إنهم ينثرون المديح على عكّاز بنكيران!
عبد الرحيم التوراني
لعلكم لاحظتم بغير قليل من الذهول والدهشة، هذه الإشادات العارمة التي تتوالى في الآونة الأخيرة على شخص عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية “البيجيدي”، وهي إشادات تجمع في ظاهرها على مديحه ونثر الورود فوق هامته واعتباره شخصية سياسية استثنائية، وظاهرة كاريزمية تجيد اللعب بالميكروفونات، والتواصل المباشر مع الجماهير بأسلوب «ولد الدرب» الذي يتقن خلق الحدث من لا شيء.
والمثير للريبة في هذه المعزوفة النشاز، أن هذا الغزل العفيف لم يخرج من حناجر القواعد الحزبية لـ «البيجيدي»، ولا من أفواه المريدين والأنصار، بل جاء مطرّزا بصوت الخصوم والأعداء! والمثل العربي القديم يقول: «الحق ما شهدت به الأعداء»… بيد أن خصوم السياسة في واقعنا ليسوا ملائكة يؤتمنون على الشهادات، بل هم صناع مكر لا يلقون بالورود إلا وفي أحشائها أشواك مسمومة.
أكتفي هنا بالإشارة إلى نماذج حية من الفيديوهات والتصريحات التي طفت على سطح وسائل التواصل الاجتماعي، تصريحات صدرت عن عبد اللطيف وهبي القيادي في البام والوزير السابق، وعن عبد الفتاح نعوم واحد من أوركسترا التطبيل والتزمير للمخزن والتحالف الحكومي، فضلا عن اليوتيوبر رضا الطاوجني… وكلهم يتبارون اليوم في الإشادة بشجاعة بنكيران وجرأته في ملء الساحة وتدخلاته الساخنة التي تحيي جثامين الحياة السياسية الميتة، في وقت يلتزم فيه باقي رؤساء الأحزاب الصمت الخجول، منتظرين الضوء الأخضر أو «الغمزة السامية» والإشارات الخفية للتحرك!
ولكن.. كيف سقطت من ذاكرة هؤلاء القذائف الثقيلة التي كانت تنطلق من فوهاتهم نفسها ضد بنكيران؟
أين ذهبت الاتهامات التي أطلقها وهبي وأمثاله، حين كانوا يصفونه بالمتاجر بالدين، وعميل البوليس السابق، وتذكيره بملف ارتباطاته مع الكوميسير الخلطي في رباط الثمانينيات؟
كيف تناسوا أحاديثهم الطويلة عن فشله الذريع في التدبير الحكومي يوم كان رئيسا للجهاز التنفيذي؟ وأين اختفت أدبياتهم الشرسة عن مقولته الشهيرة التي أصبحت مثلا يضرب في التنازل: «عفا الله عما سلف»، والتي كانت غطاء مريحا للمفسدين ونهّابي المال العام؟
أين كلامهم عن تصفية صندوق المقاصة، وحرق جيوب المواطنين بملف المحروقات، وتفكيك صندوق التقاعد على رؤوس الأجراء؟
بل أين اختفت تعييراتهم له بلحظة التطبيع الكارثية، حين سلّم بتبادل العلاقات مع الكيان الصهيوني، وترك صاحبه وسلفه سعد الدين العثماني يوقع على الوثيقة في الرباط تحت أنظار العالم، مصدرا من قلب صالون منزل زوجته بحي الليمون بالعاصمة، أوامره الصارمة لشبيبة حزبه وقواعده باللاخروج إلى الشارع لمناهضة الاتفاق، قبل أن يرتدي اليوم ثوب المعارض الصلب ويحدثنا عن طوفان الأقصى ونصرة فلسطين من موقعه المريح في المعارضة؟
إنهم اليوم لا يمتدحون مواقفه ورسائله السياسية فحسب، بل يتغزلون في الكاريزما الجسدية والرمزية للرجل، يمتدحون تفاصيل جلابيته التقليدية، وطاقيته وعكّازه الذي يتهادى عليه، بل وحتى بطنه المتكرش!
لقد استحال الجدال السياسي إلى غزل علني في رجل تجاوز السبعين، والتغزل في الذكور فوق أنه محرّم شرعا وعرفا هو في السياسة قمة الاستخفاف بعقول المواطنين!!!
