حين تحمل الشبيبة مكبّر الصوت: غضبٌ يحمل الأمل

حين تحمل الشبيبة مكبّر الصوت: غضبٌ يحمل الأمل

عبد الغني موصلي

     هناك صور تختصر أكثر مما يفعله خطاب طويل. هذه واحدة منها.

شاب اسمه إسماعيل، يحمل مكبّر الصوت ويرفع ذراعه، محاطاً بشبان وشابات. خلفه لافتات وشعارات ووجوه ونظرات. وفوق كل ذلك طاقة خاصة، تلك التي تظهر حين يتحول الغضب من شعور صامت إلى صوت جماعي.

أمس، الثلاثاء 6 أكتوبر، نزل الشباب إلى الشارع، والأهم أنهم رفعوا أصواتهم.

ولم يكن هذا الصوت فارغاً أو سطحياً أو مجرد انفعال عابر.

تحدثت مع عدد من تلاميذ الثانويات، شباباً وشابات. وما لفتني لم يكن غضبهم من ظروف الدراسة فحسب، بل وعيهم بما يكمن خلفها.

تحدثوا عن الأقسام المكتظة، والمؤسسات المتدهورة، ونقص الإمكانات، وصعوبات الدراسة اليومية، وعن الهشاشة الاجتماعية التي تطال عدداً متزايداً من التلاميذ.

هم يعرفون أن المدرسة ليست جزيرة معزولة عن المجتمع.

فعندما تزداد الأسر فقراً، وتضعف الأحياء الشعبية، ويعجز الآباء عن تدبير متطلبات الحياة، تدخل الهشاشة إلى قاعات الدرس، وتستقر في الحقائب، وتثقل الأحلام.

وأحياناً تجعل بعض الشباب يشعرون بأن مستقبلهم قد تقرر قبل أن تتاح لهم فرصة بنائه.

شباب لا يقفون على الهامش

منذ سنوات تتكرر العبارة نفسها: «الشباب لم يعد يهتم بالسياسة».

يُقال إنهم غارقون في الشاشات، وأسرى الاستهلاك والموضة وشبكات التواصل والتكنولوجيا، جيل فرداني، مشتت، وغير قادر على الانخراط في العمل الجماعي.

لكن ما رأيته أمس في الشوارع كان مختلفاً.

إنهم ينخرطون، يراقبون، يسألون، يحللون ويعترضون.

والأهم أنهم يربطون بين ما يعيشونه والقرارات التي تصنع واقعهم.

يربطون بين وضع مدارسهم وحالة المجتمع، وبين صعوبات أسرهم والسياسات الاقتصادية، وبين أوضاع أحيائهم واللامساواة، وبين الوعود التي يسمعونها والحياة التي يعيشونها.

لهذا لم يكن أكثر ما أثّر فيّ هو غضبهم، بل الوعي الذي يرافقه.

فالغضب وحده قد يتحول إلى ضجيج.

أما حين يستند إلى فهم الواقع، فييمكن أن يصبح قوة للتغيير.

مكبّر صوت إسماعيل

في الصورة، يحمل إسماعيل مكبّر صوت.

أداة بسيطة، لكنها في يده تصبح رمزاً.

فهي لا تضخّم صوته وحده، بل تطلق رغبة جماعية في أن يُسمَعوا.

خلف صوته هناك من لم يجدوا بعد الكلمات اللازمة للتعبير عن صعوباتهم، ومن يعيشون الهشاشة في البيت واللامساواة في المدرسة، ومن يشعرون بأن شيئاً ما لم يعد يعمل كما ينبغي، من دون أن يعرفوا دائماً كيف يسمّونه.

يرفع إسماعيل ذراعه. يتكلم. فيرد الآخرون.

وفجأة يصبح الصوت الواحد أصواتاً كثيرة.

لعل هذا هو أحد المعاني العميقة للمظاهرة: أن تتحول التجارب الفردية إلى وعي جماعي.

جيل يسأل عن العالم الذي ينتظره

ما سمعته أمس يتجاوز مسألة التعليم.

هؤلاء الشباب يسألون عن المجتمع الذي يكبرون داخله:

  • أي مستقبل نعدّ لهم؟
  • أي مكان لمن يولدون في الأحياء الشعبية؟
  • أين المساواة الفعلية في التعليم؟
  • كيف نحفظ كرامة الأسر التي تواجه الهشاشة؟
  • وأي مستقبل مهني ينتظرهم حين يصبح العمل نفسه مصدراً لعدم اليقين؟

ثم السؤال الأكبر: أي مجتمع نريد أن نبني؟

هذه أسئلة سياسية، بامتياز.

