءة تأملية في سيرة مناضلة صنعت التاريخ بصمت، غير أن التاريخ لم يكن لها منصفًا بما يكفي

استهلال تأملي: حين يصبح النضال أسلوبًا في الحياة وليس مجرد مرحلة منها

قد لا يصعب على المؤرخ أن يكتب عن الذين تعاقبوا على المناصب، أو عن الذين امتلأت الصحف بصورهم، لكن الأصعب هو أن يكتب عن أولئك الذين اختاروا أن يعيشوا للوطن أكثر مما عاشوا لأنفسهم. فهناك رجال ونساء لم يكن همهم أن يتركوا رصيدًا سياسيًا، وإنما أن يسهموا في بناء وطن أكثر حرية وكرامة. ومن بين هؤلاء تبرز فاطمة أعزايز التي عرفناها جميعًا باسم «أمي فامة»، وهو الاسم الذي ارتبط بها بعد خطأ إداري في كتابة الاسم خلال فترة الاستعمار عندما سقط حرف «الطاء» فأصبحت «فامة»؛ وهو الاسم النضالي الذي منحه لها الوطن نفسه، بعد أن صارت أمًا لكل المناضلين، ورفيقة لكل المعذبين، وذاكرة حية لزمن كانت فيه الحرية أغلى من الحياة نفسها.

1- شفشاون: حيث ولدت الطفلة التي تعلمت معنى الحرية قبل أن تتعلم القراءة

ليست كل المدن مجرد فضاءات للسكن، فبعضها يتحول في لحظات تاريخية معينة إلى مدارس تصنع الوعي وتعيد تشكيل الإنسان. ومن بينها مدينة جبلية لم تكن خلال العقود الأولى من القرن العشرين مجرد حاضرة شمالية هادئة، وإنما كانت إحدى واجهات الصراع بين إرادة المغاربة في الحرية ومشروع الاحتلال الإسباني؛ إنها مدينة شفشاون الجميلة، مسقط رأس فتاة صغيرة اسمها فاطمة أعزايز (1932). لم يكن ميلادها حدثًا استثنائيًا في حد ذاته، لأن الاستثنائي كان ذلك الزمن الذي استقبلها، وهو زمن كانت فيه أخبار الاعتقالات والمطاردات والمواجهات المسلحة جزءًا من الحياة اليومية، وكانت كلمة «الوطن» تُتداول داخل البيوت باعتبارها وعدًا مؤجلاً أكثر منها واقعًا معاشًا.

لقد كانت شفشاون منذ فرض الحماية الإسبانية على شمال المغرب عام 1912 إحدى المدن التي احتفظت بروحها المقاومة، فقد ارتبطت بقربها من مجال المقاومة التي قادها البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي. ففي هذا الفضاء تشكل وعي فاطمة أعزايز، وكانت المدينة بالنسبة إليها مدرسة مفتوحة، يتعلم فيها الناس من أخبار المقاومين أكثر مما يتعلمون من الكتب، ويكتسبون من الحياة اليومية دروسًا في الكرامة، والصبر، والوفاء. فكان طبيعيًا أن تؤثر هذه البيئة التاريخية التي ولدت فيها فاطمة أعزايز -لأن الإنسان ابن بيئته- وحين يكون السياق مشبعًا بقيم المقاومة، يصبح الانخراط في النضال امتدادًا طبيعيًا للتربية الأولى. فنمت عندها فكرة التضحية من أجل الوطن باعتبارها جزءًا من الذاكرة الأسرية وليست مجرد خطاب يُسمع في المناسبات فحسب. وغذّت عندها الوطنية حقيقة تربوية عميقة لا تُدرَّس في الكتب وحدها، وإنما تُبنى داخل الأسر عبر القيم والمبادئ اليومية والحكايات التي ترويها الأمهات، والمواقف التي يراها الأطفال في آبائهم وأقربائهم.