فبعد أن تضافرت الجهود وأُسقط حزب العدالة والتنمية من شاهق العُلى من 126 مقعدا أمتعت الحزب بسدة الحكم، إلى حضيض 13 نائبا (رقم يرمز للتشاؤم وسوء الحظ في الثقافة الغربية)، عاد نفس المخرجين ليعيدوا بنكيران إلى صدارة المشهد. وها هو الحزب ينبعث مجددا بـ 54 برلمانيا، ليمتطي بنكيران صهوة الفريق النيابي، ويصيح بنبرته المعهودة: «فهمتيني ولا لا؟»، معلنا فتح الاصطفاف في المعارضة…
خوضا في تفاصيل هذه الحملة الانتخابية، لقد جال بنكيران مختلف جهات ومناطق المملكة، ترأس المؤتمرات الجهوية لـ«البيجيدي»، وخطب في التجمعات الشعبية الحاشدة، مستقبلا الجماهير بكلامه المباشر البسيط الذي أنزل السياسة من أبراجها العاجية وأخرجها إلى الشارع، ليتلقاها المواطن كحديث في مقهى شعبية أو في مجلس عائلي دافئ. وبذلك حقق بنكيران نصرا جماهيريا جليا وشعبيا على منافسيه، وفي مقدمتهم فوزي لقجع الذي التحق بجرار البام في الدقيقة التسعين، متدثرا بأمجاد وإنجازات المنتخب الوطني للكرة، وبمواهب ياسين بونو وأشرف حكيمي وأيوب بوعدي وبقية القائمة التي تحفظونها عن ظهر قلب…
كان انتصار بنكيران في الشارع والتجمعات المفتوحة واضحا وملموسا، غير أن من يجلس في غرفة الفار (VAR) السياسية كان له رأي آخر.. اختفت الغرفة لساعات طويلة وحبست الأنفاس، قبل أن تخرج بالنتائج النهائية التي بوّأت حزب البام المرتبة الأولى، برغم ما طفا على السطح من فضائح الصاك في طنجة وغيرها من المدن، وفق ما صرح به جمال العسري الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد… وكأن مدح بنكيران اليوم من طرف هؤلاء الخصوم ليس إلا عزاء بروتوكوليا يقدم لـ «الزعيم التاريخي» الذي لن يمر عليه التاريخ مرور الكرام، كما يقولون، بل سيتوقف مليا عند ظاهرة بنكيران، بينما يكتفي حلفاء البام بتقديم أنفسهم للوطن على أنهم مجرد «ضرورة» فرضتها إكراهات المرحلة! ولبنكيران جهاد وأجر المعارضة…
لكنه جهاد خاضع لمزاج الشيخ، فقد رفض الرجل الذهاب لمقر رئيسة الحكومة المعينة، بدعوى أنه لن يطأ مقر حزب التراكتور، ويقف خلف شعاره الأزرق ليدلي بتصريح بروتوكولي هجين… بينما يرى آخرون أن بنكيران، وفاء لمرجعيته الدينة وإيدولوجيته المحافظة، يستنكف أن يرى امرأة في المنصب الأول للدولة، إعمالا للحديث المنسوب لنبي الإسلام: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»… وهو الحديث الذي سارع صاحبه مصطفى الرميد «صوت سيده» الوفي إلى الخروج لوسائل الإعلام لشرح أحكامه وتبسيطه للعامة، في خطوة لا نعلم إن كانت اجتهادا شخصيا منه، أم استجابة لـ «توجيهات» من جهات نافذة اعتادت أن تستخدم الرميد كلما أرادت إرسال رسائل ملغومة تحت عمامة الفقه القانوني والشرعي!
إن بنكيران يتقن ببراعة لعب دور «ضحية التحكم» تارة، ودور «منقذ الدولة» تارة أخرى، يطلق قنابل الكلام في الهواء هاتفا: «إلى بغاو يحيدوني.. يجيوا يحيدوني!»، و«إحنا ماشي ديال اللعب»، ثم لا يلبث أن يلوذ بالصمت العميق حين تتطلب المبادئ الموقف الشجاع والمواجهة الحاسمة.
كما أنه يبرع في السجال والرد على مهاجميه، حتى ولو اضطره ذلك لاستعمال عبارات مجردة من اللباقة ومحملة بـ «إيحاءات جنسية» حاطة، مثل رده الشهير تحت قبة البرلمان على القيادية السابقة في الأصالة والمعاصرة والاشتراكية الحالية ميلودة حازب، يوم قذفها بجملته السائرة: «ديالي أكبر من ديالك»!
