تدهور كبير على حافة الهاوية في الحربين الأميركية – الإيرانية والروسية – الأوكرانية!
سمير سكاف
يرقص العالم اليوم فوق صفيح ساخن! ويلفه طوق النار المزدوج الذي يحرق معه اقتصادات الدول كلها!
إذ تتقاطع أزمات الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية في حروب الاستنزاف الكبرى.
وتتجه بوصلة الصراع في واشنطن وطهران من جهة، وموسكو وكييف من جهة أخرى الى تدهور خطير.
تتقاطع النيران. وتتدهور الجبهات، مع مساعٍ غير منتجة بعد لهندسة التسويات القسرية!
في الواقع، تشهد الخريطة الجيوسياسية العالمية في الوقت الراهن حالة من التصعيد الخطير.
حيث تتقاطع خطوط النار في نقطتين ساخنتين تجذبان كل الاهتمام الدولي: المواجهة الأميركية – الإيرانية في الشرق الأوسط، والحرب الروسية – الأوكرانية في قلب أوروبا!
وعلى الرغم من اختلاف المناطق والأبعاد، إلا أن ما يجري على الأرض يشير إلى ارتباط ولو غير مباشر بين الحربين لجهة سعي القوى الكبرى لإعادة هندسة قواعد ومناطق النفوذ، مع محاولة صياغة واقع جديد.
وتنتظر معالم هذا الواقع الاقتصادية والسياسية ولادة “قيصرية” لم تأتِ ساعتها بعد!
أولاً: المشهد الميداني
1.الجبهة الروسية – الأوكرانية: حرب استنزاف تتدهور طاقويا
تفوق روسي وصمود أوكراني وخيبة أمل كييف بواشنطن!
في الواقع، لم تنجح “هدنة الطاقة” بالصمود طويلاً حتى بدأت الصواريخ البالستية والمسيّرات تنطلق في كل الاتجاهات!
ولم تعد المعركة في أوكرانيا مجرد اشتباك على خطوط التماس التقليدية، بل تحولت إلى حرب استنزاف، بغياب الحسم السريع.
ميدانياً، تتفوق موسكو في هذه الحرب، وفي قضم المدن والقرى على الجبهات. ولكن ما تزال خطوط الدفاع الأوكرانية بعيدة عن الانهيار.
وتقابلها كييف بهجمات مسيّرة تستهدف العمق الحيوي الروسي والمنشآت النفطية والطاقوية.
لكن التطور الأبرز يتمثل في الاحتكاك الخفي والعلني بين كييف وواشنطن!
إذ تواجه أوكرانيا ضغوطاً أميركية بالغة لتقييد ضرباتها لمصافي ومنشآت الطاقة الروسية تفادياً لارتفاع أسعار الوقود العالمية.
ويترافق ذلك مع قيود تقنية أميركية “مفاجئة” على شبكة الاتصالات الفضائية “ستارلينك“!
وذلك، بالإضافة الى تراجع حاد في تدفق المعلومات الاستخباراتية الأميركية!
وهو ما أربك الخطط الميدانية الأوكرانية. وأثار شعوراً عميقاً بالخذلان لدى قيادة كييف.
سياسياً، لم يتوانَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تحرير الديزل الروسي وتعزيز قدرات روسيا المالية والتواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن!
كما لم يتوانَ الرئيس ترامب عن اتهام الرئيس الأوكراني فلودومر زيلينسكي أنه هو سبب عدم التوصل الى السلام في الحرب التي تجمعه مع روسيا!
1- الجبهة الأميركية – الإيرانية: رهان على عنصر الوقت
في الشرق الأوسط، أسفرت المواجهة العسكرية الأميركية – الإيرانية الواسعة عن زلزال مستمر في بنية الاستقرار الإقليمي.
وهو ضرب مؤخراً وبشكل كبير المملكة العربية السعودية.
وكانت المنطقة قد شهدت في البدء ضربات جوية وبحرية أميركية استهدفت البنية التحتية والقيادية في إيران.
أعقبها حصار أميركي صارم مع السيطرة الميدانية “المتبادلة” على الممرات البحرية الحيوية كمضيق هرمز.
نار ودمار وحصار ضد إيران!
وعلى الرغم من الأضرار الجسيمة التي لحقت بشبكات القرار والقدرات الإيرانية، وعلى الرغم من الاغتيالات في صفوف قيادات الصف الأول والثاني، إلا أن طهران أظهرت مرونة كبيرة في التكيف مع الحرب!
كما نجحت إيران بالاعتماد على شبكات الوكلاء وعلى حرب الاستنزاف الطويلة. مع الإشارة الى أن الأذرع الإيرانية لم تُقطع بعد!
مما دفع بواشنطن إلى حيرة، في الظاهر على الأقل، بين خنق إيران اقتصادياً وبين تسديد ضربة قاضية لها… مع وقف التنفيذ!
ضربة، قاسية جداً وان كانت غير قاضية، يبدو أنها لن تتأخر كثيراً غداة الانتخابات الاسرائيلية، والأميركية النصفية!
ثانياً: دوافع التصعيد والتدهور
1 – أزمة أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي
ترتبط الحربان بخيط رفيع اسمه “أمن الطاقة“!
فالصراع في أوكرانيا بضرباته المتبادلة على مصافي النفط والغاز، كما الصراع الإيراني بتهديداته للممرات المائية، تسببا في تقلبات حادة لأسواق الوقود العالمية!