وتشير المصادر المتوفرة إلى أن عددًا من أفراد محيطها العائلي دفعوا ثمنًا باهظًا في مواجهة الاستعمار؛ فقد عاشت أحداث مجزرة رهيبة ذهب ضحيتها ستة من أفراد عائلتها، سقطوا تباعًا برصاص غادر على يد عملاء الاستعمار. فكان لهذا المشهد تأثير خاص على نفسيتها، الأمر الذي جعلها تلجأ إلى ضرب مستعمر إسباني كانت تشتغل عنده كمربية لأبنائه وتستولي على سلاحه، وهكذا كانت بداية مشوارها التطوعي والنضالي ضمن الخلايا السرية لحركة المقاومة وجيش التحرير.

ومن هنا يحق لنا القول إن فاطمة، وهي بعد طفلة، تعلمت أن الوطن ليس مفهومًا مجردًا، بل هو الناس الذين يُدافَعُ عنهم، والأرض التي يُحافَظُ عليها، والكرامة التي لا يجوز التفريط فيها. وهو ما يساعد على فهم شخصيتها اللاحقة التي جعلتها تجمع بين الجرأة والانضباط، بين الحزم والتواضع؛ فكبرت وهي تؤمن بأن الإنسان لا يختار دائما الزمن الذي يولد فيه، لكنه يستطيع أن يختار الموقف الذي يتخذه من ذلك الزمن. فكان موقفها واضحًا منذ بدايات حياتها: أن تكون في صف الوطن والتاريخ، فاستحقت عن جدارة لقب «أمي فامة»؛ الأم التي وسَّعت معنى الأمومة حتى صار الوطن كله أحد أبنائها.

2- من التمرد على القيود إلى الالتحاق بجيش التحرير

تروي الشهادات المتداولة أن فاطمة أعزايز رفضت زواجًا أرادته لها الأسرة وهي في سن مبكرة، وغادرت البيت لتلتحق بصفوف المقاومة. وبغض النظر عن التفاصيل التي تختلف حولها الروايات، فإن الثابت هو أن هذه الخطوة شكلت بداية انتقالها من المجال الخاص إلى العام، ومن الاهتمام بشؤون الذات إلى الانخراط في قضية الوطن. وهنا تتجلى إحدى السمات الكبرى في شخصيتها: فقد كانت ترى أن الحرية كلٌّ لا يتجزأ؛ فلا يمكن مقاومة استعمار خارجي مع الاستسلام لكل أشكال الإكراه الداخلي، ولا يمكن الدفاع عن كرامة الوطن من دون الدفاع عن كرامة الإنسان.

ولم يكن انخراط «أمي فامة» في جيش التحرير -وهي المجموعة العسكرية التي أُنْشِئت للإسهام في تحرير المغرب- إلى جانب كل من (عباس المسعودي، عبد الكريم الخطيب، عبد الله الصنهاجي، محمد البصري، محمد بوكَرين، محمد بن سعيد أيت إيدر…) انخراطًا رمزيًا أو شكليًا، بل كانت تشارك في كل المهام التي تتطلب شجاعة استثنائية، من نقل الرسائل والأسلحة إلى ربط الصلة بين خلايا المقاومة والعمل في ظروف كان اكتشافها فيها يعني الاعتقال أو الموت. كان شعارها أن المقاومة ليست فقط المواجهة بالسلاح، بل هي أيضًا انضباط وصبر وكتمان؛ ولذلك أدت أدوارًا لوجستية وتنظيمية كانت أساسًا لاستمرار العمل الفدائي في شمال البلاد، وأسهمت في العمليات التي استهدفت الوجود الاستعماري الإسباني في مرحلة كانت فيها البلاد تعيش مخاض التحرر.

فكسرت الصورة النمطية للمرأة في زمنها، لأنها لم تكن مجرد «مرافقة» للمقاوم، بل كانت مقاومة كاملة الأهلية، تتحمل المسؤولية وتخاطر بحياتها مثل رفاقها في السلاح. ولم تكن الشجاعة عندها فعلاً استثنائيًا، بل ممارسة يومية يغذيها الصبر على المشقة والإيمان العميق بعدالة القضية. فظلت وفية لذاكرة المقاومة حتى بعد الاستقلال، لأنها لم تعتبر النضال محطة عابرة، بل اعتبرته ميثاقًا أخلاقيًا مع الوطن الذي صار هو المعنى الذي تنتظم حوله حياتها كلها، فاستحقت أن تُعرف باسم «أمي فامة» لأن الأمومة عندها لم تقتصر على أسرة صغيرة، بل اتسعت لتشمل كل من كان يحلم بمغرب حر.