بعيدا عن الانخراط في جوقة المادحين المشار إليها، لا ينبغي للنقد أن يغمط الرجل حقه كاملا، فالإنصاف يقتضي الاعتراف بأن بنكيران يصيب أحيانا كبد الحقيقة، حين يوجه سهام نقده إلى صلب الحدث وهدفه المباشر، كما حدث يوم وصف منسقة حزب الأصالة والمعاصرة بـ «مرشحة إسرائيل» لقيادة الحكومة، ناعتا حزب البام بـ«الحزب المتصهين».. أو يوم عرّى بلطجة إدريس لشكر وسلوكه السياسي المفضوح… أو يوم خرج بجرأة يطلب التوضيح والشفافية من أعلى سلطة في البلاد عما جرى بحق في ملحمة «الهروب الكبير» نحو سبتة المحتلة…
غير أن الرجل ولشدة تناقضه، سرعان ما يهوي في مطبات سحيقة تهدم ما بناه، فتراه يخرج مستعرضا شعبويته ليرد على مايسة سلامة الناجي المحسوبة على جوقة «المؤثرات»، ناعتا إياها بـ«المكبوتة جنسيا» والتي تحتاج زوجا «ليطفئ حرارتها»!…
أو حين يطلّ بصلف ليخبر المغاربة المكتوين بنار الغلاء بأن حاجتهم ليست في استهلاك اللحم والدجاج، بل في العقيدة!!!
وهي سقطات أخلاقية وسياسية تفضح عبثية خطابه، وتكشف عن رجل يخبط خبط عشواء بين حكمة الزعيم وزلّة الشارع.
إن كيل المديح والثناء بهذا الشكل السخي والمريب للسيد بنكيران من قبل خصوم الأمس، لا يمكن أن يكون صحوة ضمير مفاجئة، ولا اعترافا مجردا بـ «عبقرية» الرجل التواصلية، بل هو مخطط يضمر خلف كلماته أهدافا أعمق. إنهم يريدون نفخ الروح في الغريم القديم، ليتخذوا منه «فزّاعة» يتم بها ضبط إيقاع الشارع، أو «ممتص صدمات» لامتصاص الغضب الشعبي المحتقن جراء الغلاء والإصلاحات الهيكلية المؤلمة. يريدون رجلا يتقن الكلام، ليملأ الفراغ الذي أحدثه صمت التكنوقراط وجفاء رجال الأعمال وجشع الفراقشية!
لكن اللعبة قديمة والأوراق باتت مكشوفة، ومهما أجاد بنكيران إلقاء الخطب، ومهما امتدح الخصوم جلبابه وطاقيته وعكازه، فإن الشارع المغربي لم يعد يمتلك رفاهية الضحك على النكات القديمة… وستبدي لنا الأيام والتحولات القادمة ما كان خفيا تحت عباءة هذا المديح الملغوم!
إن الجماهير التي تكتوي بحديد القمع، وتستعر بلهيب الغلاء ونيران الإقصاء، لا تنتظر اليوم من بنكيران طرائفه ونكته، ولا ضحكاته وقهقهاته التي أضحت من علاماته التسويقية الفارقة، ولا تنتظر منه أن ينهى المواطنين عن التوجع من أسعار اللحم والدجاج التي تجاوزت قدراتهم الشرائية المنهوكة، ولا أن يعظهم بحديث الجنة والنار وعذاب القبر!
إنهم ينظرون إليه كرجل سياسة، حتى وإن تبرأ منها ذات يوم، وزعم أنه وإخوانه مجرد فقهاء ومتدينين رمت بهم الصدف والأقدار إلى معترك السياسة الملعونة…
لن نسألك اليوم يا بنكيران عن ملايين التقاعد الاستثنائي التي تنعم بها، ولن نحاسبك على خطاياك السابقة يوم جلست مستريحا على كرسي رئاسة الحكومة، وبدورنا سنقول لك اليوم: “عفا الله عما سلف”.. دون أن نتوهم أو ننتظر منك أن تلوح بعكازك في الهواء، فتتحول معجزة إلى حيّة تسعى لإنقاذنا كما عصا موسى!
لكننا سنراقب قدراتك ونزن أفعالك بميزان أقوالك، لنرى ما إذا كنت ستواجه حقا الدمار القادم الذي يتهدد العباد والبلاد مع وصول حكومة تحالف أقطاب الفساد وتجار المخدرات والتطبيع إلى سدة التنفيذ والتمكن من صنع أغلبية البرلمان…
أم أنك ستكتفي بمدّ جسد “البيجيدي” ليعبروا فوقه كقنطرة مريحة لتمرير مخططاتهم القاتلة! تحت معزوفة الشعار الفضفاض: باسم الوطن والوطنية والتعقل والحفاظ على الاستقرار والنظام؟!
أما عن نفسي.. فلا أنتظر شيئا ممن خبرت حقيقة معدنهم، غير أن الجماهير في زحمة يأسها لا زالت تتشبث بقبس من التفاؤل، وتتمنى خيرا… ونحن معها سننتظر، وما الصبح ببعيد!
