نزع السياسية عن الحلم في رواية “عيشوا لأجل آلهتكم” (1-2)
لحسن أوزين
“فمهنة السياف مازالت مهنته ومازال لا يحبها، ولم تتمكن عينا سيفاو من كبح جماح رغبته بالمال والسلطة، بل زادتها اشتعالا. ولم لا؟ ألا يحق له أن يكون ذي عز وجاه كباقي أبناء الشيوخ والأعيان؟ من يملك الحق في وضع هذه التصنيفات والقيود على البشر؟ من يملك الحق بإبقاء بشر فقراء خانعين؟ ورفع مرتبة آخرين؟ الآلهة؟ الشيوخ؟ من؟” 74
غالبا ما يكون الادب قادرا على تقديم قراءة لتحولات وديناميات الواقع الحي في صراعاته وتناقضاته الشديدة الارتباط والتركيب والتعقيد السياسي والاجتماعي والثقافي. وهذه القراءة، أو بالأحرى القراءات الأدبية إذا كانت تتحدى الدراسات السوسيولوجية والانثربولوجية، فإن المعنى الفكري والفني لهذا التحدي يمنح الادب مكانة مميزة. يعني هذا تفاعله ودعمه وإثراؤه للعلوم الاجتماعية والإنسانية. التي تجد فيه مداخل ومعطيات أقرب الى الملفات الميدانية والأدوات والاليات المساعدة على فهم وتفكيك التعقيد الذي يكتنف البنى المادية والرمزية، والتغيرات والسيرورات التاريخية الاجتماعية والسياسية، في فجائياتها الصادمة للخلفيات النظرية، والأدوات المفاهيمية التي أصيبت بالصد المعرفي والعلمي العاجز عن مقاربة تحولات و تطورات وانفجارات الواقع الحي، في صورة انتفاضات وثورات واحتجاجات. من زاوية هذا الوعي لموقع الادب في السياقات والتحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية نفهم الشكل الفني والفكري لرواية، منية بالعافية، “عيشوا لأجل آلهتكم”. إنها الرواية التي لا يمكن أن تقرأ مبتورة وبمعزل عن ارتباطاتها الجدلية. بما عرفه العالم العربي من تحولات واهتزازات، اختلفت الكثير من الكتابات في الاحاطة بشروط تكونها الاجتماعية السياسية والمعرفية. الشيء الذي أدى الى بروز توصيفات وتسميات متفاوتة في الفهم والتحليل والتأويل والمقاربة النقدية.
والجميل الممتع في هذه الرواية أنها استطاعت انطلاقا من منطقها الداخلى ككتابة أدبية، وبآلياتها الفنية أن تواجه الصد المعرفي الذي جعل العلوم الاجتماعية عاجزة عن فهم وتفكيك ما كان يعتمل ويتبلور في جوف بنى الواقع التاريخي الاجتماعي، من سيرورات مفعمة بالتحولات والصراعات الفاتحة لمرحلة جديدة من تاريخ الشعوب، مهما كان مستوى عمقها وحدتها وشدتها، في رسم الشكل السياسي الجديد لتوزيع السلطة والثروة والمكانة، والمواقع الاجتماعية والاقتصادية الطبقية، والمصالح الجيوسياسية، على مستوى البلد الوطني والإقليمي والدولي.