وقد سجل سعر برميل النفط نقلة نوعية من 60 دولاراً الى ما فوق ال 100 دولار!
وقد أصبح سعر برميل النفط دفة قيادة الحرب نحو التصعيد أو نحو التهدئة!
وهذا الارتفاع بأسعار النفط “أجبر” الإدارة الأميركية على التدخل لفرض “هدن غير رسمیة” على أطراف الصراع لحماية الاستحقاق الاقتصادى الداخلي.
2 – تصدع التحالفات وتضارب الأجندات
يعكس ما يجري في حروب الكبار تباعداً متزايداً بين الحلفاء؛
فالتوتر بين أميركا وكييف سببه إدراك الإدارة الأميركية أن استمرار أمد الحرب الأوكرانية يكلفها سياسياً واقتصادياً بلا أفق للنصر المطلق.
وفي المقابل، حاولت واشنطن إغلاق جبهة الشرق الأوسط عبر صفقات واحتواءات دبلوماسية لم تنجح بعد!
3 – فشل الحسم العسكري المطلق
أثبتت التجربة الميدانية أن القوة العسكرية المفرطة عجزت عن تحقيق أهدافها النهائية؛
فلا روسيا استطاعت تركيع أوكرانيا نهائياً،
ولا الضربة المزدوجة، الأميركية – الإسرائيلية، استطاعت إسقاط النظام الإيراني أو تدمير برنامجه العسكري أو النووي جذرياً!
وهو ما فرض واقعاً جديداً مبنياً على الاستنزاف المتبادل.
ثالثاً: ما هو مستقبل هذه الصراعات وأبرز نتائجها؟
1 – هندسة صفقات التسوية القسرية
تشير التحركات الدبلوماسية الخلفية، مثل المقترحات المتعلقة برفع التجميد عن جزء من الأصول السيادية الروسية أو صيغ التسوية الإقليمية مع إيران، إلى أن هناك تحضيرات جادة لفرض طاولات مفاوضات مغلقة.
فالقوى الكبرى تسعى لتدشين “صيغ مقايضة كبرى” تجبر الأطراف المحلية الأوكرانية والإيرانية على قبول تسويات منقوصة، ليست في صالحها.
2 – إعادة تدوير العقوبات المالية
يتم التحضير لآليات مالية جديدة تشرف عليها واشنطن وحلفاؤها لإدارة ملف الأموال المجمدة والأصول الروسية والإيرانية، بحيث تصبح أدوات ضغط ولجم دائم في أيدي القوى الكبرى بدلاً من بقائها مجمدة.
3 – تقنين الدعم ولجم الحروب
تعمل واشنطن على “فرملة” حلفائها، سواء عبر تقييد تقنيات مثل ستارلينك لأوكرانيا أو عبر فرض سقوف للعمليات في الشرق الأوسط، لمنع تفلت الأمور نحو حرب عالمية شاملة، والاتجاه نحو “حروب منضبطة السقوف“.
4 – إنهاك يؤدي إلى هدن هشة
من غير المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة حسماً عسكرياً حاسماً في أي من الجبهتين؛
بل ستتجه الأمور نحو “هدن باردة” أو اتفاقيات وقف إطلاق نار هشة ومتقطعة، محكومة بمنطق الردع المتبادل والإنهاك الاقتصادي.
5 – تراجع الثقة في التحالفات التقليدية
ستترك هذه الأزمات ندوباً عميقة لدى الحلفاء، مثل كييف وبعض العواصم الإقليمية، الذين سيتأكدون أن المصالح الأميركية والغربية العليا هي البوصلة الوحيدة.
مما سيجبر الدول الإقليمية والصغرى على تنويع خياراتها الديبلوماسية وحتى الدفاعية، والانفتاح على محاور وخيارات بديلة.
6 – عالم متعدد الأقطاب بلا قواعد واضحة
ستسفر هذه الحروب عن نظام دولي أكثر هشاشة، تتآكل فيه المؤسسات الدولية التقليدية، وبخاصة مؤسسات الأمم المتحدة ومجلس الأمن تحديداً؛
وتصبح السيطرة في هذا العالم لمن يمتلك مفاتيح التكنولوجيا المتقدمة، والطاقة، والقدرة على تعطيل سلاسل الإمداد العالمية.
آفاق خطيرة للعالم!
يبدو العالم اليوم وكأنه قد وقع في فخ “استنزاف الآفاق المسدودة”؛
فلا الدول قادرة على حسم الحروب، ولا الحروب قادرة على حسم مصير الدول!
ولا السلام بات ممكناً بشروطه التقليدية.
إن ما يجري في أوكرانيا والشرق الأوسط ليس مجرد أزمات عابرة، بل هو مخاض عسير لنظام دولي يتهاوى ليترك خلفه عالماً أكثر قسوة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المصالح الحتمية!
والأخطر هو أن تتحول دماء الشعوب وأمنها إلى عملة صعبة تُصرف على طاولات المفاوضات الخلفية للكبار.
وذلك، مع تراجع المبادئ لصالح واقع البقاء للأقوى!
فهل ستتمكن هذه الصدمات الكبرى من إنتاج توازن جديد، أم أنها مجرد فصول تمهيدية لانهيار أكبر لم تُعرف ملامحه بعد؟!