3- من تحرير الوطن إلى تحرير الإنسان

بعد الاستقلال، انخرطت أمي فامة في الحياة السياسية، وأسهمت في تأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959 إلى جانب نخبة من قادة الحركة الوطنية، وفي مقدمتهم (المهدي بن بركة، عبد الرحيم بوعبيد، محمد البصري…) قبل أن تنتقل مع رفاقها إلى الاتحاد الاشتراكي. ولم يكن انتقالها إلى العمل السياسي انتقالا من النضال إلى السلطة، بل كان انتقالاً من مقاومة الاحتلال إلى مقاومة أسباب التخلف والاستبداد؛ فقد آمنت بأن السياسة حين تكون وفية لقيمها هي استمرار للمقاومة بوسائل أخرى.

وقد ساهمت كذلك في تأسيس القطاع النسوي بالاتحاد الاشتراكي بعد تأسيسه. وفي 13 يوليوز 1963، وعند اجتماع اللجنة الإدارية في الكتابة الإقليمية بالدار البيضاء، تم اعتقالها، وبعد أن أُطلق سراحها كانت تجمع التبرعات المالية وتوزعها على أبناء المعتقلين. وكان تحضر اجتماعات مناضلات ومناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب سنة 1971/1972، وتُعْمِد إلى توزيع المناشير مع الطلبة.

ومما يجب الإشارة إليه أنها لم تتوقف عند هذه الحدود، بل انخرطت بقوة في الدفاع عن حقوق النساء وتشجيعهن على المشاركة في الحياة العامة، فقد كانت دائمة الحضور في المبادرات الحقوقية التي ربطت بين الديمقراطية والمساواة. وهنا تحضرني صورتها بجلبابها الذي كان بمثابة سكن دائم لها، وهي تشاركنا نحن أعضاء وعضوات «جمعية الأمل الثقافية» بالدار البيضاء – بجرأتها المعهودة وصبرها المتواصل وتحملها كل الأعباء- عند تنظيمنا لندوة إشعاعية حول قضايا المرأة بدار الشباب بوشنتوف في ربيع 1984، والتي تُوجت بمشاركة عالمة الاجتماع المغربية «فاطمة المرنيسي» التي كانت تمثل صوتًا فكريًا جديدًا يدعو إلى مساءلة المسلَّمات وإعادة قراءة الكثير من القضايا من منظور سوسيولوجي يربط النصوص بواقع المجتمع وتحولاته.

وللحقيقة والتاريخ أقول إن هذه الندوة كانت هي ما مكنني من التعرف على شخصية «أمي فامة» عن قرب، خاصة وأن وفاءها للمبادئ التي حملتها منذ شبابها (الحرية… العدالة… الكرامة) لم يكن بالأمر الهين؛ فقد تعرضت مثل غيرها من المناضلين لمواقف قاسية وخلافات سياسية، فتعرضت للطرد من طرف حزب الاتحاد الاشتراكي، الذي كان من ورائه محمد اليازغي عضو المكتب السياسي المكلف بالتنظيم، لتلتحق صحبة العديد من المناضلين بحزب الطليعة.

وقد تناولت افتتاحية العدد الرابع والأربعين من «الاختيار الثوري» الصادر سنة 1989 قضية إبعاد أمي فامة من الاتحاد الاشتراكي باعتبارها حدثًا يتجاوز الحالة الفردية ويرتبط بطبيعة الصراعات السياسية والتنظيمية التي عرفها ما كان يُسمى «يسارًا» في ذلك الزمن، معتبرة أن أمر الإبعاد يعكس أزمة في تدبير الاختلاف داخل التنظيم الحزبي، وأن تاريخها النضالي ورصيدها الوطني كانا يقتضيان معالجة الأمور بمنطق الحوار والاعتراف لا بمنطق الإقصاء.