أولا: الرحم الاجتماعي لإنتاج القهر وحلم المقهور
لن يكون بإمكان القارئ الممسوس بلعنة جمالية التلقي، المؤسسة للتفاعل الجدلي بين الفني والجمالي، بين النص والقراءة. في تمرير هما وتبادلهما السائل المخصب لإنتاج المعنى وتوليد الدلالات، أن يتسامح، أو يتنازل عن متعة ولذة النص، وهو يتتبع في صرامته التحليلية النقدية التشكل المعجمي والدلالي، والسياقات العميقة لإستراتيجية الكتابة، وهي ترسم وتحدد وجهة ورؤية هوية سردية دون أخرى. دون أن تحمل الفرد ما يتجاوز حدوده ومحدودية فعله الاجتماعي، المحكوم بقيود وسطوة السيطرة والهيمنة القوية للبنيات الاجتماعية والسياسية والثقافية، في صناعة الوعي و الحلم والوهم والاعتقاد، والطاعة والتمرد، والثورة والحرية والعبودية…
فإذا كان الراوي يركز في اشتغاله على اللغة والدلالات على الأفق الجهنمي الذي سار فيه ماسين تحت ضغط حلمه المحكوم برعب التكرار القهري للواقع الذي هز كيانه، وفجر غضبه وتمرده الساقط في فخ معاودة أنتاج بنية القهر والظلم نفسها. حيث سقف حلمه حوله الى مسخ ووحش بشري، جرده من قيمته الإنسانية. فإن سيرورة القراءة النقدية لا تتوقف عن توليد الأسئلة الباحثة في رحم البنية الاجتماعية عن الشروط والاكراهات والبنى العلائقية، والسياقات العميقة الجذور، التي احتضنت هذا الشكل من الممارسة الاجتماعية السياسية للتمرد على الواقع الخاص الراغب في التسلق الطبقي، وتملك شروط وموارد القوة والثروة والجاه والمكانة، بعيدا عن أفق كسر البنية، وتغيير العلاقات الاجتماعية وامتلاك الحرية وتحقيق العدالة، والتحكم في زمام المصير.
هكذا تتشكل وتتبلور الأسئلة حول الشروط النفسية والاجتماعية التي جعلت ماسين المقهور يدرك ويعي الظلم والقهر والاقصاء والتهميش كحالة فردية وليس كنظام بنيوي اجتماعي تتوزع فيه السلطة والثروة والمكانة والقيمة والجاه، بشكل اجتماعي طبقي.
وهذا ما جعل ماسين يسير في أفق الاستمرارية، وليس القطيعة والتغيير الجذري للواقع الرحم المسؤول عن ولادة نظام القهر والتفاوت الاجتماعي والقيمي، الى جانب ترسيخ أسس وأدوات وآليات إعادة إنتاج القهر والهدر البنيوي الاجتماعي والاقتصادي والرمزي. المنتج لدلالات التهميش والنبذ والاحتقار والدونية، وكل ما يميز سيكولوجية المقهور في صراعه مع واقع القهر السياسي كما فصل فيها مصطفى حجازي في كتابه الرائد”بنية التخلف سيكولوجية المقهور”.
خلال سيرورة القراءة هذه يحاول القارئ بناء ملاحظاته النقدية حول كل صغيرة وكبيرة لما تهدف إليه إستراتيجية الكتابة التي يعمل الراوي على بنائها وإنتاج معانيها ودلالاتها. فتطال أسئلة القارئ نمط التنشئة الاجتماعية الثقافية والقيمية التي عاشها ماسين، في ظل علاقات اجتماعية محكومة بمنطق وقانون التفاوت الاجتماعي في الثروة والسلطة والجاه والمكانة والوجاهة المجتمعية، التي تفرضها وتحددها عملية البناء الاجتماعي في توزيع الثروة والموارد والسلطة. دون أن ننسى نوع الثقافة المجتمعية التي تعلي من قيمة وشأن القوة والجاه، و أشكال النجاح والعظمة والهيبة، الى حد التعظيم والتمجيد. بالإضافة الى سطوة وهيمنة التصورات والممارسات والمعتقدات التي تمليها الأنظمة الثقافية والرمزية الدينية. في ظل هذا الواقع يولد الحلم في صورة بطل إشكالي مأساوي، أو في سورة مسخ وحشي دموي ينشر الخراب والدمار، والحروب الأهلية الاجتماعية و الدينية والطائفية…
وما يفرض هذا المسار الجهنمي المانع للتغيير الحقيقي، هو قوة السائد سيطرة وهيمنة، تقوي من الاحتواء، وإعادة الإنتاج للبنيات السلطوية الاستبدادية الشاملة لمختلف أشكال القهر والظلم التي تمس بنارها المرعبة والرهيبة، أغلب الفئات المقهورة، بحرائقها الفظيعة والموجعة.
