من التعاونية إلى السوق: كيف تغيّر تسويق الحبوب في المغرب؟
الدكتور عبدالواحد غيات
مدخل
تشكّل الدورة الإنتاجية والتسويقية للحبوب في المغرب إحدى أكثر المحطات تعبيرًا عن التحولات البنيوية التي شهدها الاقتصاد الوطني والخيارات التنموية للدولة منذ الاستقلال إلى اليوم. فبينما مثّلت التعاونيات الفلاحية لعقود طويلة رأس الحربة في تأطير صغار المنتجين وحماية القوة التفاوضية للفلاح البسيط أمام تقلبات السوق وسطوة الوساطة، أدى مسار التحرير الاقتصادي والتخلي التدريجي عن الوصاية المباشرة إلى إعادة رسم الخريطة المؤسساتية والتجارية للقطاع؛ حيث تراجع الخيار التعاوني لصالح كبار المجمّعين والفيدراليات الصناعية والفاعلين الخواص.
إن الانتقال من نموذج إدارة السوق عبر أطر جماعية ومؤسساتية ذات بعد اجتماعي إلى إدارة كليّة تعتمد أدوات ضبط مالية وجمركية مرنة، لا يعكس فقط تحولًا في الأدوات اللوجستية والتنظيمية، بل يستعرض أزمة حوكمة عميقة عانت منها المؤسسات التعاونية التي وُجدت فجأة بين فكي رفع الوصاية الحكومية وغياب الجاهزية التنافسية.
يستعرض هذا المقال جذور هذا التحول التاريخي، ومظاهر التعثر البنيوي الذي واجه نماذج تعاونيات كبرى، وصولًا إلى قراءة الواقع الراهن لسوق الحبوب بالمغرب في ظل معادلات الحجم الصناعي والتحرير المالي.
من الحماية إلى الاستقلال: الجذور التاريخية للمنظومة
لم تنشأ التعاونيات الفلاحية المغربية مع الاستقلال، بل تعود جذورها إلى فترة الحماية. فقد كانت هناك عشية الاستقلال حوالي 62 تعاونية قائمة فعليًا، معظمها زراعية وحرفية، من بينها تعاونيات متخصصة في الحبوب والحليب، وبعضها لا يزال قائمًا إلى اليوم. وفي الإطار المؤسساتي نفسه، يعود تأسيس المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني (ONICL) إلى سنة 1937، أي في العهد الاستعماري، ليصبح لاحقًا العمود الفقري لتنظيم سوق الحبوب في المغرب المستقل.
زمن “الوصاية الذهبي”: حين كانت التعاونية مِظلة الفلاح الصغير
بعد الاستقلال، دخلت الدولة في مرحلة تدخل مكثف ومباشر في تسيير التعاونيات، امتدت من 1956 إلى 1983. أصدرت خلال هذه الفترة نصوصًا قانونية متعددة نظّمت أصناف التعاونيات (الزراعية داخل الإصلاح الزراعي وخارجه)، وأحدثت مكتب تنمية التعاون سنة 1962، ثم أعادت هيكلته سنة 1975 كمؤسسة عمومية مكلفة بدعم التعاونيات في التكوين والإعلام والمساعدة القانونية.
في هذه المرحلة، كانت التعاونيات تلعب دورًا محوريًا فعليًا: تجميع محاصيل الفلاحين الصغار، تخزينها، فرزها حسب معايير الجودة، والتفاوض الجماعي على الأسعار ضمن منظومة كان ONICL يضبط أسعارها وحصص استيرادها المكملة. كان هذا الترتيب يمنح صغار الفلاحين قوة تفاوضية لم تكن لتتوفر لهم منفردين أمام السماسرة أو تقلبات السوق.
منعطف التحرير: عندما رفعت الدولة يدها عن السوق
بداية من 1983، غيّرت الدولة توجهها بشكل جذري: انسحبت تدريجيًا من عدد من القطاعات، وحذفت الامتيازات الممنوحة لبعض التعاونيات. جاء هذا التحول ضمن نهج جديد يهدف إلى بناء تعاونيات مستقلة تعتمد على نفسها بدل الوصاية المباشرة. أُطِّر هذا التوجه بالقانون رقم 24.83 المحدد للنظام الأساسي العام للتعاونيات، الذي صدر سنة 1983 لكن معظم فصوله لم تدخل حيز التنفيذ الفعلي إلا سنة 1993، بموجب الظهير الشريف الصادر في 5 أكتوبر 1984. هذا الإطار القانوني ظل ساري المفعول على جميع التعاونيات باستثناء تعاونيات الإصلاح الزراعي التي احتفظت بنظام خاص.