وعمومًا فإن أمي فامة لم تجعل من تلك التجارب سببًا للتخلي عن قناعاتها، لأنها كانت تؤمن بأن الأشخاص يرحلون، أما المبادئ والقيم فتبقى شاهدة على أصحابها؛ فاكتسبت احترام المناضلين الذين رأوا فيها نموذجًا للمرأة التي لا تغير مواقفها بتغير الظروف، بل تظل وفية لما آمنت به منذ البداية.

4- أمي فامة: سؤال الذاكرة الوطنية بين الإنصاف والنسيان

قد تنجح الأوطان في تحرير الأرض، لكنها قد تتأخر في تحرير ذاكرتها؛ فكم من رجال ونساء أسهموا في صناعة التاريخ، ثم وجدوا أنفسهم خارج صفحات الكتب المدرسية، غائبين عن الشاشات، مجهولين لدى الأجيال الجديدة. ومن بين هؤلاء يبرز اسم «أمي فامة» بوصفها إحدى الشخصيات التي دفعت أثمانًا باهظة في سبيل الوطن، غير أنها لم تحظَ بالقدر نفسه من الحضور في الذاكرة الجماعية. إنها مفارقة مؤلمة؛ فكلما ازداد حضورها في ضمير من عرفوها، ازداد غيابها في الوعي العام. ومن هنا لا يصبح السؤال: من هي أمي فامة؟ بل يصبح: كيف يمكن لأمة أن تنسى بعض أمهاتها؟

ولعل ما يميز «أمي فامة» أنها لم تكن من أولئك الذين سعوا إلى صناعة صورة لأنفسهم؛ فلا هي كتبت مذكراتها، ولا بحثت عن الأضواء، ولا استثمرت تاريخها النضالي في بناء مجد شخصي. ولهذا السبب بقي جزء كبير من سيرتها محفوظًا في شهادات رفاقها، وفي ذاكرة من عاشوا معها، أكثر مما هو محفوظ في الوثائق الرسمية. وهنا تبرز إحدى إشكاليات كتابة التاريخ المغربي؛ إذ إن كثيرًا من بطولات النساء ظلت تنتقل شفهيًا، بينما حظيت بطولات الرجال بتوثيق أوسع بفعل طبيعة المرحلة وأدوات التأريخ السائدة آنذاك.

إن «أمي فامة» ليست حالة معزولة، بل تمثل جيلاً كاملاً من المناضلات اللواتي صنعن بعضًا من الأحداث المتعلقة بمعارك التحرير في الدول المغاربية عامة، والمغرب خاصة، ثم تَرَكْن للأجيال اللاحقة مسؤولية اكتشافهن من جديد -وهو ما شجعني على خوض مغامرة الكتابة عن دور المرأة المغاربية في معارك التحرير الوطني، من الظل إلى جوهر وقلب الفعل-.

وهنا يمكن أن نسأل: لماذا غابت -هي وغيرها- عن الذاكرة المدرسية والإعلامية؟

فمن يتصفح المناهج الدراسية، أو يتابع البرامج الثقافية الموجهة إلى الشباب، يلاحظ أن حضور المناضلات المغربيات ما يزال محدودًا مقارنة بحجم أدوارهن التاريخية، وهو غياب يطرح أكثر من سؤال: فهل لأن المرأة لم تؤدِّ أدوارًا حاسمة في نظر مؤلفي الكتب المدرسية؟ أم لأن كتابة التاريخ ظلت حبيسة النظر إلى الفعل الوطني من زاوية القيادات السياسية والعسكرية، متناسية الأدوار اليومية التي قامت بها النساء؟