تتناول الرواية قصة شاب ابن سياف يرفض موقعه الاجتماعي ضمن الهرمية والتراتبية العمودية سلطة وثروة وجاها ومكانة. يتمرد نفسيا واجتماعيا في حواراته مع أبيه الذي يحاول إقناعه بحتمية وطبيعية موقعه الطبقي والقيمي كابن سياف خارج دائرة الاعتراف المجتمعي بعضويته المجتمعية وجودا وقيمة وشأنا، ضمن فئة المقهورين المهمشين. يحتج على التراتبية المجتمعية التي تورث كحق طبيعي يستفيد من امتيازاتها زعماء وأغنياء وأعيان القبائل. وبسبب حدود ومحدودية وعيه وغضبه الضيق الرؤية والتفكير استبطن ماسين بنية نظام القهر الذي تشرب قوانينه وأليات عمله الظالمة، المانعة للعدالة والقيمة والكرامة لمن هم في الدرك الأسفل من جحيم التفاوت الاجتماعي والاقتصادي. هكذا رفض ماسين أن يكون ويصير ابن سياف مقهور، مرمي على قارعة المجتمع، ومنبوذ في العراء غير مرغوب فيه من طرف البنت سيفاو ابنة العارف التي أحبها، كشيء يمكن تملكه، بجنون أحادي أعمى، راغب في السيطرة عليها والتحكم فيها، من موقع السلطة والقوة والثروة والمكانة. لهذا كان همه وهاجسه وحلمه أن يغير موقعه الاجتماعي في بنية النظام السائد، انطلاقا من وعي التماهي بالظالم والقاهر والقوي والحاكم. حيث تشبع بقيم هذه البنية الاجتماعية التي سحقته وجردته من قيمته البشرية الإنسانية. وجعلته يتألم في علاقاته الاجتماعية والعاطفية. ويحترق في حياته اليومية بعذابات النبذ والقهر والاقصاء واللاعدالة. لذلك لا يتوقف عن جلد الذات والامعان في احتقار دونيتها، نقصها، هامشيتها. وفي الوقت نفسه يرى في الزعماء والأعيان والأغنياء قدوة ومثالا لتغيير الموقع في قواعد اللغة، وليس تغيير البنية والعلاقات الظالمة. لقد تشبع بقيم واقعه المر الحارق. وترسخت في نفسيته ووعيه تصورات بأن القوة تعطي صاحبها الحق، والفئات المسحوقة المهمشة وجدت لخدمة وطاعة القوي. وأن المكانة الاجتماعية سلطة وثروة وجاها، هي معيار القيمة، لذلك فإن الوصول الى السلطة يبرر استعمال كل الوسائل والطرق القذرة والبشعة. هذا يعني ممارسة القيم القهرية نفسها: الظلم والاستغلال والاستعباد والتهميش. الشيء الذي جعل ماسين خادما مطيعا وحاملا أمينا للنظام الاجتماعي القهري التراتبي، الذي رفضه بشكل أحادي، من زاويته الفردية، المحكومة بمصلحته الشخصية الضيقة. سقف حلمه وأهدافه محدود، لهذا تورط في إعادة إنتاج البنى نفسها، المانعة لتحرير نفسه والمجتمع ككل. همه الوحيد تغيير موقعه وتثبيت رغبته في التعويض عن الحرمان السابق. والبحث عن الاعتراف الاجتماعي. كما أن الانتقام الرمزي، والضغينة والغضب تحرق جوفه الحي تجاه مجتمعه وتجاه وضعه العاطفي التملكي. لذلك يعيش ويفكر ويمارس يومه على طريقة تقليد