عنصرية التتويج وحسابات السياسة: الأدب العربي في مواجهة حصار “نوبل”
مسعود بنعاشور
أعلنت الأكاديمية السويدية هذا العام عن منح جائزة نوبل في الأدب لكاتبة كندية، لتضاف إلى سجل الأدب الكندي والفرنسوفوني/الأنجلوفوني الذي استطاع خلال العقود الأخيرة أن يحجز لنفسه موقعا متقدما في خريطة الجوائز العالمية.
وقد جاء هذا التتويج ليحتفي بتجربة سردية تميزت بالغوص في المنسي اليومي وتفكيك العلاقات الإنسانية المركبة، وإعادة صياغة الهوية بلغة تجمع بين الشاعرية والعمق الإنساني. ورغم الترحيب النقدي الدولي بهذا الاختيار الذي يكرس حضور الأصوات القادمة من الشمال الأمريكي، إلا أنه أوعز من جديد بسجال محتدم في الأوساط الثقافية العربية حول المعايير الحاكمة للجائزة والمسافة الفاصلة بينها وبين المنجز الإبداعي العربي.
منذ منح الجائزة للروائي المصري نجيب محفوظ عام 1988، استمر العزوف الأكاديمي السويدي عن الأدب العربي، وهو ما يطرح أسئلة ملحة حول أسباب هذا الجفاء، برغم أن المشهد الأدبي العربي يزخر بقامات تتفوق في بنائها الرؤيوي والجمالي على العديد من الأسماء التي حصدت الجائزة. ويمكن إرجاع هذا الاستبعاد إلى جملة من العوامل المتداخلة:
يمثل عائق الترجمة العقبة الكؤود الأولى، فالأكاديمية السويدية تعتمد في تقييمها على النصوص المترجمة إلى اللغات الأوروبية الحية (خاصة السويدية، الإنجليزية، الفرنسية، والألمانية). وما يزال حركة الترجمة من العربية إلى هذه اللغات تعاني من ضعف التمويل، وغياب الاستراتيجيات المؤسساتية الممنهجة، وسيطرة الذائقة التجارية لدار النشر الغربية التي تنتقي غالباً النصوص التي تطابق تمثلاتها المسبقة عن الشرق (المراة، الإرهاب، الاستبداد) بدلاً من الجماليات الأدبية الخالصة.
ورغم ادعاء العالمية تظل جائزة نوبل للأدب سليلة سياق غربي وأوروبي بامتياز. يخضع انتقاء الفائزين لأجندات الثقافة الغربية وسياقاتها المركزية؛ حيث ينظر إلى الأدب العربي غالباً عبر منظار وثائقي أو أنثروبولوجي يستقرئ الأزمات السياسية، وليس بوصفه نسيجا فنيا وقيمة جمالية ذاتية.
كما تعتمد الترشيحات لنوبل على شبكات من الهيئات الأكاديمية واتحادات الكتاب والمؤسسات الثقافية الكبرى، التي تمارس ضغطا وتستمر في الترويج لأسماء بعينها سنويا. في المقابل يفتقر العالم العربي إلى مؤسسة ثقافية جامعة أو خطة دبلوماسية – ثقافية تتولى تقديم وترشيح القامات الأدبية العربية، مثل أدونيس وإبراهيم الكوني وسحر خليفة… أو غيرهم) والتسويق لنتاجاتهم بطرق أكاديمية رصينة.
وغالبا ما يواجه المبدع العربي عند تسليط الضوء عليه دوليا بحملات من التشكيك والحروب الثقافية الداخلية، مما يضعف الموقف العربي الموحد خلف قامة إبداعية معينة، بعكس ما تفعل شعوب وأقاليم ثقافية أخرى تجعل من وصول كتابها إلى العالم قضية وطنية وجامعة.
إن الأدب العربي المعاصر برموزه وتجاربه التجديدية في الرواية والشعر والمقامة والسرد السريالي، يحمل عمقا إنسانيا وتاريخيا ولغويا لا يقل بحال عن الأدبيات المتوجة، بل يفوق بعضها في اشتباكه مع الأسئلة الوجودية والتحولات الحضارية.
ويبقى الامتناع المتواصل عن تتويج المبدعين العرب نقصا فادحا في شمولية جائزة نوبل وتأكيدا على أن “العالمية” التي تدعيها ما تزال مكبلة بالرؤية الغربية ومحكومة بالمركزية الأوروبية. غير أن الأزمة لا تقف عند حدود التحيز الجمالي أو التقصير المؤسساتي، بل تتجاوزها في نظر قطاع واسع من النقاد والمفكرين، لتكشف عن بعد إقصائي ممنهج تتقاطع فيه الحسابات الجيوسياسية بنفوذ اللوبيات الصهيونية والدوائر العنصرية، وهي أطراف تسعى حثيثا للحيلولة دون منح الخطاب الحضاري والقضايا العادلة للأمة العربية أي مشروعية رمزية عالمية، مما يحول الجائزة من منصة إنسانية جامعة إلى أداة تكرّس الهيمنة الثقافية وتغيب الصوت العربي برغم علو كعبه إبداعا وفكرا.