بالتوازي، خضع سوق الحبوب نفسه لتأطير جديد بموجب القانون رقم 12-94 المنظم لسوق الحبوب، والذي لا يزال يحكم عمل ONICL إلى اليوم، عبر مجلس إداري يتقاسم تركيبته ممثلو الإدارة ومهنيو القطاع.
انسحاب الأطر العمومية وصعود العمالقة الخواص
استمر منحى الانسحاب التدريجي للدولة خلال العقود التالية. فمنذ منتصف التسعينيات، بدأت شركات خاصة كبرى تحل محل الأطر العمومية والتعاونية في تسويق المنتجات الفلاحية، وبرزت تكتلات رأسمالية ضخمة استفادت من تفكيك مكتب التسويق والتصدير (OCE) بعد سنة 1998. وقد بلغ هذا المسار ذروته سنة 2020، حين اعتمدت حكومة سعد الدين العثماني مشروع قانون يقضي بحل مكتب التسويق والتصدير وتصفيته نهائيًا، وسط انتقادات من فاعلين في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني اعتبروا أن البديل يجب أن يكون تعاونيات أو شركات تسويق مستقلة بدل ترك الفراغ للقطاع الخاص الكبير فقط.
خريطة القوة الجديدة: تراجع التعاونيات أمام سطوة “المجمّعين والصناعيين”
المعطيات الحديثة عن سوق الحبوب تكشف بوضوح أن مركز الثقل انتقل بعيدًا عن التعاونيات. الفاعل الرئيسي في تجميع القمح من الفلاحين اليوم هم “المجمّعون” وتجار الحبوب المستقلون، بينما أصبح التمثيل المهني للقطاع محتكرًا تقريبًا من طرف فيدراليات كبرى: الفيدرالية الوطنية للمطاحن التي تمثل الصناعة التحويلية، والفيدرالية الوطنية لتجار الحبوب والقطاني التي تمثل التجارة.
هاتان الفيدراليتان هما من يتصدر التصريحات الإعلامية والتفاوض المباشر مع الحكومة حول قضايا الاستيراد والدعم، بينما تظهر التعاونيات الفلاحية كطرف تكميلي فقط، إلى جانب المطاحن ومنظمات التخزين، كما حدث خلال أزمة كوفيد-19 سنة 2020 حين تعبأت “تنظيمات التخزين والمطاحن والتعاونيات الفلاحية” مجتمعة لضمان التموين.
السبب البنيوي لهذا التراجع يكمن في حجم التعاملات: يحتاج المغرب سنويًا إلى نحو 5 ملايين طن من القمح اللين وحده، وقد تصل وارداته في بعض المواسم إلى أكثر من 6.7 ملايين طن. هذه الأحجام تستلزم قدرات لوجستية وتمويلية صناعية تفوق غالبًا إمكانات التعاونية المحلية الصغيرة التقليدية، مما جعل الفاعلين الكبار (تجارًا ومطاحن صناعية) أقدر على ملء الفراغ الذي تركته الدولة والتعاونيات معًا.
تشريح الإفلاس: لماذا انهارت التعاونيات الكبرى في اختبار التنافسية؟
لفهم عمق هذا التراجع، لا بد من النظر إلى حالات ملموسة لتعاونيات حبوب كبرى انهارت، إذ تكشف تفاصيلها عن أسباب بنيوية تتجاوز سوء التدبير الفردي.
- تعاونية وادي زم للحبوب، التي أُحدثت منذ عهد الاستعمار سنة 1937 وكانت مكلفة بوضع الحبوب رهن إشارة ONICL لتموين المطاحن بالدقيق المدعم وضمان استقرار السعر المرجعي، وصلت إلى شبه إفلاس وسط اتهامات بسوء التسيير واختلاسات بملايين الدراهم. لكن مسؤوليها أنفسهم قدّموا تفسيرًا مختلفًا: اعتبروا أن السلطة المحلية كانت تستخدم التعاونية لحل مشاكل طارئة دون تخطيط لتطويرها، بينما تخلّت الجهات الوصية عن أي مراجعة لهيكلتها طيلة سنوات، حتى تراكمت المشاكل وانفجرت.