سلوك وأفعال وممارسات وحيل وأساليب وأفكار، من هم أعلى منه سلطة وثروة وجاها وقيمة. هدفه الجنوني هو تحويل موقعه الاجتماعي الجديد الى حق مكتسب. لهذا يتورط في الخضوع لتأثير البنية الاجتماعية، بصورة سلبية. الشيء الذي جعله غير مؤهل لتفكيك علاقات القهر. فأفقه الوحيد هو ترسيخ قوانين وقواعد وأعراف وتصورات ومعتقدات سائدة. هذا يعني تطبيع التناقضات ومختلف أشكال التمييز والتمايز الاجتماعي والاقتصادي والسلطوي…
وبالتالي إنتاج علاقات تبعية ومكافأة الموالين، والعمل على إقصاء المنافسين. تبعا للأطر الاجتماعية والثقافية والدينية، للبنية الاجتماعية السائدة، وفق سيرورة معاودة الإنتاج للبنية وليس تحريرا للعلاقات والقواعد والممارسات …
ثانيا: نزع السياسة عن الحلم
في البداية لا بد أن نصرح بأننا نستعين بمقاربة غريغوري بيستوين وجاك لاكان وآلان باديو وجوديث هرمان وبورديو وأخرين في مقاربة مضامين الرواية
لذلك أشرنا في السابق الى ضرورة الابتعاد عن التحليل الأحادي الذي يركز على الفردنة ويهمل السياق والظروف الاجتماعية التاريخية والسياسية. لهذا فإن خطورة الفردنة يتمثل في الاكتفاء بتحليل نقدي لا يرى في ماسين غير شخصية شريرة، وفقير ابن سياف مقهور، وحاقد وطموح. مدفوع بجنون حلم وحشي مسخ كيانه وجرده من قيمته الإنسانية. حيث أشعل حرائق الكراهية بين فئات المجتمع ليصبح من زعماء القبيلة. فالاكتفاء بهذا البعد النفسي الذي يرسمه حلمه البشع الذي يجمع بين الطموح والغضب والحقد والشعور بالدونية والاحتقار، والرغبة في الانتقام، وحب السلطة، والجشع. يؤدي هذا الفهم الى نتيجة سهلة غالبا ما تكررها ثقافة الحس المشترك، تحول المظلوم الى ظالم.
لكن المنظور السياقي بأسئلته العميقة، يفتح أفقا ووجوها أخرى للتحليل النقدي.
ما الذي جعل وصول ماسين الى المكانة والاعتراف والسلطة في متناوله من خلال منطق قبلي؟ وما المعنى الذي يمكن فهمه في أن يكون المرء مقهورا وسط واقع اجتماعي تاريخي، لا يمنحه الاعتراف إلا إذا تمكن من أن يكون واحدا من القاهرين، الزعماء والأعيان، والأغنياء…؟
وهكذا ننتقل من الفرد الى طبيعة البنية الاجتماعية التي أفرزت واحتضنت طموح وحلم ماسين. حيث مشكلته لا تكمن في وجود أعيان وفقراء، ولكن في كونه ليس واحدا من الأعيان. فهو يرفض موقعه، وليس علاقات القهر، لأنه يرغب في احتلال موقع القاهر. لكن القول فقط إن ماسين يمتلك حلما حوله الى وحش أعمى، أشعل الحرب بين فئات القبيلة، لتحقيق طموحه الشخصي. فهذا تحليل نقدي مبتور السياق والظروف الاجتماعية والسياسة بتعبير بيستوين. لكن بالمقابل لا يمكن اختزاله في كونه ضحية البنية الاجتماعية، و القول بأن عنفه يمتلك معنى ومشروعية.