وهي تكشف أن الشباب لا يطالبون فقط بمزيد من الموارد، بل بحقهم في مستقبل كريم، وبالقدرة على المشاركة في صنعه.

المشعل ينتقل إلى جيل جديد

بالنسبة إلى من عاشوا نضالات ومظاهرات وآمالاً وخيبات سابقة، كان في المشهد شيء مؤثر.

فالنضالات لا تنتقل آلياً من جيل إلى آخر.

يمكن لجيل أن يورّث القيم والتجارب والقصص، وأن يترك وراءه انتصارات وهزائم. لكن الجيل الجديد هو الذي يختار ما يحتفظ به، وما يعيد طرحه، وما يعيد ابتكاره.

وهذا ما بدا لي واضحاً أمس.

قد لا تكون ملامح الجيل الجديد داخل المؤسسات أو الخطابات التقليدية.

ربما هي هناك، في الشارع: مكبّر صوت في اليد، ذراع مرفوعة، أسئلة كثيرة، ومستقبل لم يُحسم بعد.

من الغضب إلى الفعل

لكن لا ينبغي أن نجمّل الغضب أو نكتفي بالاحتفاء به.

فالغضب وحده لا يكفي.

يحتاج إلى مشروع، وتنظيم، وتضامن، وقدرة على الفعل الجماعي.

الرهان الحقيقي هو الانتقال من: «لم نعد نريد هذا» إلى: «هذا هو العالم الذي نريد أن نبنيه».

من الاحتجاج إلى الاقتراح. ومن الاستنكار إلى الفعل. ومن الفعل إلى التحرر.

فالتحرر، في جوهره، هو أن نتوقف عن قبول العالم كما فُرض علينا، وأن نستعيد معاً القدرة على تغييره.

أمس، رأيت شباباً غاضباً. لكنني رأيت قبل كل شيء شباباً واقفاً، حاضراً، يطالب بحقه في المستقبل.

وهذا يغيّر الكثير.

فما دام جيل يطرح الأسئلة، ويرفض الظلم، ويدافع عن كرامته، ويبحث عن طريق آخر، فإن المستقبل لم يُحسم بعد.

قد تبقى صورة إسماعيل مجرد صورة من مظاهرة.

لكنني أفضل أن أرى فيها شيئاً أبعد:

انتقال المشعل

شاب يحمل مكبّر الصوت. آخرون يستمعون. وآخرون يجيبون.

وخلف صوته المضخّم، يبدو أن صوتاً أكبر بدأ يتشكل:

جيل يرفض أن يتخلى عن مستقبله

فالمجتمع الديمقراطي لا ينبغي أن يطلب من شبابها التكيف مع الظلم، بل أن يمنحهم القدرة على الحلم والتعلم والاختيار والمشاركة في تغيير العالم.

من الشارع إلى القرار

في فرنسا، لم يكن الشارع يوماً مجرد مكان للاحتجاج.

كان أيضاً وسيلة لطرح المطالب، وممارسة الضغط، ودفع النقاش العام نحو القرار.

واليوم، يأتي الشباب ليضيفوا صوتهم إلى هذا التاريخ الاحتجاجي.

لكن التظاهر لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق.

حين يطالبون بمدارس أفضل، يجب أن يظهر ذلك في الميزانيات، وتخفيف اكتظاظ الأقسام، وصيانة المؤسسات وتوفير الموارد التعليمية.

وحين يتحدثون عن الفقر والهشاشة، يجب أن يترجم ذلك إلى سياسات اجتماعية تقلل الفوارق وتدعم الأسر الأكثر هشاشة.

وحين يقلقون على مستقبلهم، يجب أن يجدوا أمامهم تكويناً وفرص عمل ومسارات مهنية لا تجعل أصلهم الاجتماعي أو مكان سكنهم حكماً مسبقاً على مستقبلهم.

وحين يرفعون أصواتهم، يجب أن يجدوا أيضاً قنوات حقيقية للمشاركة في القرارات التي تعنيهم.

هذه هي اللحظة التي ينتقل فيها الاحتجاج من الشارع إلى السياسة:

من الهتاف إلى القرار، ومن المطالبة إلى الميزانية، ومن الوعد إلى التنفيذ.

فالشباب لا يطلبون أن نتحدث باسمهم. إنهم يطالبون بأن نسمعهم، وأن نأخذ مطالبهم بجدية، وأن يروا أثرها في السياسات العامة.

مكبّر الصوت في الشارع ليس سوى البداية. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصل صوت الشباب إلى مكاتب القرار.

شارك هذا الموضوع

عبد الغني موصلي

فاعل جمعوي وحقوقي، نانت بفرنسا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!