- التعاونية الفلاحية المغربية الشرقية للحبوب، وهي الأكبر بالجهة الشرقية والمخزن الوحيد للحبوب فيها، انهارت هي الأخرى، ولخّص رئيسها الأزمة في ثلاثة عوامل: تحرير السوق، المنافسة والديون. فقد وجدت التعاونية نفسها تنافس تجارًا خواصًا يستخدمون أساليب ملتوية لخفض تكاليفهم، وهي منافسة لا تستطيع تعاونية ملتزمة بأسعار مرجعية رسمية مجاراتها. وزاد الوضع سوءًا منح قروض بين 2000 و2004 لأطراف خارج التعاونية بدون علم مجلسها الإداري وبدون ضمانات، بمبالغ ضخمة أدت لاحقًا إلى حجز القرض الفلاحي على حسابها وعلى عقارها الرئيسي.
- تعاونية “لاسكام” سلا (التعاونية الفضيلة لتخزين الحبوب والأعلاف، تأسست 1938) قدّمت نموذجًا مختلفًا: كانت تُدار تحت وصاية مباشرة من وزارة الفلاحة عبر لجنة يقظة برئاسة عامل الإقليم حتى 1995، وشهدت خلال هذه الفترة استقرارًا نسبيًا. لكن الانتقال إلى مجلس إداري منتخب – أي إلى “الاستقلالية” التي كان يُفترض أن تنهض بالتعاونية – تزامن مع تراجع حاد وغير مسبوق بين 1995 و2004: رُهنت ممتلكاتها لدى الأبناك، وتوقف توزيع مستحقات المتعاونين من الحبوب والأعلاف لسنوات، في ظل استغلال أمية بعض الأعضاء وقلة خبرة آخرين في تسيير مؤسسة بهذا الحجم، وتخلي الوزارة عن المتابعة بعد رفع وصايتها المباشرة.
هذه الحالات الثلاث، رغم اختلاف تفاصيلها، تكشف عن أنماط مشتركة تفسر هشاشة تعاونيات الحبوب تحديدًا مقارنة بقطاعات تعاونية أخرى:
- نشأة سياسية أكثر منها اقتصادية: كثير من هذه التعاونيات لم تُؤسَّس وفق منطق تطوير قطاعي صرف، بل كأداة لخدمة أجندات محلية أو بناء “خزان انتخابي” للأعيان، حيث تحوّل عدد من رؤساء التعاونيات لاحقًا إلى رؤساء جماعات أو نواب برلمانيين.
- فجوة بين الوصاية والاستقلالية: الانتقال المفاجئ من إدارة مباشرة تحت وصاية الدولة إلى “استقلالية” شكلية، دون تكوين كافٍ للمسيّرين الجدد أو مواكبة حقيقية، أدى في أكثر من حالة إلى الانهيار بدل الإقلاع – وهو ما يعكس بشكل مباشر إشكالية التطبيق المتأخر والناقص لقانون 1983/1993 الذي أشرنا إليه سابقًا: تحرير قانوني على الورق دون بناء قدرات فعلية على الأرض.
- حساسية خاصة لتحرير سوق الحبوب: بخلاف منتجات أخرى، الحبوب مادة استراتيجية يتنافس فيها خواص بأسعار وشروط لا تلتزم بها التعاونية المقيدة بأسعار مرجعية رسمية ومساطر قانونية صارمة، ما يمنح المنافس الخاص هامش ربح لا تملكه التعاونية.
- غياب المتابعة بعد الانسحاب: التهمة المتكررة في هذه الحالات ليست فقط سوء التسيير الداخلي، بل تخلي الدولة عن المراقبة الدورية بعد رفع يدها المباشرة، تاركة تعاونيات تضم آلاف المنخرطين وأصولًا بملايين الدراهم بدون أي آلية إنذار مبكر أو تدقيق منتظم.
- الاعتماد المفرط على القروض البنكية: انتهت الحالات الثلاث المذكورة برهن عقاراتها أو حجز حساباتها لدى القرض الفلاحي أو بنوك أخرى، ما يشير إلى مشكل بنيوي في نموذج التمويل: الاعتماد على الاقتراض دون احتياطي كافٍ لمواجهة موسم فلاحي سيئ أو تراجع مفاجئ في الأسعار.