حلم ماسين تشكل داخل الظروف الاجتماعية السياسية التي تجعل حلمه بالسلطة والثروة والمكانة، بمثابة آليات تتكفل بتوزيع القوة والاعتراف والكرامة والاعتبار والتقدير. وهذا يجعلنا نرى جدلا بين الشخصي والسياسي، كمنتج اجتماعي سياسي. لكن دون أن يعني ذلك أن ماسين ليس مسؤولا عن العنف الدموي، من خلال إشعال الحرب. وذلك تحقيقا لهدف ظالم يتمرد ماسين المظلوم ضد موقعه في أسفل المجتمع، وليس ضد النظام الذي ينتج مواقع المقهور والقاهر. مشكلته أنه يريد أن يكون في قمة الهرم وليس تفكيك الهرمية والتراتبية الاجتماعية. وهذا الفعل السياسي لماسين هو ما يجعلنا نرى تحوله من موقع الضحية الى موقع الذات الفاعلة التي تمتلك القدرة على الفعل. فهو يجمع بين كونه ضحية في تاريخه الاجتماعي، ومجرما في حلمه الوصول الى موقع وازن في علاقات القوة، واعتلاء الهرم الذي سحقه. هكذا يتحول حلم ابن السياف المقهور الى رغبة همجية في إعادة إنتاج القهر بدل التخلص منه. فهو لا يرفض أن يكون هناك زعماء وفقراء، بقدر ما يحلم أن يكون زعيما. إننا أمام شخصية أنتجتها بنية اجتماعية تاريخية سياسية، ظالمة وقهرية، لكنها ليس مجرد نتاج لها، لقد استوعبت منطقها، وحولت تجربة الظلم واللاعدالة الى حلم الارتقاء داخلها. لذلك استعمل ماسين الفعل السياسي والعنف لإعادة توزيع مواقع القوة لصالحه.
” لقد قضى ماسين سنوات عمره وهو يحلم بالقوة والمكانة والثراء، لكن طموحه لم يعد حلما هادئا، بل مسخا جائعا يلتهمه من الداخل، يزمجر في أعماق روحه، ويدفعه نحو سباق محموم لا نهاية له. ومع كل خطوة يخطوها، وكل خطة ينسجها، تزداد شراهته المتأججة، وتهمس له بأن العالم لن يمنحه شيئا إن لم يسع ويجتهد بكل قوته، حتى لو كان الثمن زرع الفتنة وهلاك من حوله.”138
وبالتالي فنحن أمام شخصية مأساوية، تتجاوز كونها مجرد شخصية شريرة. فماسين ينطلق تمرده وغضبه وحقده وحلمه من سؤال مؤلم ومشروع، لماذا أنا في أسفل الهرم الاجتماعي مقهورا ومنبوذا وغير محبوب من طرف البنت سيفاو التي تحب ابن الشيخ؟ لكن الفظيع أن هذا السؤال المشروع ينتهي الى إجابة مفجعة وكارثية. بمعنى سأصل الى القمة ولو تطلب ذلك سفك الدماء، وسحق الاخرين. لهذا لا يمكن اعتبار حلمه شخصي في مقابل ما هو سياسي. لأن هذا الحلم الشخصي انزاح عن الذاتي الشخصي ليصبح مشروعا سياسيا. لا علاقة له بتفكيك علاقات القهر، حيث هدفه هو السيطرة والاستيلاء على موقع القوة داخل علاقات القهر نفسها. وهذا ما يجعل حلمه بعيدا عن أن يكون تحرريا.