إن سيرة «أمي فامة» تقدم مثلاً واضحًا على هذه المفارقة؛ فهي امرأة شاركت في المقاومة وأسهمت في تأسيس حزب وطني كبير، ودافعت عن المعتقلين السياسيين، وانخرطت في الحركة النسائية والحقوقية، ومع ذلك بقي اسمها أقل تداولاً من أسماء كثيرين كانت تجربتهم أقل امتدادًا. ولعل الفيلم الوثائقي «فاما… بطلة بلا مجد» للمخرجة دليلة الناضري، إلى جانب المقالات التي كتبها الكاتب الألمعي عبد الرحيم التوراني في جريدة «السؤال الآن»، يمثلان محاولات ثمينة لإعادة الاعتبار إلى هذه الشخصية، وإخراجها من دائرة النسيان والتهميش إلى فضاء الذاكرة الوطنية.

وتأسيسًا عليه أقول إن سيرة هذه المرأة البطلة لا ينبغي أن تظل محصورة في الندوات أو المناسبات التذكارية، بل ينبغي أن تتحول إلى مشروع تربوي وثقافي. فالناشئة المغربية في أمس الحاجة إلى نماذج وطنية ترى فيها أن حب الوطن ليس شعارًا وإنما هو ممارسة يومية، وأن المرأة كانت شريكًا كاملاً في صناعة الاستقلال وبناء الدولة؛ لأن الذاكرة التي لا تنصف جميع صُناعها تتحول إلى ذاكرة ناقصة، والتاريخ الذي يغفل نصف المجتمع يظل بحاجة إلى التنقيح وإعادة الكتابة. ومن هنا يبقى رد الاعتبار لـ «أمي فامة» ليس وفاء لشخصها فقط، بل هو وفاء لفكرة العدالة التاريخية نفسها.

خاتمة للبدء: حين تتحول السيرة إلى رمز، ويغدو الإنسان فكرة

ثمة أشخاص تنتهي حياتهم بانتهاء أعمارهم، وآخرون يبدأ حضورهم الحقيقي بعد رحيلهم، لأنهم يتحولون إلى رموز تتجاوز حدود الزمان والمكان. وهكذا تبدو «أمي فامة» -التي غادرتنا يوم الجمعة 19 مارس 2004- صورة مكثفة لمسار المغرب الحديث، بما عرفه من مقاومة وآمال وإخفاقات وإصرار دائم على النهوض. إنها لا تشبه مرحلة واحدة من تاريخ المغرب، بل تكاد تختزل مراحله جميعًا؛ معتبرة السياسة رسالة، والنضال واجبًا، والاختلاف وسيلة للبحث عن الأفضل وليس سببًا للقطيعة.

وبذلك تكون الرسالة الكبرى التي تقدمها لنا «أمي فامة» هي أن المواطنة ليست لقبًا بل التزام دائم، وأن الوطنية ليست عاطفة موسمية بل استعداد دائم لخدمة الصالح العام. ولعل الوفاء الحقيقي لها لا يكون في إقامة حفل تأبيني أو إطلاق اسمها على شارع أو مؤسسة فحسب، وإنما في أن تستعيد -هي وأمثالها من المناضلات- المكانة المناسبة والمستحقة في الذاكرة الوطنية، وأن تُدرَّس سيرتهن للأجيال اللاحقة، وأن يُقرأن بوصفهن نموذجًا للمواطنة الفاعلة، وللإنسان الذي ظل إلى آخر العمر يعتبر أن خدمة الوطن ليست مرحلة تنتهي بل عهد لا ينقضي.

وهكذا، فإن «أمي فامة» لم تكن مجرد مناضلة في تاريخ المغرب، بل كانت قيمة أخلاقية متميزة تمشي في جلبابها، ورسالة مفتوحة تقول لكل جيل: قد تختلف وسائل النضال، لكن الوفاء للوطن يبقى دائما هو المعنى الأسمى للحرية.

حواشٍ توثيقية:

  • المقالات التي نشرها عبد الرحيم التوراني في جريدة «السؤال الآن».
  • افتتاحية مجلة «الاختيار الثوري»، العدد 44 (1989).
  • قصاصات من محاضر اجتماعات جمعية الأمل الثقافية بوشنتوف، الدار البيضاء.
شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!