كرد فعل رسمي على هذه الإخفاقات المتكررة، خصص المخطط الأخضر (2008-2020) ضمن دعامته الثانية مقاربة لتحديث نحو 145 مشروعًا تعاونيًا، بهدف تحديث أساليب التسيير وتمكين التعاونيات من استقلالية حقيقية عن السلطة المحلية، وسد الثغرات القانونية التي سمحت بالفساد وبدائية التدبير في عدد كبير من التعاونيات المغربية.
غير أن هذه الجهود الإصلاحية لم تحقق الغايات المرجوة منها؛ إذ اصطدمت عملية التحديث بعوائق هيكلية وميدانية حالت دون تحول هذه التعاونيات إلى مقاولات اجتماعية قائمة بذاتها. فقد استمرت معظم التعاونيات في مواجهة ضعف مؤهلات المسيرين وغياب التكوين المستمر، إلى جانب صعوبات بالغة في الولوج إلى سلاسل التسويق الحديثة والتمويل البنكي المستدام.
كما أدى تفشي “تعاونيات الواجهة” التي تأسست فقط للاستفادة من الدعم العمومي، إلى جانب استمرار بعض مظاهر الوصاية الإدارية والبيروقراطية، إلى إبقاء الكثير من هذه المؤسسات في دائرة التدبير البدائي والهشاشة الاقتصادية، مما جعل الدعامة الثانية تسجل حصيلة دون الطموحات المسطرة.
هندسة السوق الحديثة: الضبط بالجمارك بدل التحكم في الحصص
في غياب التأطير التعاوني المركزي القديم، أصبح ONICL يضبط السوق عبر أداتين رئيسيتين مرنتين بدل نظام حصص جامد:
- التعريفة الجمركية المتغيرة: تُعدَّل الرسوم على استيراد القمح صعودًا وهبوطًا حسب وفرة المحصول الوطني. حين يكون المحصول ضعيفًا، تُخفَّض الرسوم أو تُلغى لتحفيز الاستيراد، كما وقع سنة 2020. وحين يكون المحصول وفيرًا، تُرفع الرسوم بقوة لحماية الفلاح المحلي، كما جرى في يونيو 2026 حين فرضت الحكومة رسومًا بلغت 135% بعد موسم فلاحي جيد أنهى سبع سنوات من الجفاف.
- المنحة الجزافية للمستوردين: حين تريد الدولة تحفيز الاستيراد، يحدد ONICL مبلغًا ثابتًا لكل قنطار مستورد يُصرف مباشرة للمستوردين وتجار الحبوب، وهو مبلغ يتغير من فترة لأخرى بحسب ظرفية السوق العالمية والمحلية.
- سعر الدعم للفلاح المحلي: بالتوازي، تحدد الدولة سعرًا مرجعيًا لشراء القمح من الفلاحين لتشجيعهم على البيع بدل الاحتفاظ بمحصولهم، تراوح مؤخرًا بين 260 و265 درهمًا للقنطار.
خلاصة
يرسم مسار التعاونيات الفلاحية في تسويق الحبوب بالمغرب صورة نموذجية لتحول أوسع شهدته الدولة المغربية: من نموذج تأطير مركزي واحتضان مباشر للفلاح الصغير عبر أطر جماعية، إلى نموذج تحرير تدريجي تحتفظ فيه الدولة بأدوات ضبط كلية (التعريفة والدعم) بينما تُترك حلقات التنفيذ الفعلي (التجميع والتخزين والتوزيع) لفاعلين خواص أكبر حجمًا وأقدر تمويلا. التعاونيات التي كانت يومًا الحلقة التي لا غنى عنها، لم تختفِ، لكنها باتت اليوم فاعلاً هامشيًا في سلسلة قيمة أصبحت تُدار أساسًا بمنطق السوق والحجم الصناعي.
وحالات الإفلاس المتكررة التي عرفتها تعاونيات كبرى – من وادي زم إلى الجهة الشرقية إلى لاسكام – تُظهر أن هذا التراجع لم يكن قدرًا حتميًا فرضته المنافسة وحدها، بل نتاج تراكم مشاكل بنيوية في نموذج الحوكمة والتمويل والمواكبة، تركت هذه المؤسسات عالقة بين وصاية دولة انسحبت دون أن تُكمل التحرير، واستقلالية شكلية دون قدرات فعلية على الأرض.