وبالتالي فإن نزع السياسة عن حلم ماسين يتم انطلاقا من كونه فردا شريرا، منفصلا عن بنية القهر. فقد يحدث ذلك أيضا حين لا نرى فيه سوى ضحية للبنية. فنتجاهل مشروعه السياسي الذي يسقط قناع الضحية، وهو يعيد إنتاج البنية نفسها. لهذا ينبغي بكل جدية أخذ مشروعه السياسي، رغم أفقه الوحشي التدميري، لكونه حصيلة صراع على السلطة والثروة والمكانة والاعتراف. فتناول المسار النفسي التاريخي الاجتماعي والسياسي المؤلم الذي عاش ماسين ليس بالامر السهل. حيث المشكلة ليست عيبا شخصيا، بقدر ما الامر متعلق بطبيعة النظام الاجتماعي الذي ولد موقع المقهور. حيث يمتد السؤال الى معنى أن يعيش الانسان طويلا في أحقر سلم الاعتراف. هكذا تضافر جرح الفقر والحرمان والاعتراف والقيمة والعاطفة. الى جانب إدراكه أن الاحترام والمكانة والنفوذ والحضور الاجتماعي والتقدير والهيبة، لا يمكن تحقيقها في غياب القوة والثروة والجاه والنسب. الشيء الذي فجر في أعماقه النفسية حلم أن يكون واحدا منهم، مهما تطلب منه ذلك من خبث واحتيال وسلوكيات لا أخلاقية. لذلك لم يكن غريبا أن يكون طريق طلب العدالة مطية لطلب المكانة والقوة والسلطة والجاه والثروة. أي أن يصير واحدا من الذين يقهرون، وليس قيادة مشروع تحرري من علاقات القهر. ومن هنا تولدت المأساة السياسية لماسين. منطلقا من الرغبة في العدالة الى الرغبة في المكانة. ومن التمرد على الفقر والدونية الى الاحتجاج على النظام الظالم وغياب العدالة، رغبة في حصوله على ما يحصل عليه الشيوخ والزعماء والأغنياء. فمشكلته ليست مع الهرمية الاجتماعية، لذلك يخوض صراعا من أجل الوصول الى القمة. وهذا ما يفسر كيف يمكن أحيانا في التاريخ الاجتماعي الإنساني أن يبدأ الفرد تجربته كمقهور ، ليتحول الى مشروع قاهر. تحكمت فيه رغبة حلمه الجنونية في الحصول على الرأسمال الاجتماعي الرمزي. حيث الثروة وحدها لا تكفي، بقدر ما طمح الى العلاقات والنسب والهيبة والاعتراف، وامتلاك السطوة والهيمنة على إصدار الأوامر. ومن ثمة يتجاوز حلمه الثروة الى أن يكون شخصا له قيمة ومعترف به داخل النظام الرمزي للجماعة. وبالتالي رفض الظلم والدونية والفقر دون أن يرفض المعايير التي تجعل قمة هرم النظام الاجتماعي مرغوبة. يكره الشيوخ والزعماء والأعيان، وفي الوقت نفسه يريد السيطرة على ثروتهم ومكانتهم وسلطتهم وجاههم ونفوذهم وعلى قدرتهم على إخضاع الاخرين. والنتيجة أن ماسين يتمرد ضد الفرد المقهور وليس ضد نظام القاهر. ومن ثمة يصير القاهر نموذجا وليس عدوا، في نوع من التماهي بالقاهر. وقد استطاع بذكاء سياسي أن يحول المعاناة الفردية الى هوية جماعية، من خلال تعبئته المظلومين المقهورين مثله. وهذه الهوية الجماعية يستغلها بخبث لخوض صراع سياسي عنيف. يعمل على تسييس ألم حلم المقهورين بالعدالة، بما يسمح له بامتلاك القوة وليس تحريرهم من علاقات القهر. فهو ينطلق من تسييس حلم التخلص والتحرر من القهر، بدعوى أن قهرهم سياسي. وهو محق في دعواه وتعبئته. لذلك يدعو الى التمرد والقتال. لكنه استعمل هذا التسييس للقهر والحلم للوصول إلى قمة السلطة والقوة والمكانة. بوسائل عنيفة استغل فيها الاخرين لخوض حرب أهلية، كمادة للصعود. هكذا قام باختطاف تسييس القهر والحلم لتحقيق مشروع قهري سلطوي.
” فكر أيضا في المكانة التي بات يحظى بها بين الناس: أهالي يوكلون له مهمة تمثيلهم، أناس يحدثونه باحترام ويخاطبونه بالسيد باعتباره السياف مالك المهنة التي باتت الأكثر رواجا في المنطقة، شيوخ أصبحوا يستقبلونه في قصورهم، وكاهن أكبر يحدثه مباشرة دون وسيط، … أما زوجته التي كانت تره رجلا بسيطا فقيرا فقد صار لعلاقته بها طعم مختلف….وذلك وحده كان كافيا ليشعره أن وضعه قد تغير بالفعل. فما الذي يريده؟ أليس هذا ما كان يحلم به؟ لقد تذوق طعم المال والسلطة فكيف يتراجع؟… فقد التهم الجشع روحه المظلمة من الداخل وأعاقها عن رؤية أي منفذ للنور”215
لا يمكن أن نقول ماسين مشحون بالضغينة التي تحرق جوفه الحي، وحاقد وانتهازي، ولذلك أشعل الحرب. هذا البعد الفردي لا يكفي دون استحضار السياق والظروف الاجتماعية السياسية. فهو ابن قبيلة هرمية اجتماعيا، وقهرية سياسيا. وفي بنيتها الاجتماعية تكونت أحلامه الجنونية والوحشية ورغباته وصراعاته. حيث اتخذ قرارا واعيا بتحويل مظلوميته الى مشروع سلطة. كما لا نبرئه في الوقت نفسه. وهذا يعني أن انتقال ماسين من موقع المقهور الى موقع القاهر لا يمكن اعتباره مشكلة نفسية وطموح شخصي معزول عن سياقه الاجتماعي. كما لا ينبغي اختزاله بوصفه نتيجة حتمية البنية القهرية. فماسين ولد وتكون داخل بنية اجتماعية تنتج اللامساواة وتوزع الثروة والسلطة والاعتراف بصورة هرمية، ثم ثحول تجربة القهر والحرمان من الاعتراف الى مشروع للارتقاء الاجتماعي والرمزي، تبعا لمنطق القهر السائد، دون التفكير في تفكيك علاقات القهر. هكذا سيس عذاباته النفسية وألمه الاجتماعي، باستغلاله تعبئة المقهورين، الى درجة اختطاف هذا التسييس، من خلال تحويله من مشروع للتحرر الى مشروع لإعادة إنتاج القهر.
بهذا التحليل نؤكد على ضرورة عدم فردنة مشكلة ماسين ونزعها عن سياقها والبنية الاجتماعية السياسية. بهذا المعنى نفهم شخصيته وحلمه الجنوني بوصفهما موضوعا للتحليل السياسي. فتمرده وحقده على الظلم لا يفسر كاضطراب نفسي، وإنما هو تعبير عن غضبه وتمرده وطموحه ضد القهر والحرمان، من الاعتراف. وهذا لايبرئه، لكن يمنعنا من نزع السياسة عن نشأة حلمه ورغبته وطموحه في أن يصبح شخصا له قيمة، الى حد تحول حلم الاعتراف الى آلة لإنتاج السلطة. هكذا تحول الجرح الى حدث بتعبير ألان باديو للخراب والتدمير. استطاع ماسين أن يعي الظلم والفقر والقهر، لكنه كان عاجزا عن رؤية منطق القهر. لذلك ينبغي التنبيه حين نقول إن ماسين أشعل الحرب بسبب طموحه وجشعه وحلمه الوحشي. فهذا المسار مرتبط جدليا بالبعد البنيوي الاجتماعي السياسي، المتمثل في أن الحرب نتيجة أيضا لطبيعة القهر الاجتماعي السياسي. وهكذا نفكك هذا الترابط المعقد بين الفردي والسياق والظروف الاجتماعي السياسية للقبيلة. التي يتم داخلها توزيع الاعتراف والثروة والمكانة، والأفق الذي اختاره ماسين لاحتلال موقع السيد وليس التحرر من البنية. حيث حلمه لا يقع داخل نفسيته ودماغه، وإنما يقع داخل علاقات اجتماعية وسياسية.
” ثم صرخ كوحش جريح، متمنيا أن يذوب ذلك الوحش في أعماق نفسه، ويعود إنسانا، ولو للحظة واحدة فقط.
تساءل بوجع: ماذا لو أن الحياة أنصفته؟ ماذا لو أن قومه احترموه ومنحوه المكانة التي تاقت روحه إليها منذ البداية؟ ماذا لو أن سيفاو أحبته هو وحده، ولم تتزوجه لتتستر على علاقتها المشبوهة بابن شيخ ماسول؟ هل كان سيحقد على الجميع، يسعى نحو تدميرهم بهذه الطريقة؟”245
الهامش
* منية بالعافية – “عيشوا لأجل آلهتكم” المركز الثقافي للكتاب الطبعة الأولى 2026
